«المنظمة» تعاني مشكلة التعدّد العرقي

الأمم المتحدة تُحابي الغربيين في الوظائف العليا على حساب موظفي العالم الثالث

صورة

ارتبطت الأمم المتحدة منذ فترة طويلة بالنضال من أجل المساواة في الحقوق والعدالة العرقية، النابعة من واجباتها خلال حقبة التخلص من الاستعمار، فضلاً عن دعمها لحركة الحقوق المدنية الأميركية والكفاح ضد الفصل العنصري في جنوب إفريقيا. لكن خلال هذا العام الذي شهد احتجاجات عالمية للمطالبة بالعدالة العرقية، تتعرض هذه المنظمة العالمية لانتقادات متزايدة لفشلها في تعزيز المساواة في صفوفها، لاسيما توظيف الشباب من البلدان النامية في وظائف أكثر تأثيراً. وتعد الأمم المتحدة واحدة من أكثر المؤسسات تنوعاً في القوى العاملة في العالم، حيث تنضم لعضويتها 193 دولة، ومع ذلك، وفقاً لمنتقديها، فإن هذه المنظمة لديها مشكلة في التنوع.

ولكن لاتزال الأمم المتحدة تستوعب عدداً من الموظفين من الولايات المتحدة (نحو 2531 أو 6.75% من إجمالي قوتها العاملة) أكثر من أي دولة أخرى، وفقاً لتقرير الأمم المتحدة الصادر في أبريل 2019 عن التركيبة السكانية لموظفي هذه المنظمة، ويحدث ذلك حتى مع شكوى إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، من نفوذ أميركا المتضائل في المنظمة والنفوذ الهائل للدول الأخرى.

تمثيل زائد

وتعتبر العديد من القوى الأوروبية، بما في ذلك المملكة المتحدة وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا، ممثلة تمثيلاً زائداً في الأمم المتحدة، ما يعني أن لديها عدداً أكبر من الموظفين لكل فرد مقارنة بمعظم البلدان الأخرى في العالم. وبالنسبة للأشخاص من العالم النامي، هناك الكثير من الوظائف الميدانية المتاحة في مناطق الصراع، مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية أو مالي، لكن معظم الوظائف الأعلى أجراً في مقر الأمم المتحدة في جنيف ونيويورك تذهب بشكل غير متناسب إلى الغربيين.

وتتجلى هذه الفجوة بين الدول الفقيرة والغنية بشكل أكبر في مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية. تأسس هذا المكتب من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة في ديسمبر 1991 لتنسيق أنشطة وكالات الإغاثة العديدة التابعة للأمم المتحدة، للاستجابة للكوارث الطبيعية أو حالات الطوارئ المعقدة الناجمة عن الصراع أو الانهيار السياسي.

وأثارت ممارسات التوظيف في مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية انتقادات من الموظفين - بما في ذلك من الرعايا الغربيين في المناصب العليا - الذين يقولون إن مكتب الإغاثة الإنسانية يعمل مثل إقطاعية استعمارية جديدة ذات بشرة أنجلو سكسونية بشكل خاص. وظل السقف الزجاجي للأمم المتحدة يصعب اختراقه بشكل خاص على الأفارقة، على الرغم من وجود بعض القادة الأفارقة البارزين في الأمم المتحدة، بما في ذلك الأمين العام السابق المصري بطرس غالي، والغاني كوفي عنان. وفي مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية، يمثل أعضاء الكتل القُطرية الإفريقية 23% من إجمالي الموظفين، وفقاً للبيانات الداخلية التي حصلت عليها صحيفة «فورين بوليسي»، لكن هؤلاء الأفارقة غير مرئيين لحد كبير في الرتب العليا لهذه الوكالة في مقر الأمم المتحدة. وظل الوضع في الكتل الآسيوية وأميركا اللاتينية وأوروبا الشرقية أسوأ من ذلك، حيث كان نصيبها 16% و4% و3%، فقط، من موظفي مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية على التوالي.

خلال السنوات الـ13 الماضية، ترأس هذه الوكالة أربعة مسؤولين حكوميين بريطانيين سابقين، قبل كل منهم الوظيفة في عملية توظيف غير تنافسية. كان جميعهم من الرجال البيض، باستثناء فاليري أموس، وهي امرأة سوداء ولدت في غويانا البريطانية (غيانا الآن)، وعملت كسياسية بريطانية قبل إدارة مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية من 2010 إلى 2015.

