بعد 9 سنوات من الحرب الأهلية والحصار

قانون قيصر وفيروس كورونا ينزلان الكارثة بالشعب السوري

صورة

يقول مدرس متقاعد في دمشق، يبلغ عمره 68 عاماً، موضحاً السبب الذي منعه من شراء الكمامات، أو المواد المعقمة، أو الدواء: «إذا لم أشترِ أقنعة وجه أو دواء، فربما أموت أو أعيش، لكن إذا لم أشترِ خبزاً لعائلتي فإننا سنموت حتماً من الجوع». وأضاف المدرس: «نحتاج إلى ربطتين من الخبز يومياً، وهي تكلف 600 ليرة (24 سنتاً أميركياً)، لكن إذا اشترينا الكمامات، فإنها تكلفنا 1000 ليرة سورية (40 سنتاً)، والخيار بين الخبز أو الكمامات».

ويتعين على ملايين السوريين العاديين الاختيار بين شراء الطعام، أو اتخاذ الإجراءات الاحترازية ضد فيروس كورونا، والتي يقول السكان المحليون إنه منتشر أكثر بكثير مما تعترف به الحكومة السورية.

وتفاقم الفقر والحرمان على نحو كبير، منذ أن فرضت الولايات المتحدة عقوباتها على سورية في 17 يونيو، بموجب قانون قيصر لحماية المدنيين في سورية، والذي أجازه الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، كقانون، ووقع عليه العام الماضي (ويرفض المسؤولون السوريون مزاعم قيصر)، ويهدف القانون إلى حماية الشعب السوري.

لكن من حيث الممارسة، فإن قانون قيصر لا يؤثر في الرئيس السوري بشار الأسد وحكومته، بيد أنه يفرض حصاراً اقتصادياً مدمراً على الدولة السورية، التي يعاني فيها المدنيون، أصلاً، نتيجة أكثر من تسع سنوات من الحرب الأهلية والحصار الاقتصادي. ويتعين على 80% من الشعب السوري، الذين يعيشون تحت خط الفقر، وفق تصنيف الأمم المتحدة، أن يتعاملوا مع زيادة تفشي جائحة فيروس كورونا.

القيادة أقل من يتأثر

وكما كانت الحال لدى العراق، خلال حكم الرئيس صدام حسين، في تسعينات القرن الماضي، فإن القيادة السورية هي أقل من سيتأثر بالإجراءات الأميركية الجديدة، لأنها تملك جميع الموارد. وبناء عليه، فإن الضحايا الحقيقيين هم الفقراء والضعفاء، الذين يعانون منذ ارتفاع أسعار المواد الغذائية بنسبة 209%، العام الماضي. وأصبحت سلة المواد الغذائية الأساسية أغلى ثمناً بـ23.5 مرة عما كانت عليه قبل بدء الأزمة السورية في 2011، وفق برنامج الغذاء الدولي التابع للأمم المتحدة.

وتحت الذريعة الكاذبة لمساعدة الناس العاديين في سورية، ترتكب إدارة ترامب كارثة في محاولتها إنكار تحقيق كل من إيران وروسيا النصر، فهذان الطرفان اللذان يعتبران الحليفين الرئيسين للحكومة السورية، خلال الصراع. ولتأكيد هذا الهدف، يقول الممثل الخاص لسورية، جيمس جيفري، إن السياسة الأميركية تهدف إلى تحويل سورية إلى «مستنقع» بالنسبة لروسيا، كالذي واجهته الولايات المتحدة في فيتنام، ولمنح الولايات المتحدة درجة من السيطرة على سورية، مماثلة للتي كانت لديها على اليابان، بعد نهاية الحرب العالمية الثانية.

أهداف غير واقعية

وهذه الأهداف ليست واقعية، في الوقت الذي حقق فيه الرئيس الأسد، وروسيا، وإيران، النصر العسكري، لكن تفكير التمني الأميركي ينطوي على إمكانية زيادة تدمير حياة الملايين من السوريين. ولاتزال المعلومات المفصلة والموثوقة غير وافية بشأن كيفية بقاء هؤلاء على قيد الحياة أو عدم القدرة على ذلك، في الوقت الذي اقترن فيه قانون قيصر وجائحة كورونا معاً. لكن الوصول إلى سورية من قبل الصحافيين محدود، كما أن الأخبار من سورية شحيحة، وانخفض كثيراً اهتمام المؤسسات الإعلامية الدولية بها، لأن الجميع الآن منشغلون بتطورات جائحة «كورونا» في بلادهم.

وأعطى أحد الممرضين العاملين بمستشفى المواساة الجامعي في دمشق، ويدعى مهند شامي، 28 عاماً، (اسم غير حقيقي)، بعض التفاصيل لصحيفة الإندبندنت، عن أن قانون قيصر و«كورونا» جلبا كارثة جديدة إلى سورية. وتحدث بشكل صريح ومقنع عن الأزمة المتفاقمة، في العاصمة السورية ومستشفياتها، في الوقت الذي يزداد فيه انتشار «كورونا» وسط نقص شديد في المواد الغذائية، وارتفاع الأسعار الفلكي. وقال مهند «إنها بيئة من الخوف والرعب في المستشفى. إذ يأتي كل يوم المئات من المرضى إلى المستشفى، معظمهم يعانون أعراض فيروس كورونا، لكن المستشفى أصبح مكتظاً حالياً»، حيث تؤوي مباني المستشفى نحو 1000 مريض، العديد منهم ينامون على فرش وضعت على الأرض». ويقول مهند إن العدد الرسمي، الذي أبلغت عنه الحكومة، أقل بكثير من الواقع.

