مجموعة بحثية تحذر من حرب أهلية إذا انسحبت القوات المتبقية

الوجود الأميركي في أفغانستان أو عدمه.. أول صداع للرئيس بايدن

صورة

أعلن الرئيس جو بايدن قبل أيام في أول زيارة له لوزارة الخارجية كرئيس للدولة، حيث ألقى خطاباً يتعلق بسياسته الخارجية، أن «أميركا عادت من جديد، ودبلوماسيتها عادت أيضاً»، ولكن ثمة شيء آخر عاد أيضاً، هو السؤال الذي ما انفك طرحه منذ زمن ومفاده: هل تستطيع الولايات المتحدة أن تجد حلاً مقبولاً للحرب في أفغانستان، هذه الحرب التي أثارت الإزعاج لثلاث إدارات أميركية متعاقبة.

سياسة مختلفة

وكان خطاب بايدن هو إول إعلان عن سياسته الخارجية بصفته رئيساً للدولة، واستغل هذه الفرصة كي يعلن أن سياسته مختلفة تماماً عن سلفه دونالد ترامب. وأطرى على حلفائه، وحذر روسيا من أن الأيام التي كانت الولايات المتحدة تبدو فيها في حالة ضعيفة قد ولت، وعرض العمل مع الصين حتى وإن كانت الدولتان في حالة تنافس. وأشاد بجمهوره من الدبلوماسيين الذين كانوا يشعرون في بعض الأحيان بأنهم على قائمة أعداء ترامب.

ولم يذكر بايدن ما هو القرار الأكثر ألماً بالنسبة له فيما يتعلق بالسياسة الخارجية، والمتعلق بما يمكن أن يفعله حيال أفغانستان، وهو أطول صراع تديره الولايات المتحدة حالياً. وهذه الحرب المستعصية على الحل، والمثبطة، تعني أن هناك جزءاً من عمل بائس يتعين على بايدن القيام به. وخلال الأشهر المقبلة، عليه أن يواجه الخيار الصعب المتمثل فيما إذا كان يتعين عليه البقاء في أفغانستان أو مغادرتها، وهذه المرة ليس كنائب للرئيس يقدم نصيحة متشككة بشأن البقاء في أفغانستان، وإنما كصاحب قرار نهائي في واشنطن.

مجموعة بحث مستقلة

وطرحت المسألة الأفغانية بوضوح كبير في تقرير صادر عن مجموعة بحث شبه مستقلة طلب منها الكونغرس دراسة استراتيجية للتعامل مع قضية أفغانستان. وحثت المجموعة التي كان يترأسها الجنرال المتقاعد جوزيف دانفورد الرئيس السابق لهيئة الأركان المشتركة، الرئيس بايدن على التخلي عن تعهد ترامب بسحب الجنود الأميركيين المتبقين في أفغانستان، والبالغ عددهم 2500 جندي بحلول الأول من مايو المقبل، حسب الاتفاقية التي توصل إليها زلماي خليل زاده، مبعوث ترامب، مع «طالبان» في فبراير 2020.

وحثت مجموعة الدراسة الرئيس بايدن على البقاء في أفغانستان من أجل ما يمكن أن يكون جهوداً طويلة الأمد من أجل التفاوض على شروط «دولة أفغانستان المستقلة، والديمقراطية وذات السيادة»، وهو هدف استعصى على الولايات المتحدة وحلفائها إنجازه طوال عقدين من الزمن. وقال دانفورد في تصريح له قبل أيام إن احتمال حدوث حرب أهلية في أفغانستان كبير جداً، إذا سحبت الولايات المتحدة قواتها المتبقية هناك بموجب اتفاق خليل زاده.

ويقول المسؤول السابق في وزارة الخارجية الأميركية، كارتر مالكسيان، الذي يعتبر أكثر الخبراء اطلاعاً على الشؤون الأفغانية في واشنطن، كما أنه كان كبير المستشارين لمجموعة الدراسة «إن الخيار الحقيقي الذي يواجه بايدن هو إما مغادرة أفغانستان أوالبقاء لفترة طويلة». وأشار إلى أن قوات «طالبان» حققت مكاسب كبيرة العام الماضي، بعد اتفاقية السلام مع ترامب، وحذر من أنهم سيأخذون مزيداً من المساحات من القوات الحكومية، عندما يُستأنف موسم القتال هذا الربيع، مضيفاً «طالما أنهم يحققون المكاسب، فمن غير المرجح أن يقدموا أي تنازلات».