ويتم تعيين الغالبية العظمى من كبار الموظفين من الدول الغربية التي تتبرع لجهود الإغاثة التابعة للأمم المتحدة، حتى عندما تكون غالبية عمليات الوكالة في إفريقيا وآسيا.

ويشغل نحو 54% من وظائف الأمم المتحدة في المكاتب الإنسانية في جميع أنحاء العالم مواطنون من الكتلة الغربية، أكثر من المناصب التي يشغلها مواطنون من آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية وأوروبا الشرقية مجتمعين.

وفي مقر الأمم المتحدة في نيويورك، تميل الأرقام نحو الغرب، حيث يشغل مواطنو الدول الغربية 71% من الوظائف. وما لا يقل عن 90% من الموظفين في بعض الأقسام والفروع، بما في ذلك فرع السياسات وفرع الاتصالات الاستراتيجية، هم من الغربيين.

استياء متزايد

أثار هذا التفاوت استياءً متزايداً من الموظفين ضد رئيس مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية، مارك لوكوك، الذي شغل هذا المنصب في سبتمبر 2017.

وكتب أحد موظفي مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية في شكوى قدمها لهيئة الرقابة الداخلية للأمم المتحدة، أن «مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية يمارس أساليب العنصرية والاستعمار الجديد». ويضيف المشتكي قائلاً: «إن لوكوك يوظف البيض والبريطانيين باستمرار في مناصب رئيسة».

وتقول الشكوى أيضاً «إن إلقاء نظرة على صفحة الويب الخاصة برئاسة مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية يسبب الدهشة، نظراً للامتياز والهيمنة المستمرة التي يحظى بها البيض بشأن المساعدات الدولية». ووفقاً للشكوى التي راجعتها «فورين بوليسي»، فإن 12 من أصل 15 صورة على الصفحة لأشخاص بيض، وثلاثة فقط من الأشخاص الملونين، ولا أحد من السود.

بريطانيا، التي لعبت دوراً تأسيسياً في تشكيل الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، هي واحدة من خمسة أعضاء دائمين في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، حيث ضمنت احتكارات فعلية في أكثر المناصب العليا المطلوبة في المنظمة.

وقاد دبلوماسيون صينيون إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية في الأمم المتحدة لأكثر من عقد من الزمان، مستغلين المكتب للترويج لمشروع بكين للتجارة والبنية التحتية، ومبادرة الحزام والطريق؛ ويدير مسؤولو الحكومة الفرنسية منذ أكثر من 20 عاماً عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، التي تشرف على بعثات في إفريقيا والشرق الأوسط، وهي مناطق لاتزال فرنسا تطمح فيها إلى ممارسة نفوذها الدبلوماسي. ويرأس مسؤولون سابقون في وزارة الخارجية الأميركية مكتب الشؤون السياسية بالأمم المتحدة منذ مارس 2007. ونجحت روسيا، التي تفتقر إلى منصب رفيع المستوى في مقر الأمم المتحدة، في تنصيب مسؤول روسي سابق في منصب جديد لمكافحة الإرهاب في المنظمة العالمية.

ويقول الدبلوماسي الأميركي السابق الذي شغل منصب وكيل الأمين العام للشؤون السياسية في الأمم المتحدة، جيفري فيلتمان، إنه شعر أنه من «غير المناسب» إحضار موظفيه من واشنطن إلى الوزارة التي يقودها، لأن القسم يهيمن عليه بالفعل مواطنون أميركيون ويابانيون وإيطاليون (على الرغم من أن العديد من عائلات هؤلاء المسؤولين ينحدرون من دول العالم الثالث). وقال لمجلة فورين بوليسي: «بما أننا كنا دائماً نعمل على القضايا السياسية، والمراقبة السياسية، والتطورات السياسية، فإن نسبة موظفينا ينبغي أن تعكس قيمة عضويتنا بشكل عام».

