«الحركة» حقيقة سياسية ولا يمكن تجاهلها

بايدن يخطط لمراجعة اتفاق الدوحة بين الولايات المتحدة و«طالبان»

صورة

يخطط الرئيس الأميركي، جو بايدن، لمراجعة الاتفاقية بين الولايات المتحدة و«طالبان»، التي وقع عليها سلفه دونالد ترامب، والمسماة باتفاقية الدوحة. ويعتقد البعض أن الاتفاقية تم التوصل إليها على عجل، لأن الولايات المتحدة كانت تسعى بشتى الطرق لوضع نهاية لحربها في أفغانستان التي استمرت طوال 19 عاماً، ولكن الاتفاقية في شكلها الحالي يمكن أن تتسبب في أذى لأميركا وأفغانستان، أكثر من تحقيقها للأهداف المرجوة.

هناك أسباب للاعتقاد بأن الإدارة الجديدة تتشدق فقط بالقضية الأفغانية. فقد ذكر وزير الخارجية، أنتوني بلينكن، خلال جلسة تثبيته في مجلس الشيوخ، أن الولايات المتحدة «تريد إنهاء ما يسمى بالحرب الأبدية». حسناً، سيد بلينكن، من غير المرجح أن تنتهي الحرب الأفغانية في أي وقت قريب.

طريق مسدود

إذا كان الأمر يتعلق فقط بسحب القوات الأميركية من أفغانستان، فإن اتفاق الدوحة 2020 سيخدم الغرض. إذا كان الأمر يتعلق بإنهاء الصراع وضمان الأمن في أفغانستان، فيمكن أن يُقال إن الصفقة الحالية معيبة وغير كافية. فقد تصاعدت الهجمات العنيفة في أفغانستان منذ توقيع الاتفاق بين الولايات المتحدة و«طالبان». وتنفي الجماعة المتمردة ضلوعها في هذه الهجمات، لكن من الصعب الوثوق بهم عندما يرفضون الموافقة على وقف إطلاق النار على مستوى البلاد، على الرغم من الطلبات المتكررة من واشنطن وكابول.

وتوقفت المحادثات بين الأفغان عملياً. ولم يكن هناك تقدم كبير في هذه المفاوضات الحاسمة منذ انطلاقها في سبتمبر، بعد أشهر من المشاحنات والاتهامات. وهناك قضايا تتعلق بحقوق الإنسان والحد من العنف، لكن العقبة الرئيسة هي الاتفاق على المكون السياسي المستقبلي الذي سيحكم هذه الدولة التي مزقتها الحرب.

كيف سيبدو مثل هذا المكون؟ افترضت الولايات المتحدة أن أمر ذلك يجب أن يُترك لحركة «طالبان» وحكومة الرئيس أشرف غني. حسناً، لا ينبغي ذلك؛ لأن الأمر أيضاً جزء من مسؤولية واشنطن.

لكل من «طالبان» وكابول وجهات نظر مختلفة تماماً حول نوع الحكومة التي يجب أن تحكم أفغانستان. تريد «طالبان» نظاماً تحكمه الشريعة، بينما يريد غني الحفاظ على الديمقراطية البرلمانية. وحتى لو وافقت «طالبان» على الشكل البرلماني للحكومة، فإنهم يريدون أن تكون لهم اليد العليا في السلطة التنفيذية. ولماذا لا يطالبون بذلك وهم يسيطرون على مساحات شاسعة من الأراضي في البلاد، ولديهم تفوق في ساحة المعركة. إنهم يعتقدون أن بإمكانهم إملاء شروطهم على الحكومة الأفغانية، التي لاتزال تعتمد مالياً وعسكرياً على الولايات المتحدة والدول الغربية الأخرى. ولهذا فإن أي صفقة تتعلق أساساً بانسحاب القوات الأميركية من أفغانستان، ستقوي «طالبان» أكثر.

