ترامب ليس الخاسر الوحيد في الانتخابات الأميركية

دول أكثر حظاً.. وأخرى خاسرة مع وصول بايدن للبيت الأبيض

صورة

قد لا يكون الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، هو الخاسر الوحيد بعد ظهور نتائج الانتخابات الأميركية، فهناك الدول كثيرة قد تكون هي الخاسر الأكبر من ذهابه، وفي الوقت الذي يتسابق الزعماء العالميون لإزجاء التهاني للرئيس المنتخب، جو بايدن، ونائبته كامالا هاريس، سنلقي نظرة سريعة على ما سيكسبه قادة العالم ويخسرونه من تغير الحرس في واشنطن.

كندا أكبر الفائزين

هناك سبب وجيه لكون رئيس الوزراء الكندي، جاستن ترودو، من بين قادة العالم الأوائل الذين هنأوا بايدن وهاريس على فوزهما، ومثله مثل ترودو، فإن بايدن نفسه مؤمن بعالم متعدد الأقطاب في بيئة تتزايد فيها باستمرار معاداة هذا النهج في السياسة العالمية، الآن أصبح ترودو جاراً لشخص سيعمل معه لبناء العديد من مؤسسات هذا العالم المتعدد، بدلاً من تقويضها من الداخل، كما كانت عليه الحال مع القيادة المغادرة، خصوصاً في القضايا الحرجة مثل تغير المناخ، ومن غير المرجح أن تبدأ إدارة بايدن حروباً تجارية عشوائية مع جارتها الشمالية حول الألومنيوم، وإلى حد كبير سيتحقق ما يمكن أن تأمله كندا من دخول بايدن البيت الأبيض.

فرنسا في رَكب الدول الرابحة

الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، يبحر في القارب نفسه مع ترودو، فهو زعيم مدافع عن نظام متعدد الأقطاب شهد أياماً زاهرة، ويُعد رحيل ترامب وحده فوزاً مهماً لباريس، لكنّ هناك سبباً وجيهاً في شعور الفرنسيين بالسعادة بوصول رئيس جديد منتخب للمكتب البيضاوي، حيث من المتوقع أن يعامل أوروبا حليفاً تقليدياً، كما كانت الحال على مدار الـ80 عاماً الماضية، بدلاً من عدو تجاري ظهر بين عشية وضحاها، وبالقدر نفسه من الأهمية بالنسبة لماكرون، يستعد الرئيس الفرنسي لتولي زمام القيادة الأوروبية بمجرد مغادرة المستشارة الألمانية، أنغيلا ميركل، المشهد السياسي في ألمانيا، أخيراً، وسيصبح هذا الانتقال بالنسبة له أسهل إذا علمنا أن الرئيس الأميركي الجديد ينظر إلى دول مثل روسيا وتركيا على أنها تمثل تهديداً، مثلما يعتقد بالمثل نظيره الفرنسي.

ميركل سترحل وهي مطمئنة

قامت ميركل بواجبها، حيث عملت قائداً أساسياً وزعيمة فعلية للعالم الحر مع بدء عهد ترامب، الآن بعد أن انتخبت الولايات المتحدة زعيماً أكثر تقليدية، يمكن لميركل التخلي عن دورها السياسي السابق، مدركة أنها بذلت قصارى جهدها في ظل ظروف صعبة، وتستطيع ألمانيا، أخيراً، أن تستكشف ما سيحدث في مرحلة ما بعد رحيل ميركل.

اليابان تربح بايدن لجانبها

لعلكم تتذكرون ما حدث في نوفمبر 2016، عندما اندفع رئيس الوزراء آنذاك، آبي شينزو، ليكون أول زعيم أجنبي يهنئ ترامب شخصياً على فوزه في الانتخابات، هذه هي الأهمية التي يوليها القادة اليابانيون للعلاقة بين الولايات المتحدة واليابان، والضمانات الأمنية التي تأتي معها.