وأعرب الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، عن قلقه بشأن ما يراه نقصاً في تمثيل الدول النامية في الأمم المتحدة، خصوصاً إفريقيا، قائلاً: «إننا مازلنا نعيش وهم الاعتقاد بأننا انتقلنا إلى عالم ما بعد العنصرية». وقال في محاضرة بندوة الزعيم الجنوب إفريقي الراحل، نيلسون مانديلا، السنوية في يوليو الماضي: «استند إنشاء الأمم المتحدة على توافق عالمي جديد يرتكز على المساواة والكرامة الإنسانية». واسترسل: «لقد اجتاحت موجة القضاء على الاستعمار العالم، ولكن دعونا ألا نخدع أنفسنا، لايزال صدى تراث الاستعمار يتردد». وأضاف «لقد كانت إفريقيا ضحية مزدوجة، أولاً، كهدف للمشروع الاستعماري، وثانياً، الدول الإفريقية ممثلة تمثيلاً ناقصاً في المؤسسات الدولية، التي تم إنشاؤها بعد الحرب العالمية الثانية، قبل أن يحصل معظمها على الاستقلال».لكن الأمين العام للأمم المتحدة تعثر أيضاً في مسائل العرق. في يونيو، مع اندلاع احتجاجات العدالة العرقية في جميع أنحاء العالم، أصدر مكتب الأخلاقيات التابع للأمم المتحدة تعليماته لموظفي الأمم المتحدة بعدم المشاركة، مشيراً إلى ضرورة التزام موظفي الخدمة المدنية بالأمم المتحدة بالحياد في مواجهة الاضطرابات الاجتماعية في الدول الأعضاء. ووفقاً لمصادر دبلوماسية، صادق الأمين العام للأمم المتحدة في البداية على تعليمات مكتب الأخلاقيات. إلا أن غوتيريش عكس الحظر بعد أن أشار النقاد إلى أن أشهر مسؤول أميركي من أصل إفريقي، والحائز جائزة نوبل للسلام، رالف بانش، سار مع مارتن لوثر كينغ جونيور في سالمي بألاباما، أثناء ذروة حركة الحقوق المدنية.

وفي اجتماع لاحق لمجلس المدينة، أكد غوتيريش للموظفين أن التعليمات «لا تشير بأي شكل من الأشكال إلى أن الموظفين يجب أن يظلوا محايدين في مواجهة العنصرية، بل على العكس من ذلك، لا يوجد حظر على التعبير الشخصي عن التضامن مع هذه الحقوق، أو المشاركة المدنية السلمية، شريطة أن تكون المشاركة بصفة شخصية تماماً».

خلال أغسطس، اضطرت الأمم المتحدة إلى إلغاء مسح حول العنصرية طلب من المستجيبين تحديد لون بشرتهم، وأدرج المسح اللون الأصفر ضمن خيارات الألوان البشرية الأخرى. وأثار ذلك ضجة بالنظر إلى أن اللون الأصفر كان يُنظر إليه تاريخياً على أنه إهانة عنصرية ضد الآسيويين. وشملت الفئات اللونية الأخرى الأسود والبني والأبيض والمختلط أو متعدد الأعراق، وغيرها.


استطلاع رأي

خلال يونيو الماضي وردّاً على مقتل الأميركي الأسود، جورج فلويد، في مينيابوليس على يد الشرطة، وما تلاه من احتجاجات على العدالة العرقية، أجرت جمعية من موظفي الأمم المتحدة دراسة استقصائية لموظفي الأمم المتحدة من أصل إفريقي لتقييم التصورات العنصرية. وكشف الاستطلاع الذي أجرته الجمعية للسكان المنحدرين من أصل إفريقي، والذي استقطب ردوداً من أكثر من 2000 شخص، أن نحو 52% قد تعرضوا لشكل من أشكال العنصرية.

وقال أحد المجيبين المجهولين: «نشهد التمييز في جميع المجالات - فرص العمل، والترقيات، وفرص التدريب، إلخ». وأشار آخر إلى أنه «من الصعب للغاية رؤية تعيين أفارقة على مستوى القيادة العليا». واشتكى ثالث من أن عدداً غير متناسب من الوظائف العليا يذهب إلى مواطنين من المجموعة الغربية. وقال رابع: «بصفتي إفريقياً، لدي انطباع بأن مساري المهني يقتصر فقط على مراكز العمل في المناطق الخطرة».

داخل مقر الأمم المتحدة في نيويورك، تميل الأرقام نحو الغرب، حيث يشغل مواطنو الدول الغربية 71% من الوظائف. وما لا يقل عن 90% من الموظفين في بعض الأقسام والفروع، بما في ذلك فرع السياسات وفرع الاتصالات الاستراتيجية، هم من الغربيين.

عبّر الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، عن قلقه بشأن ما يراه نقصاً في تمثيل الدول النامية في الأمم المتحدة، خصوصاً إفريقيا، قائلاً: «إننا مازلنا نعيش وهم الاعتقاد بأننا انتقلنا إلى عالم ما بعد العنصرية».

طباعة