مصالح متقاطعة لأطراف عدة معنية بالصراع

الطاقة.. عامل حاسم في حرب ناغورني قره باغ

صورة

أثار تجدّد الصراع العسكري بين أذربيجان وأرمينيا، في أواخر سبتمبر الفائت، حول إقليم ناغورني قره باغ، مخاوف من أن تتضرر مرافق إنتاج النفط والغاز الطبيعي، وخطوط الأنابيب في أذربيجان، وهو احتمال من شأنه أن يفرض تداعيات سلبية واسعة على الاقتصاد الأذري الذي يعتمد بشدة على تصدير الخامين للخارج. كما أن إمدادات النفط والغاز للأسواق المجاورة، وأبرزها جورجيا وتركيا، قد تتأثر، ما قد يضطرهما للبحث عن مصادر بديلة، لكنها لن تخلو من تكاليف سياسية واقتصادية إضافية. ويأتي ذلك في الوقت الذي زادت فيه أهمية أذربيجان بالنسبة لسوق الغاز الأوروبية، حيث تستعد لتصدير الغاز للأخيرة عبر خط أنابيب «ممر الغاز الجنوبي» مع نهاية العام الجاري أو بداية عام 2021.

ولعل ذلك، يكرس حقيقة أن إمدادات النفط والغاز الأذرية ستلعب دوراً حيوياً في تعزيز الجهود السياسية والدبلوماسية لتحجيم الصراع الدائر حول الإقليم، وبما لا يهدد مسارات الطاقة الإقليمية، وهو ما يبدو أنه كان أحد العوامل التي أسهمت في الوصول إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في 10 أكتوبر الجاري.

تهديدات محلية

اندلعت الاشتباكات العسكرية بين أذربيجان وأرمينيا في إقليم ناغورني قره باغ، على مسافة تبلغ 40 كيلومتراً من البنية التحتية لنقل النفط والغاز الطبيعي الأذري، وبما أثار مخاوف من انقطاع إمدادات الخامين للأسواق الدولية. ولا تمثل إمدادات أذربيجان من النفط والغاز الطبيعي حصة كبيرة من المعروض الدولي من الخامين حالياً، غير أنها تلعب دوراً رئيساً في إمدادات الطاقة بالنسبة للأسواق المجاورة، مثل تركيا وجورجيا. وقد بلغ إنتاج أذربيجان من النفط نحو 799 ألف برميل يومياً في عام 2019، أي ما يساوي 0.8% من الإمدادات العالمية، ويتم إنتاج معظم النفط من حقل «جيراق - جونشلي».

بينما بلغ إنتاج البلاد من الغاز نحو 24.3 مليار متر مكعب في العام الماضي، أي ما يساوي 0.6% من الإمدادات العالمية، ويتم إنتاج معظم الغاز من حقل «شاه دنيز 1 و2» المطل على بحر قزوين. وترتبط أذربيجان بالأسواق المجاورة من خلال خط أنابيب رئيس للنفط، وهو خط أنابيب «باكو - تبليسي - جيهان»، ويبلغ طوله 1768 كيلومتراً، وينقل الخام والمكثفات عبر أذربيجان وجورجيا إلى ميناء جيهان التركي.

وبالإضافة إلى ذلك، لدى أذربيجان خط أنابيب رئيس لتصدير الغاز، وهو خط أنابيب جنوب القوقاز بطول 693 كيلومتراً، والذي ينقل الغاز من حقل «شاه دنيز» عبر جورجيا إلى تركيا، فضلاً عن خط أنابيب النفط «باكو - سوبسا» البالغة طاقته 150 ألف برميل يومياً إلى ساحل البحر الأسود في جورجيا.

ومع تصاعد حدة الاشتباكات العسكرية في الأيام الماضية، زعم المسؤولون الأذريون سقوط صواريخ أرمينية على مسافة 10 أمتار من خط أنابيب النفط «باكو - تبليسي - جيهان» بمنطقة يفلاخ، ما قد يُعرِّض الإمدادات لخطر انقطاع غير مسبوق. وتتخوف أذربيجان، على ما يبدو، من أن الهجمات العسكرية على خطوط الأنابيب لن تضر فقط صادرات النفط والغاز الطبيعي، التي تمثل أكثر من ثلاثة أرباع صادراتها الكلية، وإنما كذلك ستُقوِّض سمعتها الدولية كمُورِّد دولي للخامين.