لكن آبي لم يكن قادراً على استمالة ترامب تماماً، الذي اشتكى من أن التحالف الثنائي لا يوفر مزايا كافية للولايات المتحدة، ويجب إصلاحه.. الآن بعد أن حزم ترامب حقائبه استعداداً للمغادرة، يمكن للرجل الذي حلّ محل آبي، في سبتمبر، سوجا يوشيهيدي، أن يتطلع إلى علاقة أكثر هدوءاً وتقليدية مع الولايات المتحدة، فقد أكد بايدن لسوجا في مكالمة أنه يعتبر جزر سينكاكو، التي تسيطر عليها اليابان والتي تدعي الصين تبعيتها، مشمولة بالتزام الولايات المتحدة، المتعلق بتقديم المساعدة لليابان في حالة تعرضها لهجوم من طرف ثالث، والتزم الرؤساء الأميركيون السابقون، بمن فيهم ترامب، بهذا التعهد، لكن ما وعد به بايدن سيساعد في تبديد مخاوف طوكيو من أنها ستقع ضحية لاستفزازات الصين.

التغيير السياسي الأميركي يصبّ في مصلحة المكسيك

عام 2016، توقع الكثيرون أن تجد المكسيك نفسها في موقف صعب، بينما يدخل العالم عهد ترامب، لاسيما بالنظر إلى النقد اللاذع الذي وجهه ترامب إلى البلاد خلال حملته الانتخابية، ومع ذلك كان واقع السنوات الأربع الماضية مختلفاً تماماً، ويرجع ذلك في الغالب إلى أن القادة السياسيين في المكسيك كانوا عمليين للغاية، ويعترفون بأن الولايات المتحدة أكثر قوة من بلادهم بشكل غير متكافئ، ما جعلهم يبتعدون عن سياسة المواجهة، وحتى كتابة هذه السطور لم يهنئ الرئيس المكسيكي، أندريس مانويل لوبيز أوبرادور، الرئيس المنتخب جو بايدن، وربما كان هذا له علاقة بتاريخه في الانتخابات الرئاسية المتنازع عليها، ورغبته في تجنب أي سياسات أرض محروقة مع ترامب، حتى يتم تأكيد أن بايدن هو الرئيس المنتخب بالفعل حسب اعتقاده، وعندما يحين الوقت سيكون جاراً أكثر قابلية لتوقع سياساته، وأقل احتمالاً لإثارة أزمة سياسية حول قضايا الهجرة.

ومع ذلك، من المرجح أيضاً أن تؤكد إدارة بايدن على معايير للعمل والبيئة، خلافاً لما فعله فريق ترامب من قبل، كما ستظهر توترات محتملة حول سياسات الرئيس المكسيكي التي تركز على الدولة، والتي تؤثر في شركات الطاقة المتجددة الأميركية وغيرها، ومع ذلك فإن التغييرات السياسية في واشنطن تصبّ في مصلحة المكسيك، بالإضافة إلى أنها لن تصبح مضطرة إلى دفع ثمن الجدار الجديد الذي اقترحه ترامب.

كوريا الجنوبية تكسب لكنبقدر أقل

لايزال الرئيس، مون جاي- إن، حريصاً على إعادة الارتباط بكوريا الشمالية، ووضع العلاقة بين الشمال والجنوب في إطار أكثر تكافؤاً يمكن توقعه، لكن هذه المهمة الصعبة بالفعل أصبحت أكثر صعوبة بسبب خروج ترامب باستمرار عن المسار المرسوم في سعيه لتحقيق أهدافه السياسية الخاصة، وإقامة علاقة صداقة ناشئة مع الزعيم الكوري الشمالي، كيم جونغ أون، استقطبت العناوين الرئيسة في العالم، لكن لم يتمخض عنها اختراق في إقناع كيم بنزع سلاحه النووي.

الآن سيكون لسيؤول شريك في البيت الأبيض أكثر استعداداً للتنسيق لمواجهة التحدي الكوري الشمالي، الذي يتمثل في الحاجة إلى وجود قوات أميركية متمركزة في كوريا الجنوبية، ولن يهدد هذا الشريك بسحب هذه القوات كما فعل ترامب، إذا رفضت سيؤول دفع المزيد من المال لنفقاتها، ومع ذلك لا ينبغي أن يفترض مون أن بايدن سيدعم بحماس خططه لمتابعة المشروعات الاقتصادية عبر الحدود والتعاون مع بيونغ يانغ.

بالطبع، سيكون بايدن أكثر انفتاحاً من ترامب في قبول المدخلات من سيؤول، في ما يتعلق بصياغة الاستراتيجية تجاه الشمال، لكن هذا لا يعني أنه سيوافق على تقديم هدايا لكيم، من دون الحصول على بعضها في المقابل.

