طهران تواصل تحقيق طموحاتها

أميركا أمام خيارين في تعاملها مع إيران.. أحلاهما مرٌّ

صورة

كتب نائب الرئيس السابق والمرشح للانتخابات الرئاسية في نوفمبر 2020، جو بايدن، في مقالة نشرتها مجلة «فورين أفيرز» في الربيع الماضي، يقول: «لا تساورني أية أوهام بشأن النظام الإيراني، الذي انخرط في تصرفات تزعزع الاستقرار في الشرق الأوسط، وقمع الاحتجاجات في الداخل الإيراني بصورة وحشية، واعتقال الأميركيين بغير وجه حق. ولكن ثمة طريقة ذكية لمواجهة التهديد الذي تشكله إيران على مصالحنا، وأخرى تؤدي إلى هزيمة الذات، والرئيس دونالد ترامب اختار الثانية».

ولم تتصرف الولايات المتحدة أمام أي تحدٍّ عالمي في السنوات الأخيرة كما فعلت إزاء إيران. على الرغم من أن هذا التحدي لم يتغير بصورة جذرية، منذ أن أدت ثورة 1979 في هذا البلد إلى وصول حكم ديني متطرف إلى السلطة في طهران. ويواصل النظام الإيراني المدفوع بأيديولوجيته التوسعية تهديد الولايات المتحدة وحلفائها، حيث يصبو إلى امتلاك السلاح النووي، وتطوير برامج الصواريخ البالستية، ويرعى الإرهاب، ويعمل مباشرة أو من خلال وكلائه لزعزعة استقرار الحكومات المحلية، ويقمع شعبه بصورة وحشية.

ولم يتغير الهدف الاستراتيجي لجميع الإدارات الأميركية منذ فترة حكم الرئيس السابق جيمي كارتر إزاء إيران، ويتجلى في إقناع النظام الإيراني بتغيير أسلوبه وإصلاح أساليب عمله، وأن يصبح عضواً في النظام الدولي الذي يستند إلى حكم القانون. وتمثلت القضية التي أثارت غضب كل الرؤساء في ما إذا كان بالإمكان محاولة تحقيق هذا الهدف، من خلال الضغط (على شكل عقوبات والتحقير السياسي)، أو الإقناع (عن طريق التعاون والمساعدة).

تنقل الإدارات

وعلى الرغم من أن واشنطن، عبر جميع الرؤساء، أو بعضهم، تنقلت بين الضغط والإقناع، فإن التغير الأكثر وضوحاً في توجهها حدث بعد أن خلف الرئيس ترامب سلفه الرئيس باراك أوباما، حيث انسحب ترامب من الاتفاق النووي مع إيران الموقع عليه عام 2015، والذي قام أوباما بهندسته، وتخلى عن الآمال بصنع علاقات إيرانية أميركية قوية من خلال المساعدات الاقتصادية، والموقف الأميركي الأقل عدائية. وقام الرئيس ترامب بدلاً من ذلك، بفرض «حملة الضغوط القصوى» بأقسى العقوبات التي كانت تهدف إلى إجبار النظام الإيراني على التخلي عن طموحاته النووية، وتصرفاته السيئة في المنطقة وانتهاكه لحقوق الإنسان.

وبالتأكيد، فإن الأميركيين يركزون على قضايا أخرى خلال استعدادهم للانتخابات الرئاسية في نوفمبر المقبل. ومن خلال انتخاباتهم سيصادقون ضمناً على واحدة من طريقتين مختلفتين في التعامل مع إيران، والتحديات التي تشكلها في منطقة مضطربة. وبناء عليه، فإننا ربما نحصل على أربع سنوات أخرى من «الضغوط القصوى»، أو العودة إلى مواقف أكثر تصالحية مع طهران مع رئيس كان نائباً لأوباما، وساعد على صنع السياسة الأميركية نحو إيران. وكلتا الطريقتين لا تضمن النجاح، وكلتاهما تنطوي على مخاطر جمة.

ويمكن الحديث عن كل أسلوب على حدة، إذ إن حملة ترامب للضغوط القصوى، التي كانت تهدف إلى إضعاف الاقتصاد الإيراني عن طريق العقوبات على الحكومات والشركات التي تتعامل مع الحكومة الإيرانية، حققت تأثيراً كبيراً. ويقال إن عائدات تصدير النفط الإيراني انخفضت بنسبة 92%، خلال العام الماضي، وهبطت الاستثمارات الأجنبية في إيران بنسبة 26.5% في 2019، ووصلت العملة الإيرانية (الريال) إلى أدنى مستوى لقيمتها منذ الثورة الإيرانية، كما تزايد التضخم.

