رئيس الوزراء الإسرائيلي يتجه لـ «تجميد القرار» تحت أي مبرر

ضم أجزاء من الضفة الغربية سيضر نتنياهو أكثر مما ينفعه

صورة

لا يبدي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الكثير من القلق، ولا يتخذ أي خطوات استثنائية في الوقت الذي يتزايد فيه عدد الإصابات بفيروس «كورونا» المستجد، ويحذر اقتصاديون من أزمة ممتدة وواسعة الانتشار في إسرائيل، إلا أن نتنياهو ينصت في هذه الأثناء إلى صحيفة مقربة كثيراً منه تحثه على عدم تفويت «الفرصة التاريخية لإعادة مناطق إلى سيادتنا الكاملة»، ويقضي في الواقع الكثير من الوقت في مكتبه، ويحافظ على ابتعاده عن الكنيست، ويشاهد الكثير من البرامج التلفزيونية حتى لو لم يكن على مستوى صديقه الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

تقلص عدد المناقشات الأمنية التي أجراها في الآونة الأخيرة، ويبدو أنه لا يثق بوزير الدفاع السابق نفتالي بينيت، ولهذا السبب فوض له سلطات قليلة، لكنه منح مساحة أكبر للوزير الجديد، ورئيس الوزراء المناوب بيني غانتس، وتتركز بعض المناقشات القليلة التي يجريها في المقام الأول معه على خطة ضم أراضٍ من الضفة الغربية، ولكن بقدر ما هو معروف فإنهما لم يدخلا في تفاصيل كبيرة حتى الآن في هذا الشأن، ونادراً ما يجتمع مجلس الوزراء الأمني.

لا يحتاج نتنياهو حقاً إلى غانتس وحزبه «كاهول لافان» لإقرار قانون الضم في الكنيست، وحتى من دونهم من المرجح أن يحظى بأغلبية كبيرة، وذلك بفضل الأصوات الايجابية من حزبي المعارضة، «يامينا» و«إسرائيل بيتنا». وتكمن المشكلة في المادة 28 من اتفاقية الائتلاف بين الليكود و«كاهول لافان»، والتي تنص على أن نتنياهو وغانتس سيعملان باتفاق كامل مع الولايات المتحدة في ما يتعلق بخطة ترامب، بما في ذلك موضوع الخرائط مع الأميركيين والمحادثات الدولية حول هذا الموضوع، فقد أوضح الأميركيون أنهم يفضلون اتخاذ قرار الضم على أساس توافق حكومي في إسرائيل، ولكن بعد مضي نحو أسبوعين من الأول من يوليو، وهو التاريخ الذي تم تحديده لبدء عملية الضم، فإن السؤال الذي يبحث عن إجابه هو: ما الذي تريده واشنطن من ذلك، وأكثر من ذلك، من الذي يقرر ما تريده؟

وبالنظر إلى الماضي، فإن أحد أكثر التطورات المثيرة للاهتمام في السنوات الأخيرة هو نجاح «مجلس يشع للمستوطنات» في اختطاف السياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط، حيث ان السفير الأميركي في إسرائيل ديفيد فريدمان، المقرب من المستوطنين، لعب دوراً رئيساً في إثارة الضجة الحالية. دفع فريدمان بلا كلل في اتجاه الضم، فقد سافر قبل أسابيع إلى واشنطن لإجراء مشاورات، وليس لدى السفارة الإسرائيلية في العاصمة الأميركية أي فكرة عما يخطط له السفير، أو ما سيقرره الرئيس، أو ما سيقرره الجانب الثالث من المثلث، صهر ترامب، جاريد كوشنر، في هذا الموضوع.

رمزي ومحدود

التوقعات في مؤسسة الدفاع وفي الساحة السياسية تتمثل في أن نتنياهو يفكر في ضم رمزي ومحدود، ربما لمنطقة معاليه أدوميم، القريبة من القدس والمتأصلة في الإجماع الوطني الإسرائيلي، ففي اجتماع رئيس الوزراء مع قادة المستوطنين، أثيرت فكرة ضم ذي شقين، لكن الكثيرين في قيادة يشع يعارضون الضم الجزئي (حتى 30% من الأراضي)، ويتشككون في أن نتنياهو لن يفي بوعده بضم ثانٍ في المستقبل، لأنه خلف وعده معهم بالفعل في الماضي.