الهند تحتفظ بأرباحهاالسابقة

أقام رئيس وزراء الهند، ناريندرا مودي، واحدة من أفضل العلاقات مع ترامب بين قادة العالم، وهي إحدى ميزات سياساته الشخصية، وساعده في ذلك الأهمية الجيواستراتيجية للهند لدى الإدارة الأميركية الحريصة على شنّ معركتها مع الصين عبر الهند، وفي حين أن السياسة القومية الهندوسية لمودي ستلقى صدى أقل لدى الرئيس بايدن، فإن موقف الهند جزءاً رئيساً من استراتيجية دول المحيط الهادئ المزدهرة، وإمكاناتها كقوة موازنة للصين في المنطقة، يعنيان أنها ستحتفظ بمكانة رئيسة في أجندة السياسة الخارجية الأميركية، وفق ذلك علينا أن نذكر أن هاريس أول شخص من أصل هندي يصل إلى منصب نائب رئيس الولايات المتحدة.

إسرائيل هي الرابح في جميع الأحوال

لقد حققت العلاقة الشخصية الدافئة بين رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، وترامب لإسرائيل بعض المكاسب الواضحة، مثل نقل الولايات المتحدة سفارتها إلى القدس، وتطبيع العلاقات مع دول عربية بوساطة أميركية، ويعد الرئيس بايدن واحداً من أكثر السياسيين ودية لإسرائيل في واشنطن، وليس لديه مصلحة في إعادة أي من هذه التغييرات القهقرى، وهي تغييرات تجعل كلاً من إسرائيل والشرق الأوسط أكثر استقراراً على المدى الطويل، وبعبارة أخرى حصلت إسرائيل على كل ما في وسعها تقريباً من ترامب، ويمكنها استخدام السنوات الأربع المقبلة للمساعدة في إصلاح علاقتها بالحزب الديمقراطي، بمساعدة بايدن، لاستعادة دعم الولايات المتحدة لإسرائيل.

المملكة المتحدة أكبر الخاسرين

كان رئيس الوزراء البريطاني، بوريس جونسون، يتوقع صفقة تجارية بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة كنوع من الدعم، في حالة تعذر التوصل إلى اتفاقية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في بروكسل. وفي الوقت الذي يمضي بايدن قدماً للوصول إلى البيت الأبيض يبدو ذلك مستبعداً بشكل متزايد، وبروكسل تعرف ذلك جيداً، وهذا يجعل مهمة جونسون المتمثلة في تحقيق التوازن بين صفقة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والاتفاق التجاري مع أميركا، صعبة بما فيه الكفاية، يضاف إلى ذلك رد الفعل السلبي جراء تدابير «كوفيد-19»، وتمرد داخلي بين أنصار البريكست المتشددين داخل حكومته، كل ذلك مع انحسار الدعم من الجمهور البريطاني، المحبط بشكل متزايد، لجونسون، هذا من دون أن نتطرق إلى تحذير بايدن صراحة للمملكة المتحدة من اتخاذ أي خطوات تهدد بإعادة فرض حدود بين إيرلندا وإيرلندا الشمالية، وهي قضية شخصية بالنسبة لهذا السيناتور السابق بولاية ديلاوير، المنتمي لأصول إيرلندية، وعلى الجانب الإيجابي، فإن الخروج من الاتحاد الأوروبي في عالم يجلس فيه بايدن بالبيت الأبيض، سيكون أقل فوضوية من أي بديل آخر.

الرئيس البرازيلي الخاسر الأكبر

الأمر الوحيد الذي نعرفه على وجه اليقين أن الرئيس البرازيلي، غايير بولسونارو، على وشك أن يفقد زعيماً تتوافق آراؤه إلى حد كبير مع مقاربته للسياسة العالمية، وحتى إنكاره لتغير المناخ، وهي السياسات التي أعطت بولسونارو بعض الغطاء على المسرح العالمي، ومع خروج ترامب من المشهد السياسي أصبح بولسونارو الآن حامل الشعلة لهذا النوع من السياسة، ومن غير الواضح على الإطلاق أنه مستعد للعب هذا الدور.

خسارة كبيرة لموسكو

ماذا كسبت روسيا من وجود رئيس أميركي أكثر تأييداً لها منذ أجيال؟ الإجابة هي القليل بشكل مثير للصدمة، وهو ما يحدث عندما يكون الرئيس وحده من المعجبين، لكن بقية واشنطن (من جمهوريين وديمقراطيين ومؤسسة الأمن القومي) ليست كذلك بالتأكيد، ومن هذا المنظور فإن خسارة ترامب ليست ضربة مدمرة لموسكو. لكن عندما يقضي بلد أربع سنوات في محاولة تأجيج الانقسامات في الولايات المتحدة، وإقحام نفسها في جميع أنواع البؤر الجيوسياسية الساخنة حول العالم، فإن فقدانها شخصية مثيرة للانقسام مثل ترامب، ومجيء شخص آخر غيره يعتمد على الإجماع فإن خسارة موسكو تصبح كبيرة.

