المانحون الدوليون يتجاهلون مصالح تجارية مشبوهة تحافظ على شعبية الزعماء الطائفيين

الفساد والمصالح يحولان دون إعادة بناء لبنان

صورة

يركز المانحون المحتملون على إيجاد حلول لسوء الإدارة الاقتصادية، وغياب الإرادة السياسية، لكنهم يتجاهلون المصالح التجارية المشبوهة، التي تحافظ على شعبية الزعماء الطائفيين، في لبنان. وعندما عاد سعد الحريري، وهو أحد رجال الأعمال والسياسيين الأكثر إثارة للجدل في البلاد، إلى منصب رئيس الوزراء، في أكتوبر، بعد عام من الاحتجاجات، التي أجبرت حكومته على الاستقالة، كان ذلك بمثابة إشارة إلى عودة محبطة.

ومثل الرئيس الأميركي المنتهية ولايته، دونالد ترامب، ورث الحريري إمبراطورية تجارية من والده، ودأب على الخلط بين الأعمال والسياسة. ومثل ترامب، أيضاً، يتمتع الحريري والزعماء الطائفيون الآخرون، في لبنان، بقواعد شعبية مؤيدة. ومنذ الحرب الأهلية، دمج قادة البلاد السياسة مع التجارة، واستغلوا مواقعهم لكسب ولاء مناصريهم. ويستفيد الموالون من شبكات المحسوبية الفاسدة، ويرتبط المزيد من الناخبين مالياً بقادتهم. والآن وقد عانى لبنان أسوأ ركود له منذ عقود، ويتعافى من انفجار مدمر، فإن الضغوط الاقتصادية الجديدة تجبر محتكري التجارة والأعمال على فعل أي شيء للبقاء، باستثناء تغيير مواقعهم. وتقبل الكارتلات التجارية تنازلات قصيرة الأجل لتجنب الإصلاح الدائم، على أمل إعادة تنشيط شبكات المحسوبية الراكدة في المستقبل.

بعد ثلاثة عقود من الاستغلال، نادراً ما يتوقع المستهلكون اللبنانيون قيمة مقابل المال. ويتذمر الكثيرون بسبب انقطاع التيار الكهربائي اليومي، ونقص المياه، وفواتير الهاتف الأغلى في المنطقة. ويمتد الفساد المؤسسي إلى أعماق القطاع الخاص، حيث تحتكر الكارتلات كل شيء، من المياه المعبأة إلى زراعة البطاطا. لكن حتى النخب السياسية التجارية الجشعة، في لبنان، لا يمكنها تجاهل الانهيار الاقتصادي الحالي، الذي أهلك القدرة الشرائية الاستهلاكية. وهذا العام، وللمرة الأولى منذ جيل، بدأ اللبنانيون يدفعون أسعاراً معقولة مقابل الإسمنت. ويتحكم السياسيون وشركاؤهم في الشركات الثلاث لإنتاج الإسمنت، في البلاد. ومنذ تسعينات القرن الماضي، استبعدت الرسوم الجمركية العالية جداً المنافسة الأجنبية، ما أجبر المستهلكين على شراء الإسمنت اللبناني باهظ الثمن. لكن في أغسطس الماضي، اتفق موردو الإسمنت على خفض أسعارهم إلى نحو 30 دولاراً للطن. وكان هذا انخفاضاً ملحوظاً، عن 100 دولار للطن، سابقاً، أي نحو ثلاثة أضعاف سعر السوق العالمي. وفي هذا السياق، يقول المدير العام السابق في وزارة المالية، آلان بيفاني، إن الحكومة المؤقتة هددت بإلغاء الرسوم الجمركية على واردات الإسمنت، لضمان الامتثال لسقف أسعار الإسمنت.

ويعتبر بيفاني هذه السياسة أحد «النجاحات الصغيرة» لإدارة حسان دياب، قصيرة العمر. ولسوء الحظ، لا يشعر الجميع بالتفاؤل بشأن سقف سعر الإسمنت الجديد. ويستمر الاتفاق على أساس شهري فقط، في حين تستمر مقاومة أصحاب المال والنفوذ.