مكاسب نتنياهو السياسية من الضم هي الآن موضع شك، ومع تراكم المخاطر الاستراتيجية فقد صعدت الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي معارضتهما للخطة، وتشعر وزارة الدفاع الاسرائيلية بالقلق من تجميد محتمل للصفقات الإضافية في أوروبا إذا استمر الضم، وتتسلط الأنظار في الشرق الأوسط على الأردن، الذي أبدى انزعاجه الشديد للضم الإسرائيلي المحتمل في الضفة الغربية خصوصاً في وادي الأردن.

وإذا ما شعر نتيناهو بالضغوط فإنه سيبحث عن مبرر معقول لتجميد الضم، ربما من خلال إلقاء اللوم على غانتس ووزير الخارجية غابي أشكنازي. ومن الناحية العملية، فإن تهديده بإجراء انتخابات جديدة حول قضية الضم، والتي يكررها في كثير من الأحيان في صحيفة «إسرائيل اليوم»، لسان حاله المجاني، مشكوك في مصداقيته، لأن الفيروس التاجي وليس الضم هو ما يهم الناخب الإسرائيلي، وبشكل أكثر وضوحاً الأزمة الاقتصادية الهائلة التي أحدثها الوباء.

مخاطر تفكيك الائتلاف

تفكيك الائتلاف الآن على أساس استطلاعات الرأي المثيرة للجدل ينطوي على مخاطر عدة، فقد يتغير الرأي العام في الخريف في الوقت الذي لايزال فيه الفيروس التاجي مهيمن والوضع الاقتصادي في أسوأ حالاته. في هذه الأثناء، سيشعل نتنياهو معركة خلفية ضد انتشار التحقيقات الجديدة ضده، وينتظر فرصة لإيجاد حل يناسبه: فوز في انتخابات جديدة، يليه سن تشريع يوقف الإجراءات القانونية، والتي بدأت ضده بالفعل.

في اجتماع غانتس مع المراسلين العسكريين قبل أيام كان من المستحيل عدم ملاحظة الوضع البائس لرئيس الوزراء البديل. يعلم غانتس أن انضمامه إلى نتنياهو أصابه بجروح قاتلة في أعين ناخبيه، ومن المستبعد جداً أن يكون قادراً على فرض نفسه على أنه بديل جيد في الانتخابات المقبلة. وفي الوقت الحاضر يعمل في الوقت المقترض، ويأمل أن يقتنع من صوتوا له أنه ظل يعمل في ظروف صعبة، وأنه قد فعل الشيء الصحيح لأنه يخشى أن يكتسح نتنياهو انتخابات رابعة، لكن إنجازاته القليلة - تثبيت الاستقرار الداخلي في وزارة العدل، وربما ضخ قدر من ضبط النفس في مناقشات الضم - لن تكون كافية لتعويض خيبة أمل جحافل ناخبيه.

كان بإمكان الرئيس الفلسطيني محمود عباس أن يلغي هذا الوضع المتشابك بمكالمة هاتفية واحدة مع دونالد ترامب، لكن خلال العامين الماضيين، منذ نقل السفارة الأميركية إلى القدس، ظل يشعر بالإهانة. حتى قبل ذلك، في ديسمبر 2017، قطع كل الاتصالات مع الإدارة الأميركية، واتهم ترامب علناً بأنه ليس وسيطاً عادلاً بين إسرائيل والفلسطينيين. وحث مسؤولون كبار في مؤسسة الدفاع الإسرائيلية عباس، حتى الآونة الأخيرة، على ابتلاع كبريائه والاتصال بالبيت الأبيض، لكنه يرفض، فإذا فعل ذلك فمن المرجح أن يتم إلغاء فكرة الضم من جانب واحد من جدول الأعمال، مؤقتاً على الأقل، وستركز واشنطن جهودها على شبه محاولة في التقدم في المفاوضات قبل الانتخابات الرئاسية في نوفمبر.