تحت رحمة اللاعبين الإقليميين

وأكد مستشار الأمن القومي المعين حديثاً للرئيس جو بايدن، جيك سوليفان، أخيراً أن «الولايات المتحدة ستدعم عملية السلام بجهد دبلوماسي إقليمي قوي». وهنا تكمن المشكلة، لأن القوى الإقليمية مهتمة فقط بمصالحها الخاصة. فقد أعرب وزير الخارجية الباكستاني شاه محمود قريشي، عن أمله في أن تغتنم إدارة بايدن فرصة السلام في أفغانستان، وهو ما يعني في الواقع أنه يأمل ألا تعدل الولايات المتحدة صفقة ترامب. صحيح أن اتفاقية الدوحة لم تكن لتتحقق لولا دعم إسلام أباد. لأن باكستان لها نفوذ كبير على «طالبان»، وقد لعبت دوراً رئيساً في جلب المتمردين إلى طاولة المفاوضات. لكن باكستان تريد دوراً قوياً لـ«طالبان» في الحكم الأفغاني المستقبلي. ومصالحها الإقليمية تصبح فعالة بشكل أفضل مع وجود قوي لـ«طالبان» في جوارها الغربي. لكن هذا لا يضمن السلام في أفغانستان.

العودة إلى عام 1996

ربما تكون باكستان هي المستفيد الأكبر من اتفاق الولايات المتحدة مع «طالبان» العام الماضي، حيث تأمل في تقليص نفوذ الهند في أفغانستان، والذي تضاعف منذ الغزو الأميركي للبلاد في عام 2001. ويقول بعض المعلقين إنه مع اتفاق الدوحة، سلم ترامب بشكل فعال كابول إلى إسلام أباد. هل يريد بايدن إعطاء باكستان و«طالبان» هذا القدر من السيطرة على أفغانستان؟ سيعيد ذلك البلد إلى عام 1996 عندما استولت «طالبان» على كابول وبدأت حكمها المتشدد لمدة خمس سنوات، وأصبحت أفغانستان والمناطق الشمالية في باكستان ملاذاً للمتشددين.

«طالبان» هي حقيقة سياسية ولا يمكن تجاهلها. وفي أي إعداد مستقبلي، ستلعب المجموعة دوراً كبيراً. ولكن بعد ما يقرب من عقدين من الفوضى باسم إرساء الديمقراطية وتحقيق الاستقرار في أفغانستان، لا يمكن لواشنطن أن تترك الأفغان تحت رحمة أصحاب المصلحة المتنافسين. ومع خروج ترامب من السلطة، فقد حان الوقت للإدارة الجديدة لتعديل الاتفاق بين الولايات المتحدة و«طالبان».

هل هذا يعني أن «طالبان» ستكون على استعداد لإعادة التفاوض على الصفقة؟ من المستبعد جداً. لكن الإدارة الجديدة بحاجة على الأقل إلى محاولة ممارسة المزيد من الضغط على المتمردين، ولعب دور أكبر في المفاوضات بين الأفغان. ولا تستطيع الولايات المتحدة الهروب من أفغانستان.

الجيش الأفغاني تخلى عن 200 نقطة تفتيش لحركة «طالبان»

قالت هيئة رقابية أميركية أمس، إن القوات الأفغانية تخلت عما يقرب من 200 نقطة تفتيش في إقليم قندهار جنوب البلاد، لحركة «طالبان».

ويأتي التقرير الصادر عن «هيئة التفتيش العامة لإعادة إعمار أفغانستان» (سيجار)، في الوقت الذي تنخفض فيه أعداد القوات الأميركية في أفغانستان إلى أدنى مستوياتها منذ عام 2001.

يُشار إلى أن الإقليم كان قد شهد خلال الأشهر الأخيرة، اشتباكات عنيفة بين القوات الحكومية وعناصر «طالبان»، ما دفع آلاف المدنيين إلى الفرار من منازلهم.

وقالت «سيجار» في تقريرها ربع السنوي الأخير لعام 2020، إن أفغانستان لديها نحو 6000 نقطة تفتيش يديرها 95 ألفاً من الجنود وأفراد الشرطة، وهم يمثلون ثلث قوات الأمن في البلاد.


بعد ما يقرب من عقدين من الفوضى باسم إرساء الديمقراطية وتحقيق الاستقرار في أفغانستان، لا يمكن لواشنطن أن تترك الأفغان تحت رحمة أصحاب المصلحة المتنافسين.

طباعة