ترى أن أي تحرك للصين هو تهديد لها

الولايات المتحدة مطالبة بتبني سياسات عقلانية للتهدئة مع بكين

صورة

بداية يونيو الماضي التقى وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، زعيم الدبلوماسية الصيني وانغ يي، في محاولة لتخفيف التوتر بين البلدين. ولكن لسوء الطالع إذا لم تغير الإدارة الأميركية طريقتها في التعامل، فإن مجرد لقاء من غير المرجح أن يفضي إلى تحسن العلاقات التي ساءت كثيراً بين واشنطن وبكين. ولفهم سبب ذلك، من المهم النظر إلى الموقف الأميركي خلال السنوات القليلة الماضية.

لقد تبنت الولايات المتحدة سياسة المواجهة مع الصين على جميع الجبهات، حيث باتت ترى أي تحرك صيني هو تهديد للولايات المتحدة، ورفضت أي شيء يتعلق بالمعاملة بالمثل، كما أنها كانت تضع المعايير وترفض الالتزام بها.

ولقياس مدى عقلانية المواقف الأميركية، فإن أسهل الطرق للبدء بها هو النظر الى كيفية رؤية الأميركيين لبقية العالم. وبالنظر إلى أن الولايات المتحدة لا تمتلك فهماً خاصاً لبكين أو نواياها، وإذا كانت أميركا غريبة عن الصين إلى الدرجة التي تراها تشكل تهديداً عليها، فمن المرجح أن ذلك يرجع إلى أسباب سياسية محلية.

مخاطر «الحزام والطريق»

غالباً ما ترى الولايات المتحدة العدوان الصيني على دول هي ذاتها تنظر بصورة أكثر إيجابية إلى العلاقات مع بكين. وحاولت الولايات المتحدة نشر الصواريخ في دول شرق آسيا التي لم تكن ترغب في هذه الصواريخ. وحاولت منع شركة «هواوي» الصينية من المساعدة على نشر نظام «5 جي» للاتصالات والإنترنت للدول الأخرى، مدعية أنه يحتوي على تهديدات أمنية، ولكنها لم تقدم أي دليل ملموس يدعم مزاعمها. وباختصار فإن الولايات المتحدة تعارض الصين باعتبارها تهديداً أمنياً وطنياً لدول هي نفسها ترى الأمر بصورة مختلفة. وتعارض الاستثمارات الصينية في الخارج التي لا تنطوي على أي مخاطر أو تهديدات عسكرية أو غير ذلك. ويمكن مشاهدة هذا الاستهداف الأميركي للصين في طريقة أميركا في التعامل مع قضية الحد من التسلح النووي.

ومن المتوقع أن تنتهي اتفاقية «ستارت» الجديدة المتعلقة بالحد من الأسلحة النووية، والتفتيش المشترك بين روسيا والولايات المتحدة، في عام 2021. وعلى الرغم من أن روسيا مهتمة بتمديد هذه الاتفاقية، ولكن الولايات المتحدة غير مهتمة بذلك إلا إذا انضمت إليها الصين.

وسبب وجود هذه الاتفاقية في الأساس وضع قيود على الأسلحة النووية التي تمتلكها روسيا وأميركا اللتان تمتلكان أسلحة نووية أكثر من أي دولة أخرى في العالم، إذ تمتلك كل واحدة من هاتين الدولتين نحو 6000 رأس نووية، في حين أن الصين لا تملك سوى 300 رأس نووية، أي بقدر ما تملكه فرنسا، ولذلك ترفض الصين الانضمام إلى الاتفاقية، وهي مصيبة على أساس أن ترسانتها النووية لا تساوي أكثر من جزء يسير من ترسانة موسكو وواشنطن.

وخلال فترة الحرب الباردة كانت القوتان العظميان الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة قادرتين على التوصل إلى اتفاقات حول قضايا معينة، بما فيها الحد من التسلح والحدود الأوروبية. وكانت أميركا أنجح ما تكون في هذه المفاوضات عندما لا تطلب من الاتحاد السوفييتي الخضوع دائماً لرغبتها في السباق النووي، أو أنها تحاول منع العلاقات الاقتصادية والمدنية بين الاتحاد السوفييتي وبقية دول العالم.

ولكن مع الصين، اتخذت الولايات المتحدة الآن مساراً مختلفاً. فقد اختارت النظر إلى الأمور من خلال تفكير الخاسر أو الرابح فقط، وليس هناك مصلحة للطرفين. وهذا ما أدى إلى انعدام الثقة بينها وبين الصين، وعقد المسار نحو التوصل إلى اتفاق دبلوماسي. وكان المسؤولون الأميركيون يرسلون رسالة مفادها أن الولايات المتحدة ستعمل على إيذاء الصين وتقلص من نفوذها في العالم، بدل أن يحددوا أهدافاً محددة لمصلحتهم الوطنية.

ولا يمكن أن تتبنى الولايات المتحدة موقف المنافسة كدولة عظمى، وفي الوقت ذاته تحاول تهدئة علاقاتها مع بكين. بل يتوجب عليها مناقشة القضايا ذات الاهتمام المشترك، وعدم الدفع نحو العداوات التي ليس لها أي داعٍ.

وبناء عليه فإن توقع تحقيق الوزير بومبيو نجاحات مهمة في نمط دبلوماسيته هو أمر غير واقعي. ولهذا يجب على الولايات المتحدة أن تجد الفرص المناسبة من أجل التحضير لقمم مستقبلية، يقوم فيها الطرفان بمناقشة القضايا الفردية مثل التجارة والتسلح بصورة تدريجية. ويعتمد نجاح المفاوضات بين الدولتين مستقبلاً على ما إذا كانت الولايات المتحدة مستعدة للتنازل عن موقف التنافس كدولة عظمى، وترى نفسها بعيون الآخرين وتفهم الفوائد المترتبة على التعاون بين الدول.

ريتشارد حنانيا : باحث في جامعة كولومبيا حول الحرب والسلام


- تبنت الولايات المتحدة سياسة المواجهة مع الصين على جميع الجبهات، حيث باتت ترى أي تحرك صيني هو تهديد للولايات المتحدة، ورفضت أي شيء يتعلق بالمعاملة بالمثل، كما أنها كانت تضع المعايير وترفض الالتزام بها.

طباعة