طريق قد يفضي بهن إلى الموت

فيتناميات وصينيات وكمبوديات.. ضحـــــــايا الزواج القسري من كوريين جنوبيين

صورة

تشجع كوريا الجنوبية شبابها على الزواج من أجنبيات، لكن غالباً تصبح الزوجات الأجنبيات ضحية لسوء المعاملة، ويدلّ على ذلك قصة الفتاة الفيتنامية «ترينه» التي فارقت الحياة بسبب هذه الممارسات. وتظهر وثائق المحكمة أنها كانت تبلغ من العمر 29 عاماً، بينما زوجها المستقبلي في الخمسينات من عمره. كانت تتحدث الفيتنامية فقط، وهو يتحدث الكورية. وعلى الرغم من حاجز الاتصال، مضت إجراءات زواجهما قدماً في 4 نوفمبر 2018 - بعد يوم واحد من لقائهما - تزوجا أمام عائلتها في فيتنام. وبعد سبعة أشهر، انتقلت «ترينه»، وهذا ليس اسمها الحقيقي، إلى كوريا الجنوبية لتكون مع زوجها «شين». لكنها لاقت حتفها بعد ثلاثة أشهر من ذلك.

«ترينه» هي واحدة من آلاف النساء الفيتناميات اللواتي تزوجن من رجال كوريين جنوبيين، من خلال مكاتب «توفيق رأسين في الحلال»، وهي خدمة لا يتم تشجيعها في كوريا الجنوبية فحسب، بل تدعمها السلطات المحلية. وبعض الأزواج لديهم زيجات ناجحة وسعيدة. لكن العديد من الزوجات الأجنبيات اللائي يتزوجن من نصفهن الآخر بهذه الطريقة، والمصنفات رسمياً على أنهن مهاجرات، يصبحن ضحايا للتمييز والعنف المنزلي وحتى القتل على أيدي أزواجهن.

وترسم الإحصاءات صورة قاتمة عن الوضع. وذكرت أكثر من 42% من الزوجات الأجنبيات أنهن تعرضن للعنف المنزلي، بما في ذلك الاعتداء الجسدي واللفظي والجنسي والمالي، وفقاً لاستطلاع أجرته اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان عام 2017. وبالمقارنة، ذكرت فقط نحو 29% من الزوجات الكوريات الجنوبيات اللائي شملهن استطلاع أجرته وزارة المساواة بين الجنسين والأسرة في البلاد، العام الماضي، أنهن كن ضحايا للعنف المنزلي، بما في ذلك مرة أخرى مجموعة من أشكال سوء المعاملة. ويقول مراقبو حقوق الإنسان في كوريا الجنوبية إن القواعد التمييزية، إلى جانب التمييز على أساس الجنس والعنصرية في المجتمع، هي المسؤولة، ويضغطون من أجل تغييرات مؤسسية للحفاظ على سلامة الزوجات الأجنبيات.

قضايا الاتصال

منذ البداية، واجه كل من «ترينه» و«شين» صعوبة في التواصل. وتظهر وثائق المحكمة أن «شين» عاد إلى كوريا الجنوبية بعد زفافهما. فقد عاشا منفصلين لأشهر، وعلى الرغم من أنهما ظلا على اتصال عبر تطبيقات المراسلة، فقد تشاجرا كثيراً لأن «ترينه» غالباً كانت تطلب دعماً مالياً إضافياً.

وأخيراً، في 16 أغسطس 2019، وصلت «ترينه» إلى كوريا الجنوبية، وانتقلت إلى مدينة يانغجو في مقاطعة جيونغ جي، التي تقع ضمنها العاصمة سيؤول، لتعيش مع زوجها. ولم تحدد وثائق المحكمة سبب التأخر في وصولها إلى كوريا الجنوبية، على الرغم من أنه يجب على الزوجين استيفاء معايير محددة لكي تحصل الزوجة الأجنبية على تأشيرة، بما في ذلك أن يكون لدى الزوج دخل كافٍ ليعول زوجته.

