بعد أن فشلوا في توفيرها لمواطنيهم

روسيا والصين تعتزمان تقديم اللقاحات إلى الأوروبيين

صورة

بعد تعثر البرنامج الأوروبي للتطعيم ضد فيروس «كورونا»، تستعد روسيا والصين لسد الفجوة. وقد أطلقت موسكو محادثات لإنتاج لقاحات، في قلب أوروبا، لصالح البلدان التي تتدافع للحصول على جرعات. واللقاحات المنتجة في روسيا والصين موجودة بالفعل، في أجزاء من البلقان وأوروبا الشرقية، خارج الاتحاد الأوروبي. وفي حديثه إلى «المجلس الأطلسي»، يوم الخميس، وصف الرئيس الفرنسي ماكرون جهود الصين في مجال اللقاح بأنها «نجاح دبلوماسي واضح»، وهو «مهين قليلاً بالنسبة لنا».

وقد أعرب، هو والمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، عن انفتاحهما على استخدام لقاحات من موسكو وبكين، في حال موافقة هيئات الاتحاد الأوروبي التنظيمية عليها. وقد لا يكون هذا الاحتمال بعيداً، على الرغم من أن البيانات غير متوافرة. وبعد أن تمت مراجعة نتائج تجارب لقاح «سبوتنيك في»، من قبل الخبراء، ونشرت النتائج في دورية «لانسيت» العلمية، التي وضعت فاعليته إلى جانب أفضل لقاحات الغرب، قال مطورو اللقاح إنهم يتوقعون الانتهاء من إجراءات الترخيص النهائي بحلول مارس.

وقد بدأ الروس التفاوض مع الألمان من أجل شراكة في التصنيع. وصرحت وكالة الأدوية الأوروبية بأنها تقدم نصائح علمية، بخصوص لقاح «سبوتنيك»، وأحد اللقاحات الصينية، «سينوفاك»، على الرغم من أن أياً منهما لم يقدم بعد طلباً للموافقة على الاستخدام في الاتحاد الأوروبي.

لكن كفاح الولايات المتحدة من أجل طرح برنامجها، الخاص بكفاءة استخدام لقاحات أميركية وأوروبية الصنع؛ ترك روسيا والصين تظهران كمنقذين محتملين، بالإضافة إلى كونهما شريكين ضروريين. وتأتي احتمالية دخول لقاح «سبوتنيك» إلى أوروبا، في وقت تتعرض فيه ألمانيا لضغوط من أجل اتخاذ موقف أكثر صرامة تجاه موسكو، بعد تسميم زعيم المعارضة أليكسي نافالني وسجنه. بينما يخضع خط أنابيب الغاز، المزمع مده من روسيا إلى ألمانيا، لتدقيق خاص.

ابتهاج

يقول كبير خبراء الصحة العالمية في مجلس العلاقات الخارجية، ديفيد فيدلر: «مع الخلافات والحجج وتوجيه أصابع الاتهام، من قبل الاتحاد الأوروبي، يبدو كأنه عرض غير جاد»، متابعاً: «ليس هناك أدنى شك في أنه كان هناك ابتهاج كبير في موسكو وبكين حول هذا الأمر».

قائمة انتظار طويلة

وأشار المطلعون في صناعة الأدوية إلى بطء الطلب، والمساومة على السعر كسبب لتعثر الاتحاد الأوروبي؛ كما قال مسؤولون إن شركة الأدوية البريطانية - السويدية العملاقة «أسترازينيكا»، كان لها نصيب واضح في المشكلة، وتتحمل جزءاً من عبء نقص الإمدادات. وقد تم تعليق بعض اللقاحات المرشحة الأخرى التي طلبها الاتحاد الأوروبي، خلال التجارب، بينما تعطلت، أيضاً، عمليات تسليم لقاح «فايزر بيونتك» المطور في ألمانيا بشكل مؤقت.

ووسط الخلاف، هناك دولتان خارج الكتلة تتصدران مخططات التطعيم في القارة؛ هما: بريطانيا، التي خرجت حديثاً من الاتحاد الأوروبي، باستخدام لقاحي «أسترازينيكا» و«فايزر»؛ وصربيا، التي لم تنضم بعد إلى الاتحاد، وتستخدم «سبوتنيك في» و«سينوفارم» الصيني. وفي صربيا، حصل أكثر من 7% من السكان على جرعتهم الأولى، من اللقاح، مقارنة بـ2.4%، في ألمانيا، التي حققت نسبة قريبة لبقية دول الكتلة، وفقاً لتقرير «بلومبيرغ نيوز». فيما تلقى نحو 15% من الناس جرعة لقاح في بريطانيا. واعترفت ميركل في مقابلة تلفزيونية، يوم الثلاثاء، بأن «تطعيم صربيا كان أسرع»، مشيرة إلى استخدامها للقاح الصيني، موضحةً: «لقد قلنا دائماً إن أي لقاح وافقت عليه الوكالة الطبية الأوروبية مرحب به للغاية».

ويبدو أن اعتراف ميركل بتجربة صربيا الناجحة لا يترك سوى القليل من الأمل للدول الأصغر، التي ربما كانت تأمل الحصول على مساعدة لقاح من الغرب، والبعض في أوروبا حريص بشكل خاص على إبقاء نفوذ موسكو بعيداً. وحظر البرلمان الأوكراني اللقاحات الروسية، ودعا الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، أوروبا إلى تقديم مزيد من المساعدة. وقال في ديسمبر: «وجدت أكثر البلدان ثراءً أنفسها على رأس قائمة انتظار اللقاحات العالمية». يذكر أن أوكرانيا خسرت شبه جزيرة القرم، لصالح روسيا، في 2014.