الارتفاع ليس مفاجئاً

لم يكن الارتفاع السريع في أعداد المصابين مفاجئاً، نظراً إلى أنه حتى وقت قريب كانت الحكومة السورية تقلل من أهمية التهديد الذي يشكله فيروس كورونا، ما جعل السوريين لا يهتمون باتخاذ إجراءات وقاية مناسبة لتجنب الإصابة بالمرض. ويقول مهند: «كل يوم أذهب إلى العمل في حافلة تحمل عدداً من الركاب يفوق طاقتها، وأكون أنا الوحيد الذي يرتدي الكمامة»، وهو يحصل على الكمامة والمواد المعقمة من المستشفى الذي يعمل فيه عادة، لكن عندما لا تكون هذه المواد متوافرة، فإنه يضطر للذهاب مشياً إلى المستشفى، ولا يخاطر بركوب الحافلة المكتظة بالركاب. ويضيف مهند: «أنا متفاجئ، لأني لم أصب بالمرض حتى الآن. وربما يرجع ذلك إلى أني أمشي إلى العمل معظم الأيام وأتعرق، الأمر الذي يجعلني أكثر مناعة»، ويقول مهند إن ثلاثة من الأطباء، والعديد من الممرضين، منهم اثنان من معارفه، توفوا في المستشفى، نتيجة نقص الكمامات في المستشفى. ويقول: «أنا أغسل يدي وأشرب الماء كل 10 دقائق. وأمضي طيلة اليوم في حالة من القلق».

وتعاني المستشفيات الخاصة الاكتظاظ، أيضاً، كما أنه يجب شراء أسطوانات الأوكسجين، وأجهزة التنفس الاصطناعي بصورة خاصة. ويقول مهند إن «خالته لديها أربعة أطفال، وجميع العائلة مرضى بفيروس كورونا، لذلك فإن أقرباءنا الذين يعيشون في الخارج يرسلون إليها المال لشراء المعدات»، وهي تنفق نحو 450 دولاراً على الأدوية والتنفس الاصطناعي وأسطوانات الغاز، لكنها واجهت مشكلة عدم توافر الكهرباء باستمرار في دمشق، لجعل المعدات، مثل: جهاز التنفس الاصطناعي تعمل طيلة الوقت.

وانتشرت «الجائحة» لدى شعب مرهق منذ تسع سنوات من الحرب الأهلية، وحصار اقتصادي، ما جعله محطماً اقتصادياً، حتى قبل قانون قيصر، الذي أدى إلى انهيار في سعر الليرة السورية هذا الصيف. ويعادل راتب مهند نحو 20 دولاراً، وهو يضاعف هذا المبلغ عن طريق أخذ إكراميات مقابل خدمات طبية والحقن للمرضى. وهو لم يعد يتحمل أجر شقته الصغيرة المؤلفة من غرفتين، والتي يشاركه فيها شخصان آخران، لأن مالك الشقة يزيد ثمن الإيجار بنحو الثلث. ويقول مهند: «قبل نحو أربعة أشهر، أي قبل قانون قيصر، كان كل شيء مرتفع الثمن، لكن الآن لم نعد قادرين على الشراء»، ويلقي مهند باللوم على الحكومة السورية، لأنها قللت الانتشار الحقيقي للفيروس، ما دفع السوريين إلى التجمع بأعداد كبيرة دون استخدام الكمامات في الأسواق، وغيرها. وهو يرى أن قانون قيصر، هو الذي أغرق الشعب الفقير في غياهب البؤس.

وارتفع تعداد السوريين، الذين يعانون انعدام الأمن الغذائي، خلال الأشهر الستة الماضية، من 1.4 إلى 9.3 ملايين، أي أكثر من نصف سكان الدولة، وفق برنامج الغذاء العالمي. ومن الواضح أن قانون قيصر وفيروس كورونا ليس لهما أي تأثير في إضعاف الحكومة السورية أو إيران أو روسيا، لكن كل العلامات جلية، تماماً، بأنها تجتمع معاً، لإنزال مزيد من الإنهاك بالسوريين العاديين، وتدفعهم نحو مستنقع عميق ومهلك.

باتريك كوكبيرن : صحافي بريطاني متخصص في الشرق الأوسط

 


- ارتفع تعداد السوريين، الذين يعانون انعدام الأمن الغذائي، خلال الأشهر الستة الماضية، من 1.4 إلى 9.3 ملايين، أي أكثر من نصف سكان الدولة، وفق برنامج الغذاء العالمي.

 

- من حيث الممارسة، فإن قانون قيصر لا يؤثر في الرئيس السوري بشار الأسد وحكومته، بيد أنه يفرض حصاراً اقتصادياً مدمراً على الدولة السورية، التي يعاني فيها المدنيون، أصلاً، نتيجة أكثر من تسع سنوات من الحرب الأهلية والحصار الاقتصادي. ويتعين على 80% من الشعب السوري، الذين يعيشون تحت خط الفقر، وفق تصنيف الأمم المتحدة، أن يتعاملوا مع زيادة تفشي جائحة فيروس كورونا.

طباعة