ويقول كبير الاقتصاديين وخبير الأسواق الناشئة، في «أكسفورد إيكونوميكس»، نافذ زوق «عندما جاء الضغط الحكومي، خفض (كارتل الإسمنت) الأسعار»، متابعاً: «لكنها جعلت الأمر صعباً للغاية على الحكومة، وقاوموا قدر المستطاع».

عطاءات مبهمة

علاوة على ذلك، في مقابل سقف السعر، تمكنت صناعة الإسمنت، أيضاً، من الحفاظ على نظام التعريفة، الذي قد يؤدي، في حال إزالته، إلى منافسة فعلية. وبعبارة أخرى، ربما يقبل كارتل الإسمنت أسعاراً أقل في الوقت الحالي، لكن ظروف السوق لاتزال سارية، كي يستغل الكارتل الشعب اللبناني مرة أخرى، والخزائن العامة هي مصدر دخل مضمون آخر للكارتلات اللبنانية، ما يساعد على استمرار عمل آلية المحسوبية السياسية الطائفية. وعلى وجه الخصوص، منحت عمليات العطاءات المبهمة، منذ فترة طويلة، عقود الخدمات العامة، مثل إدارة النفايات، للشركات المفضلة.

وأضاف بيفاني: «لقد رأينا في العديد من القطاعات أن (السياسيين) يقدمون دائماً الوسطاء في العقود الحكومية».

وفي حالات أخرى، وافق السياسيون على «الوظائف الوهمية»، التي لا معنى لها، والتي تتيح لمؤيديهم الحصول على أجر مقابل عدم القيام بأي عمل تقريباً. لكن الآن، نفدت الأموال العامة تقريباً، ونظراً لأن الدولة تواجه ثالث أعلى نسبة دين إلى الناتج المحلي الإجمالي، في العالم، فإن الكارتلات اللبنانية ستحتاج إلى التكيف، مرة أخرى.

ويعتبر الوقود مادة أساسية وحيوية، كما أنه سلعة تخضع للاحتكار أيضاً. ومع اقتراب انتهاء دعم الوقود، سيتعين على مستوردي الوقود التراجع إلى وضع الحد الأدنى. ومثل الإسمنت، تتحكم ثلاث شركات، يُقال إنها مرتبطة بزعماء طائفيين، في واردات الوقود إلى لبنان، وقد سُمح لها، تاريخياً، بالعمل كوسطاء حصريين بين الحكومة والدول المصدرة للوقود. وتشرح مستشارة سياسات الطاقة المستقلة، جيسيكا عبيد، أن هناك احتكاراً مُحكماً لفئة قليلة، في قطاع مربح للغاية، متسائلة: «كيف يتم إبرام العقد؟ هذه علامة استفهام كبيرة، لكنهم بالتأكيد ينالون حصة كبيرة من السوق اللبنانية»، ولكن الآن، مع انخفاض احتياطات العملات الأجنبية بشكل خطير، فإن هؤلاء المستوردين على وشك فقدان هذه البيضة الذهبية.

وعلى المدى القصير، تتوقع عبيد أن يتحمل كارتل الوقود الخسائر، على أمل أن يتمكن من إعادة جني الأرباح كما هو معتاد، في المستقبل، موضحة: «آمل أن تسمح الحكومة بوجود مزيد من المنافسة في سوق الوقود، لكن ذلك يعتمد على العديد من العوامل غير المؤكدة، والعامل الرئيس هو عندما تنفد الاحتياطات الأجنبية».


منذ الحرب الأهلية اللبنانية، دمج قادة البلاد السياسة مع التجارة، واستغلوا مواقعهم لكسب ولاء مناصريهم.

تتحكم ثلاث شركات، يُقال إنها مرتبطة بزعماء

طائفيين، في واردات الوقود إلى لبنان، وقد سُمح لها، تاريخياً، بالعمل كوسطاء حصريين بين الحكومة والدول المصدرة للوقود.

طباعة