والأمر غير المستغرب، هو أن الاحتجاجات العامة التي أصبحت شيئاً أساسياً في حياة العامة بشتى أنحاء إيران، اندلعت مرة أخرى. والأمر غير المستغرب أيضاً، أن النظام الإيراني الاستبدادي، الذي بات غير آمن بصورة متزايدة، يقمع المتظاهرين بصورة وحشية، في حين أنه يمنع الوصول إلى شبكة الإنترنت التي انطلق من خلالها المتظاهرون. وفي الواقع، إن الأنظمة المتطرفة المدفوعة بالأيديولوجية لا تنوي التغير، نتيجة للضغوط الاقتصادية والسياسية والتحول إلى أنظمة معتدلة. وبناء عليه، لا يتوجب علينا توقع أن تؤدي الضغوط الاقتصادية إلى تأجيج سخط العامة إلى الدرجة التي تدفعهم إلى إطاحة النظام.

المجهول الكبير

والمجهول الكبير في هذه الحالة هو من سيحل مكان النظام إذا سقط. لكن يبدو أنه من الصعب جداً تخيل ما هو أشد سوءاً من نظام يصبو إلى امتلاك السلاح النووي، وراعٍ للإرهاب، ومنتهك لحقوق الإنسان في طهران، لكن علينا النظر إلى العراق وهو جار إيران، لنرى كيف أن رحيل ديكتاتور يمكن أن يؤدي إلى حدوث فراغ يمكن أن تملؤه الفوضى الدموية.

وبالمقارنة، فإن بايدن يقترح أنه يمكن أن يحاول التعامل مع إيران، والعودة إلى الاتفاق النووي إذا التزمت إيران بصورة «صارمة» به وهذا يمكن أن يؤدي إلى تحسن علاقات أميركا مع حلفائها الأوروبيين، الذين غضبوا من نهج ترامب، وحاولوا إنقاذ الاتفاق النووي مع غياب مشاركة الولايات المتحدة. وعن طريق إلغاء العقوبات التي ظهرت عند انسحاب ترامب من الاتفاقية، وتلك العقوبات الإضافية التي فرضتها الولايات المتحدة، لأن بايدن سيقرر دعم استقرار المنطقة عن طريق تقديم دعم اقتصادي لطهران.

لكن هذا الاستقرار سيؤدي إلى إعادة حقيقة صارخة، هذه الحقيقة التي تفيد بأن القيود المفروضة على متابعة إيران لتحقيق طموحها النووي ستنتهي خلال السنوات المقبلة، وستظل برامج إيران للصواريخ البالستية بلا قيود، وستواصل إيران رعايتها للإرهاب والأنشطة الأخرى التي تجعل نظام طهران قوة شريرة.

وبصراحة، عندما يتعلق الأمر بإيران، لا تملك الولايات المتحدة خيارات جيدة يمكن أن تستخدمها للتعامل مع نظام إيران بهدف لجم طموحاته. والسؤال المطروح يتمثل في ما إذا كان الأميركيون سيختارون مخاطر استخدام الضغوط القصوى، أو الاستقرار النسبي المتمثل في قبول النظام الحالي، ومحاولة إيجاد أسلوب تعايش معه.

لورنس هاس كاتب في «أميركان فورين بوليسي كاونسل».


حملة ترامب للضغوط القصوى، التي كانت تهدف إلى إضعاف الاقتصاد الإيراني عن طريق العقوبات على الحكومات والشركات التي تتعامل مع الحكومة الإيرانية، حققت تأثيراً كبيراً. ويقال إن عائدات تصدير النفط الإيراني انخفضت بنسبة 92%، خلال العام الماضي، وهبطت الاستثمارات الأجنبية في إيران بنسبة 26.5% عام 2019، ووصلت العملة الإيرانية (الريال) إلى أدنى مستوى لقيمتها منذ الثورة الإيرانية، كما تزايد التضخم.

لم يتغير الهدف الاستراتيجي لجميع الإدارات الأميركية، منذ فترة حكم الرئيس السابق جيمي كارتر إزاء إيران، ويتجلى في إقناع النظام الإيراني بتغيير أسلوبه وإصلاح أساليب عمله، وأن يصبح عضواً في النظام الدولي الذي يستند إلى حكم القانون. وتمثلت القضية التي أثارت غضب كل الرؤساء في ما إذا كان بالإمكان محاولة تحقيق هذا الهدف من خلال الضغط (على شكل عقوبات والتحقير السياسي)، أو الإقناع (عن طريق التعاون والمساعدة).

الولايات المتحدة لم تتصرف أمام أي تحدٍّ عالمي في السنوات الأخيرة كما فعلت إزاء إيران.

الأنظمة المتطرفة المدفوعة بالأيديولوجية لا تنوي التغير، نتيجة للضغوط الاقتصادية والسياسية والتحول إلى أنظمة معتدلة. وبناء عليه، لا يتوجب علينا توقع أن تؤدي الضغوط الاقتصادية إلى تأجيج سخط العامة، إلى الدرجة التي تدفعهم إلى إطاحة النظام.

طباعة