في مقال نشرته صحيفة الغارديان البريطانية

«خريطة طريق» لتجاوز الخلافات السعودية - الإيرانية

صورة

في مايو 2019، دعونا (سعودي يرأس مركز الخليج للأبحاث ودبلوماسي إيراني سابق) قادة بلدينا إلى إجراء حوار بينهما، وحذرنا من أن أي شيء خلاف ذلك من شأنه أن يزيد التوترات التي قد تتحول إلى مواجهة كارثية. ومنذ ذلك الحين شهدنا سلسلة من الهجمات على ناقلات نفط سعودية وإيرانية في المياه الدولية، وضربة كبيرة تعرضت لها منشآت أرامكو النفطية السعودية في بقيق وخريص، واحتكاكاً آخر بين إيران والولايات المتحدة في أعقاب مقتل الجنرال قاسم سليماني بطائرة أميركية بدون طيار؛ ثم شهد أواخر العام الماضي، مقتل عالم نووي بارز في إيران. وفي حين يبدو أن الأعصاب قد هدأت منذ ذلك الحين، فإننا لانزال تحت رحمة أي سوء تقدير قد يجعل الحرب الباردة بين بلدينا تتحول الى ساخنة، ما قد يؤدي إلى عواقب وخيمة على المنطقة بأكملها. ومع وصول إدارة جديدة إلى واشنطن، حان الوقت للانتقال من المواجهة إلى الحوار.

تأرجحت العلاقات بين المملكة العربية السعودية وجمهورية إيران الإسلامية، خلال العقود الأربعة الماضية، بين المواجهة والتنافس، بل والتعاون أيضاً. واليوم، نجد أنفسنا في قاع دورة الصراع. ومع ذلك، فإننا نتشارك الشعور بأنه في الوقت الذي تختلف فيه حكوماتنا حول مجموعة من القضايا الإقليمية، لا يوجد شيء حتمي بشأن هذا العداء، ولا هو محكوم عليه بأن يكون دائماً على هذا المنوال.

الخطوة الأولى

ستكون الخطوة الأولى نحو تسوية مؤقتة مقبولة هي أن يدرك كل جانب بواعث التهديد التي يشكلها له الجانب الآخر - سواء كانت حقيقية أو متخيلة - ومن ثم نتبنى مجموعة من المبادئ الأساسية التي يمكن البناء عليها.

ترى كل من إيران والسعودية أن الآخر حريص على الهيمنة على المنطقة. وتنظر الرياض إلى إيران على أنها عازمة على محاصرة المملكة بحلفائها من غير الكيانات الدولية؛ وترى طهران أن الرياض هي الوسيط الرئيس في جهود الولايات المتحدة لاحتواء وتقويض الجمهورية الإسلامية. وتعتبر الرياض أن ترسانة إيران من الصواريخ الباليستية تشكل تهديداً لأمنها القومي، لاسيما بنيتها التحتية الحيوية. وتعتبر طهران أن شراء المملكة كميات كبيرة من الأسلحة الغربية المتطورة يقوّض نظام تماثل الأسلحة التقليدية في المنطقة. وتتهم الرياض إيران بالتدخل في الشؤون الداخلية لدول ذات سيادة مثل اليمن وسورية ولبنان والبحرين والعراق. وترى طهران أن المملكة العربية السعودية تفعل الشيء نفسه في هذه البلدان بالذات.

أساسيات

ولكسر هذه الحلقة المفرغة وتجاوز لعبة إلقاء اللوم، يحتاج قادتنا إلى الانخراط في مناقشات مباشرة مسترشدة بالأساسيات التالية:

• إدارة العلاقات على أساس الاحترام المتبادل، ووفقاً للمصالح المشتركة وعلى قدم المساواة.

• الحفاظ على سيادة وسلامة الأراضي والاستقلال السياسي ومراعاة حرمة الحدود الدولية لجميع دول المنطقة واحترامها.

• عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.

• رفض التهديد باستخدام القوة، والالتزام بالتسوية السلمية لجميع الخلافات.

• احترام اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، لاسيما حرمة المرافق الدبلوماسية.

• تعزيز التضامن الإسلامي وتجنب الصراع والعنف والتطرف والتوتر الطائفي.

• التعاون الكامل في تدابير مكافحة الإرهاب.

• رفض سعي أي دولة للهيمنة على المنطقة.

• ضمان حرية الملاحة والتدفق الحر للنفط والموارد الأخرى إلى المنطقة ومنها، وحماية البنية التحتية الحيوية.

• حظر تطوير أو شراء جميع أشكال أسلحة الدمار الشامل.

نقطة الانطلاق

المبادئ التوجيهية التي يقبلها الطرفان تُعتبر نقطة انطلاق مهمة، لكن هناك حاجة الى اتخاذ إجراءات لبناء الثقة بعد عقود من العداء وانعدام الثقة. ويتطلب الجانب الدبلوماسي الحوار، بينما تتطلب المناقشات المباشرة خارطة طريق تتضمن مجموعة من تدابير بناء الثقة المتبادلة، وتسعى إلى رؤية واضحة لترتيب أمني إقليمي مقبول من الطرفين. ويمكن للأمم المتحدة أن تلعب دوراً مهماً في قيادة أو دعم عملية الحوار الإقليمي هذه.

قد يبدو ذلك مهمة مستحيلة لحكومتين يبدو أنهما لاتزالان عالقتين في دائرة تصعيدية. ومع ذلك، من المهم أن ندرك أن كلا البلدين نجح في الحفاظ على قنوات هادئة للتعاون والحوار طوال الوقت. وحتى وسط تصاعد التوترات، دخلت إيران والسعودية في حوار مثمر حول تسهيل مشاركة الإيرانيين في مناسك الحج. واتخذت المملكة العربية السعودية وإيران بالفعل إجراءات تناقض فكرة صراع حتمي محصلته «لا شيء» للجانبين، ويمكن لدولتينا البناء على هذه الإيجابية، وتبنّي التعاون المبدئي لتقليل التوترات في منطقتنا المضطربة، في وقت قد تؤدي فيه شرارة إلى إشعال المنطقة بأكملها. وتمثل إدارة الرئيس جو بايدن فرصة لبداية جديدة. ولكن الوقت من ذهب، حيث إن أي تأجيل لخفض التصعيد قد يشكل خطأً فادحاً، حيث شهدت المنطقة مراراً وتكراراً مناسبات نادرة تعنّ فيها فرص الحوار البنّاء، والتي يجب اغتنامها بسرعة قبل أن تتلاشى.

• تأرجحت العلاقات بين المملكة العربية السعودية وإيران، خلال العقود الأربعة الماضية، بين المواجهة والتنافس، بل والتعاون أيضاً. واليوم، نجد أنفسنا في قاع دورة الصراع.

• ستكون الخطوة الأولى نحو تسوية مؤقتة مقبولة هي أن يدرك كل جانب بواعث التهديد التي يشكلها له الجانب الآخر - سواء كانت حقيقية أو متخيلة - ومن ثم نتبنى مجموعة من المبادئ الأساسية التي يمكن البناء عليها.

عبدالعزيز صقر هو رئيس ومؤسس مركز الخليج للأبحاث.

حسين موسويان، دبلوماسي إيراني كبير سابق، متخصص في أمن الشرق الأوسط والشؤون النووية في جامعة برينستون.

طباعة