بعد أن خيّبت آمال حلفائها ولم تردع من يشكلون تحديات

وقف النار في «ناغورني قره بــــاغ» بداية نهاية نفوذ روسيا جنوب القـــوقاز

صورة

هل يمثل اتفاق وقف إطلاق النار بوساطة روسية بين أرمينيا وأذربيجان نصراً لموسكو؟ تشير الحادثة المأساوية التي تم فيها إسقاط مروحية روسية إلى أن الموضوع يتعلق بجهود الكرملين في إدارة ضعفه وانحداره.

وفي الحقيقة، فإن الاتفاقية الثلاثية تحدد بصورة أساسية مكاسب باكو الأخيرة على الأرض. ويتعين على القوات الأرمينية الانسحاب من مناطق، مثل «أغدام» ذات الأهمية السياسية في شرق الإقليم، ومنطقة «لاكشين» ذات الأهمية الاستراتيجية، التي يمر من خلالها الطريق الرئيس الذي يربط «ناغورني قره باغ» مع أرمينيا. وسيبقى هذا الطريق الذي يطلق عليه ممر لاكشين مفتوحاً، وهو شريان حياة يضمن بقاءه كذلك كتيبة حفظ سلام روسية مؤلفة من 1960 جندياً، والتي ستراقب خط التماس الجديد بين الطرفين. ووصل هؤلاء الجنود المدربين على القتال، وهم من اللواء 31 للحراسة الجوية المستقلة، إلى مسرح الأحداث. وعلى الرغم من السخط الشعبي في أرمينيا حول قبول رئيس الحكومة نيكول باشينيان للاتفاقية، إلا أنه اعترف نفسه بأن الأمر كان «مؤلماً بشكل لا يصدق بالنسبة لي ولشعبي»، لكنه الأمر الواقع. وأصبح الأمر محتوماً بعد سقوط مناطق استراتيجية مهمة، مثل «شوشي» بأيدي القوات الأذرية، وهي بوابة المدينة الرئيسة في الإقليم، واسمها ستيباناكيرت. وبالنسبة لأرمينيا، فإن الاتفاق، على الأقل، يمنع وقوع هزيمة شاملة في إقليم «ناغورني قره باغ». وأما بالنسبة لأذربيجان، التي مُنيت قواتها بخسائر فادحة لتحقيق كل هذه المكاسب، فقد كان الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف قادراً على الإعلان بابتهاج أن الاتفاق يمثل «استسلام» يريفان. ولكن ما الذي يعنيه الاتفاق بالنسبة لموسكو؟ لطالما اعتبر الكرملين منطقة جنوب القوقاز بأنها جزء من دائرة نفوذه «القريبة من الخارج». وليست إمبراطورية بحد ذاتها، ولكنها منطقة يجب الاعتراف بأنها قوة هيمنة إقليمية. وكان عجز روسيا، أو عدم استعدادها للسيطرة على الحرب التي استمرت ستة أسابيع، قد أصبح مشكلة متزايدة، خصوصاً أن أرمينيا، بخلاف أذربيجان، التي لاتزال عضواً في «منظمة معاهدة الأمن الجماعي» التي أنشأتها روسيا كردّ على حلف شمال الأطلسي (ناتو)، كانت تتعرض لهجمات قوية على أراضيها.

وكان ذلك خطيراً بالنظر إلى الدعم التركي الكبير والواضح لأذربيجان. ولم يكن الأذريون يستخدمون الطائرة التركية بدون طيار «برقدار» لإنزال هجمات مميتة بالأرمن، وانما قامت تركيا بنشر طائرات «إف 16» في مطار غانجا، ثاني أكبر مدينة في أذربيجان لردع هجمات الأرمن، ووفق تقارير أثارت بعض الجدل، فإن تركيا أرسلت مرتزقة سوريين إلى أذربيجان.

وكان ذلك يمثل تحدياً واضحاً للهيمنة الروسية الإقليمية. وفي هذا السياق، من الملاحظ أن اتفاق وقف إطلاق النار كان ثلاثياً، تم التوصل إليه بين موسكو، وباكو، ويريفان، وإن كان علييف يدّعي أن تركيا ستلعب دوراً في مراقبة الاتفاقية. إذاً هل موسكو تريد في نهاية المطاف أن تؤكد دورها كقوة هيمنة إقليمية؟

قبول الهزيمة

وبناءً عليه فإن أرمينيا، التي تعتمد على حماية روسيا ضد أذربيجان الأكبر مساحة والأكثر ثراءً والأفضل تسليحاً، أُجبرت في الواقع على قبول الهزيمة. وعلى الرغم من أن البعض يمكن أن يشعر بالسرور نتيجة تقويض قوة باشينيان، باعتباره ليبرالياً ارتقى عن طريق إحدى «الثورات الملونة» سيئة السمعة، إلا أنه بات من الصعب رؤية حكومة أخرى بديلة، يمكن أن تكون ودية أكثر مع الكرملين. ويبدو أن الأرمن لم يعودوا ينظرون إلى الروس باعتبارهم الحليف المنقذ.

وباتت أذربيجان هي المنتصرة، لكنه انتصار وإن اعترفت به روسيا، إلا أنه تم على يدي تركيا. واعترف علييف بذلك في خطابه حول وقف إطلاق النار، مشيراً إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بكلمات محايدة، في حين أنه تقدم بالشكر لـ «أخي العزيز رجب طيب أردوغان».