اهتمام متزايد

من منظور جيوسياسي، حرصت الأطراف الدولية والإقليمية في الفترة الأخيرة على الحد من تصاعد الاشتباكات العسكرية بين أرمينيا وأذربيجان. وبدورها، قادت روسيا وساطة بين البلدين في الأيام الأخيرة لتوقيع اتفاق لوقف إطلاق النار، وهو الأمر الذي أيده ضمناً الاتحاد الأوروبي. وتخشى موسكو تصاعد الصراع العسكري بين البلدين، وبما قد ينتقل أثره لمناطق أخرى في القوقاز، قريبة من الأراضي الروسية.

وبالإضافة إلى ما سبق، لا تؤيد أي من الأطراف الدولية والإقليمية تصعيد العمليات العسكرية بين الدولتين، باعتبار أن ذلك سيكون له مردود سلبي على مصالحها الاقتصادية، لاسيما في ما يتعلق بمجال الطاقة. وعلى الجانب الأوروبي، يأتي اندلاع الاشتباكات بين الدولتين وسط استعدادات قائمة لبدء تصدير الغاز الأذري إلى أوروبا، بما سيضع أذربيجان على الخريطة كمُورِّد دولي حقيقي للخام.

وعلى الرغم من أن الإمدادات الأذرية للغاز لن تغطي سوى جانب ضئيل من احتياجات أوروبا، ويمكن تعويضها عبر شحنات الغاز المسال من مُورِّدين آخرين، غير أنها قد تلعب دوراً رمزياً في كسر هيمنة الغاز الروسي بالأسواق الأوروبية. ومن جهة أخرى، تترقب جورجيا الأحداث الأخيرة بقلق شديد، حيث تتلقى نحو 95% من احتياجاتها من الغاز والنفط من أذربيجان.

وفي العام الماضي، تلقت جورجيا نحو 2.4 مليار متر مكعب من أذربيجان، كما استوردت كمية صغيرة (0.16 مليار متر مكعب) من روسيا. وفي حالة انقطاع الإمدادات الأذرية، سيكون البديل إما زيادة الواردات من روسيا، أو اللجوء لشحنات الغاز المسال، وهو ما يبدو أنها غير مستعدة له بالكامل في ظل نقص البنية التحتية اللازمة للاستيراد، علاوة على جمود علاقاتها مع موسكو في السنوات الماضية.

والأمر نفسه بالنسبة لتركيا، حيث إن الأخيرة تلقت نحو 9.2 مليارات متر مكعب من الغاز الأذري في عام 2019 من خلال خط أنابيب «جنوب القوقاز»، أي ما يمثل نحو ربع وارداتها الإجمالية من الغاز، وهي كميات كبيرة قد يصعب استبدالها كلياً من خلال شحنات الغاز المسال، ولذا قد يبدو مهماً بالنسبة لأنقرة استمرار تدفقات الإمدادات الأذرية دون تأثر، في الوقت الذي تبحث فيه تقليل الاعتماد على الغاز الروسي.

وبالنسبة لمراقبي صناعة النفط، فإنه في حال حدوث انقطاع جزئي في إمدادات النفط أو الغاز الأذري، فلن تتأثر أسواق الطاقة سوى بشكل طفيف، حيث لن ينعكس ذلك على أسعار الطاقة، نظراً لفائض المعروض العالمي من خامي النفط والغاز مع تباطؤ الطلب العالمي عليهما بسبب جائحة «كورونا».

تعويض الإمدادات

رغم أن الأسواق المجاورة، مثل تركيا وجورجيا، سيكون بمقدورها تعويض إمدادات النفط والغاز الطبيعي من مُورِّدين آخرين، غير أن ذلك قد يكون بكلفة سياسية واقتصادية كبيرة، وقد يصب في مصلحة روسيا بشكل أكبر، وهو ما لا يرغبه أي من الطرفين، بما يعني في النهاية أن عامل الطاقة سيكون له دور جوهري في تهدئة الصراع العسكري الذي نشب بين أذربيجان وأرمينيا أخيراً في إقليم ناغورني قره باغ.


- على الرغم من أن الإمدادات الأذرية للغاز لن تغطي سوى جانب ضئيل من احتياجات أوروبا، ويمكن تعويضها عبر شحنات الغاز المسال من مُورِّدين آخرين، غير أنها قد تلعب دوراً رمزياً في كسر هيمنة الغاز الروسي بالأسواق الأوروبية.

طباعة