ومع ذلك، استمر الخلاف بينهما، كما تظهر سجلات المحكمة. فقد اختلفا في كثير من الأحيان بسبب حاجز اللغة، واختلافهما في الطريقة التي يحب كل واحد منهما أن يعيشها، والقضايا المالية. بعد ثلاثة أشهر، أي في 16 نوفمبر، أخبرت «ترينه» شين بأنها ستغادر لتعيش مع قريب لها في مدينة أخرى. وأظهرت سجلات المحكمة أن «شين» حاول منعها، فأخذت سكيناً من المطبخ وطعنته في فخذه اليمنى.

الضحية تعود إلى وطنها جثة

وفقًا لسجلات المحكمة، أخذ «شين» السكين وطعن زوجته نحو 10 مرات في صدرها وبطنها. وبعد وفاتها، لف جسدها بالبلاستيك، ووضعه في سيارته، وتوجه إلى بستان على بعد أكثر من 200 كيلومتر من منزلهما في يانغجو ليدفنها هناك. وفي أبريل، حُكم على شين بالسجن لمدة 15 عاماً، بتهمة قتل زوجته.

عرائس متعددات الأعراق

على مدى عقود، ظل هناك عدم توازن بين الجنسين في المناطق الريفية من كوريا الجنوبية. لأن معظم النساء الشابات غالباً يتوجهن إلى المدن من أجل الوظائف والزواج، بينما يظل نظراؤهن من الذكور في مناطقهم لرعاية أراضيهم والالتزام بالتعاليم الكونفوشيوسية المتمثلة في الاعتناء بآبائهم المسنين.

وفي الثمانينات، بدأت الحكومات المحلية في دعم مكاتب وساطة الزواج في القطاع الخاص، التي يمكنها تزويج المزارعين العزاب لنساء صينيات تعود أعراقهن لكوريا، وكانت الحكومة تدفع للوسطاء ما بين أربعة إلى ستة ملايين وون (تعادل في ذلك الوقت 5700 دولار) لكل زيجة. وكانت محاولة لمعالجة شيخوخة السكان، من خلال تشجيع الرجال على الاقتران بزوجات لتجديد شباب البلاد. وفي العقود التي تلت ذلك، لم يكن الهدف هو زوجات من أصل كوري فحسب، بل من أي أصول أخرى، حيث لجأ الوسطاء لجلبهن من الفلبين، وفيتنام، وكمبوديا. وسرعان ما ظهرت صناعة وساطة الزواج العابرة للدولة. واعتباراً من مايو هذا العام، تم تسجيل 380 مكتب وساطة زواج في كوريا الجنوبية، وفقاً للإحصاءات الحكومية.

وفي هذه الأيام، تأتي معظم العرائس الأجنبيات في كوريا الجنوبية من فيتنام. ويقترن بهن معظم الرجال في المناطق الريفية، حيث لاتزال بعض المقاطعات تقدم الإعانات لمن يرغب في الزواج بأجنبيات، على سبيل المثال، تقدم مقاطعة جولا الجنوبية، للرجال الذين تزيد أعمارهم على 35 عاماً، والذين لم يتزوجوا من قبل، خمسة ملايين وون (4190 دولاراً)، للزواج من زوجة أجنبية، ورسوم تسجيل الزواج. وفي عام 2018، تزوج 16608 كوريين، 6338 امرأة من فيتنام، و3671 من الصين، و1560 من تايلاند. وإجمالاً، 28% من جميع هذه الزيجات تمت بين رجال كوريين جنوبيين وفيتناميات.