إدارة الضعف والانحدار

حتى وإن كانت روسيا تقوم بدور حفظ السلام، إلا أنه من الجدير ذكره أنه عبء إضافي على جيشها واقتصادها. لقد صنعت لنفسها دوراً تلعبه في الجغرافية السياسية للمنطقة، لدواعي الاطمئنان، ولكن هذا الجزء من العالم من المفروض أن تكون فيه مهيمناً. وسواء شارك الضباط الأتراك في مركز حفظ السلام الجديد لمراقبة وقف إطلاق النار أم لا، فإن ذلك سيان من جوانب عدة. ففي نموذج يذكرنا بالتوجهات المتغيرة في آسيا الوسطى، حيث تحتفظ موسكو بزخارف الهيمنة، في حين أن وراء الكواليس تصبح القوة الاقتصادية الصينية أكثر هيمنة، وهذا ما يحدث في جنوب القوقاز، إذ يتعين على روسيا قبول لاعبين جدد في منطقة لطالما كانت تعتبر يوماً ما ساحتها الخلفية بلا منافس.

والمفارقة أن روسيا لا تملك القوة السياسية والعسكرية لكي تعمل بسرعة وحسم أكبر حتى لو أرادت. ويظهر رد موسكو على إسقاط الطائرة الروسية في العديد من النواحي وجود تفسخ في الإرادة الروسية، وفي قدرتها على الحفاظ على هيمنتها التي كانت واضحة سابقاً. وفي اليوم ذاته الذي تم فيه الاتفاق على وقف إطلاق النار، أسقط صاروخ أذربيجاني مروحية روسية مقاتلة في المجال الجوي الأرميني، بينما كانت ترافق قافلة عسكرية روسية إلى القاعدة العسكرية 102 في مدينة غيمور، وقتل اثنان من العسكريين. وقدمت باكو اعتذارها على نحو شكلي. وعلى الرغم من أن إسقاط الطائرة جرى بعيداً عن منطقة الصراع، إلا أن الأذريين قالوا إن الطائرة كانت تطير في الليل وعلى ارتفاع منخفض، وهو أمر عادي جداً بالنسبة لطائرة ترافق قافلة، وأضافوا في بيانهم «وفي سياق هذه العوامل وعلى ضوء الوضع المتوتر في المنطقة، والاستعداد المتزايد للقتال في ما يتعلق بالاستفزازات المحتملة للجانب الأرميني، قرر الجنود فتح النار عليها بقصد إسقاطها».

أمر مماثل

وحدث أمر مماثل في نوفمبر 2015 عندما أسقطت تركيا طائرة «سوخوي 24» روسية كانت تشارك في العمليات القتالية في شمال سورية عندما دخلت الى المجال الجوي التركي. واستنكر بوتين الغاضب هذا العمل، ووصفه بأنه «خنجر في الظهر من قبل متواطئين مع الإرهابيين»، وتم فرض العقوبات الاقتصادية على كل شيء تركي بدءاً من العطلات والسياحة في تركيا، وانتهاءً بالطماطم. وفي نهاية المطاف أقر أردوغان بالخطأ وقدم تعازيه بصورة حذرة جداً كي لا تبدو بأنها اعتذار. ومع ذلك قرر الكرملين أن هذا بالضبط ما يريده، وتم رفع العقوبات.

وعلى نحو مماثل، في هذه المرة، أعرب وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف عن رضاه بأن «باكو اعترفت فوراً بخطئها»، مضيفاً «ونحن نثمن التأكيدات التي قدمها الجانب الأذربيجاني بأن التحقيق العملياتي في هذا الحادث سيجري فعلاً». وهذا ليس من سمات الحكم الناضج ولا الهيمنة الواثقة بنفسها. إنه إدارة للضعف والانحدار، إذ إن روسيا القوية إقليمياً بقدراتها، وضعيفة في إرادتها، تحاول الاستفادة ما بوسعها من الموقف، وفي هذه العملية تخيب آمال حلفائها ولا تقوم بأي شيء لردع من يشكلون التحديات لها. وكل ما يمكن قوله هو إنه على الأقل فإن المدافع صامتة الآن، ولكن إلى متى؟

• حتى وإن كانت روسيا تقوم بدور حفظ السلام، إلا أنه من الجدير ذكره أنه عبء إضافي على جيشها واقتصادها. لقد صنعت لنفسها دوراً تلعبه في الجغرافية السياسية للمنطقة، لدواعي الاطمئنان، ولكن هذا الجزء من العالم من المفروض أن تكون فيه مهيمناً.

• بالنسبة لأرمينيا، فإن الاتفاق، على الأقل، يمنع وقوع هزيمة شاملة في إقليم ناغورني قره باغ. وأما بالنسبة لأذربيجان، التي مُنيت قواتها بخسائر فادحة لتحقيق كل هذه المكاسب، فقد كان الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف قادراً على الإعلان بابتهاج أن الاتفاق يمثل «استسلام» يريفان.

مارك غاليوتي - أستاذ في معهد الخدمات الملكية المتحدة البريطانية، ومؤلف.

طباعة