ويقول مالكسيان: «عندما أنظر إلى التكاليف أجد أن مغادرة أفغانستان أمر ملح أكثر مما سبق». وأضاف مالكسيان الذي ألف كتاباً بعنوان «الحرب الأميركية في أفغانستان»، سيتم نشره في يوليو المقبل، أنه لتخفيف زخم واندفاع «طالبان»، واستعادة حالة الجمود التي كانت سائدة عندما كانت الولايات المتحدة تتفاوض من أجل اتفاق السلام، فإن ذلك يتطلب أكثر من 2500 جندي في أفغانستان، أو الـ4500 جندي الذين كانوا هنا في ديسمبر الماضي.

وجاءت وجهة نظر حذرة من خبير آخر بشأن قضايا أفغانستان، والذي كان مستشاراً أيضاً لمجموعة البحث هو بارنيت روبن، الذي قال في مقابلة معه إنه سيكون من الخطأ بالنسبة للولايات المتحدة انتهاك اتفاقية خليل زاده من جانب واحد، ولذلك نصح بايدن بالتفاوض مع «طالبان» على تمديد الانسحاب ستة أشهر أخرى، وبدعم من دول أخرى في المنطقة. والحقيقة أن كلا الخبيرين السابقين أعربا عن قلقهما بشأن مدى حساسية القرار حول أفغانستان.

ولطالما كان بايدن نفسه متشككاً حول أفغانستان، وعندما ألح الجيش على زيادة تعداد القوات عام 2009 من أجل محاربة مكتسبات «طالبان»، كان بايدن «المسؤول الكبير الوحيد الذي عارض باستمرار إرسال مزيد من الجنود»، وفق ما كتب الكاتب والمعلق الأميركي بن رودس في كتابه «العالم كما هو.. مذكرات حول إدارة أوباما». وكان بايدن يفضل قوة صغيرة لمحاربة الإرهاب، وكان لا يعجبه دور القيام ببناء الدولة في أفغانستان.

ولكن الاعتراف بالهزيمة بعد عشرين عاماً من القتال سيكون أكثر مرارة من العلقم بالنسبة لبايدن، اذ إن ذلك سيعني احتمالاً كبيراً لاندلاع حرب أهلية، وسيطرة «طالبان» وربما إعادة تأسيس تنظيم «القاعدة» في الوقت الذي تقترب فيه الولايات المتحدة من الذكرى العشرين لهجمات 11 سبتمبر.

وترك ترامب لبايدن اتفاق سلام في أفغانستان، وقال أحد مسؤولي وزارة الخارجية الأميركية يوم الثلاثاء الماضي، إن الإدارة الجديدة تدعم «عملية السلام القائمة لإنهاء الحرب من خلال تسوية سياسية عادلة وقابلة للاستمرار»، وهذا ما حثت عليه مجموعة الدراسة حول أفغانستان أيضاً.

ولكن المشكلة أن عملية السلام لا تعمل، وأفغانستان هي درس متواصل ومفاده أنه في الصراعات المريرة لا يعتبر الأمل استراتيجية.

ديفيد إغناتيوس : كاتب في «واشنطن بوست»


خلال الأشهر المقبلة يتعين على بايدن مواجهة الخيار الصعب، وهذه المرة ليس كنائب للرئيس يقدم نصيحة متشككة بشأن البقاء في أفغانستان، وإنما كصاحب قرار نهائي في واشنطن.

مجموعة بحثية تحث الرئيس بايدن على البقاء في أفغانستان من أجل ما يمكن أن يكون جهوداً طويلة الأمد من أجل التفاوض على شروط «دولة أفغانستان المستقلة، والديمقراطية، وذات السيادة».

طباعة