مزيد من الشروط

لطالما شعرت حكومة كوريا الجنوبية، ودول في جنوب شرق آسيا، بالقلق من أن صناعة وساطة الزواج من الأجنبيات يمكن أن تؤدي إلى الاتجار في البشر وسوء المعاملة. وفي عام 2010، منعت كمبوديا مؤقتاً مواطناتها من الزواج بكوريين جنوبيين. كما أثارت السلطات الفيتنامية مخاوف من هذه الزيجات، وفقاً لتقارير وسائل الإعلام الفيتنامية المحلية. وفي كوريا الجنوبية نفسها، تم أيضاً تشديد القواعد في هذا الشأن. فمنذ عام 2014، تطلب السلطات الكورية الجنوبية من مواطنيها الذين يرغبون في الزواج بأجنبيات إثبات أن لديهم ما يكفي من مال لإعالة زوجاتهم كشرط لإصدار تأشيرة لهن. ويجب على المتقدمين إثبات أن العروس لديها على الأقل أساسيات التحدث باللغة الكورية، أو أن الزوجين يمكنهما التواصل بلغة ثالثة.

علاوة على ذلك، أعلنت كوريا الجنوبية، العام الماضي، عن خطط لمنع الرجال الذين لديهم تاريخ سيئ من الحصول على تأشيرة لزوجاتهم الأجنبيات. ومن المقرر أن يدخل هذا القانون حيز التنفيذ في نوفمبر. لكن لاتزال هناك قضايا مؤسسية في كوريا الجنوبية، تضع العرائس الأجنبيات وأزواجهن على أسس غير متساوية.

وبموجب قوانين الهجرة في كوريا الجنوبية، تُصدر للعرائس الأجنبيات تأشيرة أولية تستمر لمدة عام واحد. بعد ذلك، يتعين على الأزواج تجديد تأشيرات زوجاتهم الأجنبيات كل ثلاث سنوات. ويقول عضو مكتب أصدقاء المهاجرين في سيؤول، المحامي لي جين-هي: «هناك حالات يهدد فيها الأزواج بإلغاء التأشيرة، إذا أرادت الزوجة الانفصال». ويمكن للمرأة الحاصلة على تأشيرة زواج العمل في كوريا الجنوبية، ويمكنها أن تصبح في النهاية مقيمة بصفة دائمة. وإذا تطلق الزوجان ولم يكن لديهما أطفال، فيجب على الزوجة العودة إلى وطنها، ما لم تثبت أن زوجها الكوري كان مسؤولاً عن انهيار الزواج، أو أنها كانت ضحية لسوء المعاملة، وتحتاج إلى وقت للتعافي.

وتقول رئيسة مركز حقوق الإنسان للمهاجرات، هيو يونغ سوك: «هذه الظروف المؤسسية لها تأثير في تعزيز سلطة الأزواج الكوريين، حتى عندما تكون هناك مشكلات، تشعر المهاجرات بأنه يجب عليهن الحفاظ على زواجهن غير السعيد، بسبب هذه القضايا المؤسسية». وفي استطلاع، أجرته اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان لعام 2017، قالت معظم العرائس الأجنبيات، اللاتي شملهن الاستطلاع، إنهن لم يخبرن أحداً بالعنف الأسري الذي تعرضن له. وقلن إنهن كن محرجات، ولا يعرفن ما يقلنه، وأنهن لم يتوقعن أن يتغير كل شيء بهذه السرعة.

العالم الاقتصادي

تقبل الفيتناميات على الزواج من كوريين جنوبيين، لأسباب اقتصادية. ووفقاً لـ«سي آي أيه وورلد فيس بوك»، فقد كان نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في فيتنام 6900 دولار عام 2017. وفي العام نفسه، كان نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في كوريا الجنوبية 39 ألفاً و500 دولار. وغالباً تكون العرائس صغيرات السن، ويأملن حياة أفضل. ووفقاً لمسح حكومي عام 2017، بلغ متوسط عمر المتقدمين لمكاتب الوساطة 43.6 عاماً، بينما بلغ متوسط عمر العرائس الأجنبيات 25.2 عاماً.