نتيجة الأخطاء

والآن، الأمر بات واضحاً للبلدان الصغيرة، التي قد ترى بشكل متزايد أن خيار صربيا هو المسار الوحيد. وتلقى برنامج «كوفاكس»، التابع لمنظمة الصحة العالمية، والذي يهدف إلى توفير اللقاحات للدول التي لا تستطيع تحمل تكاليفها، تعهدات من الاتحاد الأوروبي بتزويد الجرعات. لكن المساعدة لم تتحقق وسط الفوضى والتأخر في جهود الاتحاد الأوروبي لشراء لقاحات لنفسه. وفي هذا السياق، يقول فيدلر: «عليهم الآن أن يأخذوا روسيا والصين على محمل الجد بشأن اللقاحات». موضحاً: «هذا نتيجة لمدى قساوة هذا الوباء، لكنه أيضاً، نتيجة لأخطاء السياسيين».

من جهته، قال ماكرون إنه يأمل أن يكون «كوفاكس»، على المدى الطويل، «أكثر كفاءة» من الجهود الأخرى، في خدمة البلدان النامية. وتابع الرئيس الفرنسي: «إذا جمعنا تمويلنا والتزاماتنا معاً، فيمكننا أن نوفر لهذه البلدان عدداً من الجرعات، دون أي مقارنة مع تلك التي ستقدمها الصين في الأسابيع والأشهر المقبلة».

لكن روسيا والصين كان لهما فضل السبق، وفقاً لنائبة مدير برنامج أوروبا في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، جوانا هوسا، متابعة أن «إنتاج واعتماد اللقاح الروسي في أوروبا، يمكن أن يزيد صدقية (سبوتنيك في)، ويسرع التطعيم بين الجيران الأوروبيين». وأردفت هوسا: «الهدف الأساسي للاتحاد الأوروبي هو ضمان تطعيم الناس، وأعتقد في هذه الحالة أن الاتحاد الأوروبي سيحاول أن يغض الطرف عن الجانب السلبي لروسيا، ويوزع اللقاح».

أما كريكو، فلا يرى في استخدام المجر، وغيرها، اللقاحات الروسية والصينية لحماية مواطنيها، مشكلة، موضحاً: «المشكلة هي أنه إذا كان هناك تصور بأن أصدقاءنا الشرقيين، فقط، هم من يمكنهم مساعدتنا في وقت الشدة».

دبلوماسية «سبوتنيك»

دبلوماسية اللقاح هي جزء من دفعة أوسع من قبل الرئيس فلاديمير بوتين لتأكيد نفوذ بلاده في الخارج، باختيار اسم لقاح يستحضر سباق الفضاء، خلال الحرب الباردة مع الغرب. وقال مدير «بوليتكل كابيتل»، وهي مؤسسة فكرية مستقلة ومقرها بودابست، بيتر كريكو، «المشكلة هي أنه - خصوصاً في البلدان الصغيرة - من الصعب فصل الصفقات مع روسيا والنفوذ السياسي»، متابعاً: «الاستراتيجية الروسية لاختبار تماسك الاتحاد الأوروبي، والعثور على الروابط الأضعف، وتأكيد النفوذ، واضحة للعيان وناجحة بالفعل».

وتقول بكين إنها لن تستخدم لقاحاتها للضغط الدبلوماسي، لكن في تصريحات عامة، ربط المسؤولون اللقاح بمزيد من التعاون والتواصل. ومن المرجح أن تدق أي شراكة لقاح، في أوروبا، ناقوس الخطر بواشنطن. ولكن الآن، يبحث معهد «جماليا»، والصندوق الروسي للاستثمار المباشر، وهما مطورا «سبوتنيك في»، بنشاط، عن شريك ألماني، لربط محتمل للإنتاج، وفقاً لوزارة الصحة الألمانية، التي أكدت أنها تواصلت مع شركة التكنولوجيا الحيوية الألمانية «أي دي تي بيولوجيكا». في حين امتنعت الشركة عن التعليق على المناقشات.

وقال وزير الصحة الألماني، ينس سبان، الأسبوع الماضي: «إذا كان اللقاح آمناً وفعالاً، بغض النظر عن البلد الذي تم تصنيعه فيه، فبالطبع يمكن أن يساعد في التغلب على الوباء». وقد استبق رئيس الوزراء المجري، فيكتور أوربان، تعليقات ألمانيا الإيجابية تجاه اللقاحات الروسية والصينية، إذ اعتمدت حكومته كل من «سبوتنيك في» و«سينوفارم»، للاستخدام في البلاد، دون موافقة من المنظمين في الاتحاد الأوروبي.

في المقابل، طلب الرئيس الصربي، ألكسندر فوسيتش، من الصين المساعدة، واستجابت بكين بسرعة، على الرغم من أنه لايزال من غير الواضح كم تلقت صربيا من اللقاحات كهدية، وكم تم شراؤه. وتبعت الدول الأوروبية لاحقاً بالمساعدات، لكن كان الأوان قد فات لتغيير التصور السائد في صربيا، بأن الصين كانت مستعدة للمساعدة في وقت كانت فيه دول الاتحاد الأوروبي تمتنع.


دبلوماسية اللقاح جزء من دفعة أوسع من قبل الرئيس فلاديمير بوتين لتأكيد نفوذ بلاده في الخارج، باختيار اسم لقاح يستحضر سباق الفضاء، خلال الحرب الباردة مع الغرب.

تلقى برنامج «كوفاكس»، التابع لمنظمة الصحة العالمية، والذي يهدف إلى توفير اللقاحات للدول التي لا تستطيع تحمل تكاليفها، تعهدات من الاتحاد الأوروبي بتزويد الجرعات. لكن المساعدة لم تتحقق، وسط الفوضى والتأخر في جهود الاتحاد الأوروبي لشراء لقاحات لنفسه.

طباعة