وتتمثل وجهة نظر مؤسسة الدفاع الإسرائيلية في أن عباس يريد وقف الضم بأي وسيلة، ويعتقد أنه يستطيع تحقيق ذلك عن طريق التهديدات وإثارة حرب وشيكة، دون أن يؤدي ذلك إلى انهيار السلطة الفلسطينية، وفي لعبة الحرب التي أجرتها القوات الإسرائيلية والشين بيت أخيراً، أثيرت إمكانية أن يفي عباس بتهديده و«يلقي بالمفاتيح»، أي يسلم مسؤولية الضفة الغربية إلى إسرائيل، ولكن في الحقيقة ليس لدى إسرائيل ما يكفي من المال لإدارة شؤون الضفة الغربية مرة أخرى، ومن غير المحتمل أن يحشد نتنياهو المجتمع الدولي لجمع المال لهذا الغرض. قبل نحو عامين، قامت مؤسسة الدفاع بتدقيق داخلي للوحدات التي تتمثل مهمتها في استعادة الإدارة المدنية للضفة الغربية إذا دعت الحاجة، ولكن تبين أن هذه الوحدات عبارة عن أجسام جوفاء، تدهورت قدراتها على مر السنين داخل الجيش الإسرائيلي، ويبدو أنه ليس لديها الوسائل أو القادة أو ما يكفي من القوات المدربة والموارد لتنفيذ المهمة.

لم يتم حشد الجمهور الفلسطيني حتى الآن من أجل مناهضة الضم، على الرغم من تجمع نظمته السلطة الفلسطينية هذا الأسبوع في أريحا، وإن الوضع الاقتصادي في الضفة الغربية معقول مقارنة بالدول المجاورة، حيث إن البطالة ليست مرتفعة حتى الآن بالنسبة للفلسطينيين (14.5%)، والمشكلة الرئيسة تنطوي على دفع الرواتب في القطاع العام، التي تم تخفيضها بنسبة 60% بسبب تجدد النزاع مع إسرائيل حول مدفوعات الضرائب التي تجمعها إسرائيل للفلسطينيين. وجهة النظر السائدة في إسرائيل هي أن إعلان الضم حتى على نطاق صغير سيؤدي إلى رد فعل في الضفة الغربية، على الرغم من عدم اتضاح قوة رد الفعل.

وتعتبر الميليشيات المرتبطة بحركة «فتح» لاعباً رئيساً في نهاية الانتفاضة الثانية، فقد قاد عباس ورئيس الوزراء الفلسطيني آنذاك سلام فياض خطوة جعلت جميع حاملي السلاح خاضعين للسلطة الفلسطينية، وكان الشعار «يد واحدة تحمل السلاح». وفي الآونة الأخيرة، ومن أجل فرض الانضباط أثناء الوباء، أعيد أفراد مسلحون من الميليشيات إلى الشوارع. تلا ذلك عدد كبير من الحوادث العنيفة، ويبدو أن هذه البنادق في ظل ظروف قاسية يمكن أن تستهدف مرة أخرى إسرائيل في المرحلة الأولى على شكل هجمات ضد المستوطنين على طرق الضفة الغربية.

وفي هذه الحالة لن تتخلف «حماس» عن الركب، لاسيما عندما تتاح لها الفرصة في سحب البساط من تحت أقدام السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية. ومن ناحية أخرى تود «حماس» أن تحافظ على الهدوء في قطاع غزة، لكن هذا القرار ليس بيدها بالكامل، فمن المرجح أن يؤدي إعلان الضم إلى هجمات صاروخية من قبل حركة الجهاد الإسلامي ومنظمات أخرى. وسيعتمد رد «حماس» على عنصرين: الشعور العام في قطاع غزة في ما يتعلق بالضم، وكثافة الرد العسكري الإسرائيلي ضد «حركة الجهاد».

• بالنظر إلى الماضي، فإن أحد أكثر التطورات المثيرة للاهتمام في السنوات الأخيرة هو نجاح «مجلس يشع للمستوطنات» في اختطاف السياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط.

• لا يحتاج نتنياهو حقاً إلى غانتس وحزبه «كاهول لافان» لإقرار قانون الضم في الكنيست، وحتى من دونهم فمن المرجح أن يحظى بأغلبية كبيرة، وذلك بفضل أصوات حزبي المعارضة، «يامينا» و«إسرائيل بيتنا». وتكمن المشكلة في المادة 28 من اتفاقية الائتلاف بين الليكود و«كاهول لافان» التي تنص على أن نتنياهو وغانتس سيعملان باتفاق كامل مع أميركا بشأن خطة ترامب.

• مكاسب نتنياهو السياسية من الضم هي الآن موضع شك، ومع تراكم المخاطر الاستراتيجية فقد صعدت الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي معارضتهما للخطة. وتشعر وزارة الدفاع الإسرائيلية بالقلق من تجميد محتمل للصفقات الإضافية في أوروبا إذا استمر الضم، وتتسلط الأنظار في الشرق الأوسط على الأردن، المنزعج بشدة من الضم الإسرائيلي المحتمل.

طباعة