ويختلف الخبراء والمسؤولون حول كيفية تصنيف هذا الاتجاه العابر للحدود. وتقول خطة عمل الأمم المتحدة العالمية لمكافحة الاتجار في البشر، إن النساء الفيتناميات يتم تهريبهن إلى عدد من البلدان، بما في ذلك كوريا الجنوبية، من أجل «الزواج القسري». إلا أن عضو مكتب أصدقاء المهاجرين في سيؤول، المحامي لي جين-هي، يعتقد أن العرائس الأجنبيات يخترن القدوم إلى كوريا الجنوبية، حتى لو كان السبب الرئيس هو إرسال الأموال إلى عائلاتهن في الوطن، وليس لمصلحتهن الشخصية. وفي حالة «ترينه»، أشارت وثائق المحكمة إلى أنها ذهبت إلى كوريا الجنوبية طواعية. وقالت القاضية كانغ: «كانت الضحية تثق بالمدعى عليه، لذا غادرت فيتنام، وبدأت حياتها في كوريا الجنوبية».

بصيص من الضوء في نهاية النفق

يقول عضو مكتب أصدقاء المهاجرين في سيؤول، المحامي لي جين-هي، إن «الكوريين غالباً يعبرون عن شعورهم بالدونية تجاه الغرب، ويعتقدون أنهم ضحايا للعنصرية، لكنهم يشعرون بأنهم أفضل من مواطني البلدان التي لا تكون فيها الظروف الاقتصادية جيدة، مثل كوريا». ويضيف لي أنه لهذا السبب «تواجه النساء المهاجرات تمييزاً متعدد الطبقات - غالباً يكون التمييز بين الجنسين والتمييز العنصري، جنباً إلى جنب مع القضايا المؤسسية، هي التي تخلق المشكلات».

ويمكن أن يحدث ذلك بطرق عدة، حيث إن النساء غالباً يشعرن بالتمييز ضدهن من قبل أسرتهن الممتدة، فقد تشتكي حمواتهن من طبخهن، وتستبعد بعض العائلات الزوجات الأجنبيات من اتخاذ القرار، كما أن الكثير من الزوجات الأجنبيات لا يحصلن على المال لإنفاقه، وعليهن أن يطلبنه من أزواجهن. لكن المد يتحول ببطء. هذا العام، اقترح النائب عن حزب العدالة، جانغ هاي يونغ مشروع قانون لمكافحة التمييز، والذي إذا تم إقراره، سيكون الأول من نوعه في البلاد.

ولا يوجد في كوريا الجنوبية قانون يضمن الحماية القانونية ضد التمييز لجميع المواطنين، بما في ذلك الأقليات. ويهدف مشروع القانون المقترح إلى حماية الأشخاص الذين يواجهون التمييز، ويمنح الدولة السلطة على حل النزاعات وحماية الأفراد. ويعتقد جانغ أنه إذا تمت الموافقة عليه، فيمكن أن يساعد المهاجرات، على الرغم من أن القانون لا يذكر بالتحديد الإساءة ضدهن. ومع ذلك، فإنه يحظر التمييز غير المباشر، الذي يسبب ألماً جسدياً أو عقلياً للمجموعة أو للفرد.

لكن المحامي لي لا يعتقد أن مشروع القانون سيكون حلاً سريعاً للمهاجرات. بدلاً من ذلك، يعتقد أن مشروع القانون سيساعد في إحداث تحول اجتماعي، وتحسين الوعي بالتمييز العنصري في العمل والمدرسة والمنزل. ويقول «أعتقد أن ذلك سيثني الناس عن خطاب الكراهية، ويشجعهم على تصحيح سلوكهم. على الأقل سيعرف الناس ما هو السلوك والكلمات التمييزية والخاضعة للعقاب».


- لطالما شعرت حكومة كوريا الجنوبية، ودول في جنوب شرق آسيا، بالقلق من أن صناعة وساطة الزواج بالأجنبيات يمكن أن تؤدي إلى الاتجار في البشر، وسوء المعاملة.

- في استطلاع، أجرته اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان لعام 2017، قالت معظم العرائس الأجنبيات، اللاتي شملهن الاستطلاع، إنهن لم يخبرن أحداً بالعنف الأسري الذي تعرضن له.

- لا يوجد في كوريا الجنوبية قانون يضمن الحماية القانونية ضد التمييز لجميع المواطنين، بما في ذلك الأقليات.

طباعة