رحيل ترامب ضربة موجعة لتركيا

لم يكن الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، بحاجة حقاً إلى ضربة إضافية لخسارة ترامب هذا العام، لقد عرّض «كوفيد-19» الاقتصاد التركي المتعثر بالفعل لمزيد من الضغوط، ما أدى إلى تقليص شعبية أردوغان، ما جعله يلجأ إلى اتخاذ خطوات عدوانية في الخارج لتغيير السرد داخل الوطن، ومن هنا تدفقت الغزوات التركية نحو شرق البحر الأبيض المتوسط، وفي ناغورني قره باخ، وفي سورية، وليبيا. كل ذلك كان ممكناً بسبب عدم مبالاة ترامب بأي شيء خارج مداره المباشر، وبسبب علاقة أردوغان الشخصية الدافئة مع ترامب، وحيث إن بايدن معروف باهتمامه بالاتحاد الأوروبي، والشؤون العالمية، ستكون الحياة أكثر صعوبة لأردوغان في الداخل والخارج.

الصين من الرابحين

حققت الصين بعض النجاحات في الشؤون الدولية في السنوات الأخيرة، لأنها اتبعت مقاربة استراتيجية شاملة للشؤون العالمية، وستنظر الصين إلى فوز بايدن من خلال العدسة الاستراتيجية نفسها، وعلى المدى القصير فإن رئاسة بايدن سعود بالفائدة على الصين، لأنها تخفف بعض الضغط قصير المدى على العلاقة بين الولايات المتحدة والصين، وتجلب المزيد من القدرة على توقع ازدهار الاقتصاد العالمي، الذي تحتاج إليه الصين لمواصلة صعودها الاقتصادي، كما أن الاستقرار الذي تبشر به رئاسة بايدن يمنح الصين الوقت لتطوير مرونتها، استعداداً لأي معارك تجارية وتقنية تنتظرها، ومن ناحية أخرى كانت فترة ولاية ترامب الثانية ستوفر للصين انفتاحاً أكبر، وحجة أكثر إقناعاً، بأن العالم بحاجة إلى مزيد من القيادة العالمية الصينية.

سؤال يطرح نفسه

السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل سينزعج نظام كيم جونغ أون لأن الزعيم الأميركي الأعمق صداقة له منذ عقود في طريقه للخروج؟ حتى ولو لم يبرم معه صفقة سلام أو اتفاقية لتخفيف العقوبات؟ أم أن كيم سيكون منفتحاً على مفاوضات مع رئيس أميركي سيطالب بمزيد من التنازلات؟ لكنه من المرجح أيضاً أن يحترم وعوده، ويبني دعماً واسعاً في واشنطن، لحل وسط حسن النية بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية إذا تم التوصل إلى حل وسط، وهل سيرحب كيم ببايدن من خلال استعراض للقوة في الأشهر المقبلة؟ لكن سيكون من الصعب على كيم مقاومة فعل أي شيء أخرق ليحظى باهتمام بايدن، لا نستطيع في الوقت الراهن أن نتكهن بأي شيء من هذا القبيل.


- أقام رئيس وزراء الهند، ناريندرا مودي، واحدة من أفضل العلاقات مع ترامب بين قادة العالم، وهي إحدى ميزات سياساته الشخصية، وساعدته في ذلك الأهمية الجيواستراتيجية للهند لدى الإدارة الأميركية، الحريصة على شن معركتها مع الصين عبر الهند.

- قامت ميركل بواجبها، حيث عملت كقائد أساسي وزعيمة فعلية للعالم الحر مع بدء عهد ترامب. الآن بعد أن انتخبت الولايات المتحدة زعيمًا أكثر تقليدية، يمكن لميركل التخلي عن دورها السياسي السابق مدركة أنها بذلت قصارى جهدها في ظل ظروف صعبة، وتستطيع ألمانيا أخيرًا أن تستكشف ما سيحدث في مرحلة ما بعد رحيل ميركل.

طباعة