سلسلة من الأحداث هزت إيران في الفترة الأخيرة

الرئيس الأميركي يتبع استراتيجية غامضة لمعالجة «النووي الإيراني»

صورة

بينما تهيمن مآسي وملاحقات الرئيس الأميركي دونالد ترامب السخيفة على الأخبار، تدور سلسلة من الأحداث في إيران تستحق اهتماماً وثيقاً، فعلى مدى الأسابيع القليلة الماضية، وفي الوقت الذي يصارع فيه العالم جائحة «كوفيد-19»، وقعت انفجارات وحرائق عدة في منشآت نووية عسكرية وصناعية إيرانية.

واستهدفت هجمات إلكترونية مواقع أخرى في إيران بما في ذلك أحد الموانئ، وحدثت مواجهات مع إيران في مسارح أخرى، بما في ذلك وسط البحر. ويشكك بعض المحللين في أن الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل، واللتان نفذتا هجمات إلكترونية ضد إيران من قبل، قد لعبتا دوراً في هذه الانفجارات الأخيرة، بدليل أن أياً من البلدين لم يعلن مسؤوليته علانية عما حدث، على الرغم من تقرير «نيويورك تايمز» الذي يشير إلى مسؤول استخبارات شرق أوسطي ادعى أن انفجار هذا الشهر في مجمع نطنز النووي الإيراني نتج عن انفجار عبوة زرعتها إسرائيل.

وأياً كان المسؤول، فإن هذه الحوادث تعد بمثابة تذكير مهم بأن الأنشطة النووية والعسكرية الإيرانية المستمرة خطرة للغاية على الأمن القومي الأميركي، فبعد مرور أربع سنوات تقريباً على ولايته، فشل الرئيس دونالد ترامب صراحةً في تخفيف التهديدات التي تشكلها إيران، بل عمل على مفاقمتها بدلاً من ذلك.

وحتى لو افترضنا أن الانفجار الأخير في نطنز الهدف منه إعاقة تقدم برنامج إيران النووي، فإن إيران لاتزال أقرب إلى السلاح النووي مما كان عليه الحال عندما تولى ترامب منصبه.

بعد انسحاب الرئيس من الاتفاق النووي الإيراني (خطة العمل الشاملة المشتركة) وفرضه العقوبات مرة أخرى على إيران في 2018، شرعت إيران في إعادة تشغيل مجموعة من الأنشطة النووية التي كانت قد تقلصت أو تباطأت عندما كانت جميع الأطراف ملتزمة بالصفقة.

وبحسب ما ورد زادت إيران من مخزونها من اليورانيوم المخصب بشكل كبير، وزادت من عدد المعدات المستخدمة في تخصيب اليورانيوم، ويشير تحليل إلى أن إيران قد خفضت الآن الى النصف الوقت الذي تحتاجه لإنتاج سلاح نووي.

بانسحابها من الاتفاق النووي - على الرغم من حقيقة أن إيران كانت تفي بالتزاماتها - جعلت الإدارة نفسها طرفاً غير موثوق به، فإذا كانت هناك صفقة أخرى مطروحة على الطاولة، فسيكون لدى طهران سبب وجيه للتشكيك في ما إذا كانت الإدارة ستلتزم بها.

ثانياً، تبنت الإدارة مطالب غير واقعية لصفقة جديدة حيث وضع وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو شروطاً مرهقة من 12 خطوة يتعين على إيران الإيفاء بها لكي ترفع الإدارة الاميركية العقوبات عنها، وتقيم معها علاقات دبلوماسية وتجارية كاملة.

ومع هذا النوع من الدبلوماسية الذي يعتبر حلماً زائفاً أكثر من كونه هدفاً يمكن تحقيقه، ظل الضغط الاقتصادي هو السلاح المفضل لترامب، وعلى النقيض من ذلك استخدم الرئيس السابق باراك أوباما - وكذلك قادة أجانب عدة آخرون - العقوبات لجلب إيران إلى طاولة المفاوضات في الفترة التي سبقت خطة العمل الشاملة المشتركة، إلا أن ترامب ضاعف ضغوطه من خلال تطبيق عقوبات صارمة على إيران، تستهدف القطاعات الرئيسة والشركات ومسؤولي النظام.

أثناء استخدام الأدوات الاقتصادية، استخدم ترامب الأصول العسكرية الأميركية لمتابعة أجندته ضد إيران، بما في ذلك القوة العسكرية. وأجاز ترامب هجوماً أدى إلى مقتل قائد فيلق القدس بالحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، في يناير، وهي خطوة حذر منها سفير إيراني بأنها بمثابة إعلان حرب.

قدرات عمل سرية

كما استخدمت الإدارة قدرات عمل سرية مختلفة. في يونيو 2019، وردت معلومات تفيد بأن ترامب أمر بهجوم إلكتروني ناجح ضد قاعدة بيانات الحرس الثوري الإيراني بعد أن قال إنه ألغى ضربات جوية وشيكة، وقيل إن الهدف من الهجوم هو منع هجمات الحرس الثوري الإيراني على ناقلات النفط.

ويبدو أن الادعاءات الجديدة بأن الولايات المتحدة وإسرائيل تستخدمان برامج سرية لتخريب المنشآت النووية والعسكرية الإيرانية هي تصعيد على هذه الجبهة، ففي وقت سابق من هذا الشهر، هز انفجار مبنى يستخدم لتجميع آلات تخصيب اليورانيوم في مجمع نطنز الصناعي.

وبحسب ما ورد كان نطنز هدفاً لبرنامج عمل سري أميركي سابق أطلق عليه اسم الألعاب الأولمبية، خلال إدارة أوباما، وكما ذكرت صحيفة «نيويورك تايمز»، فإن الهجوم «أخرج مؤقتاً من العمل ما يقرب من 1000 جهاز من أصل 5000 جهاز طرد مركزي كانت إيران قد أنشأتها في ذلك الوقت لتنقية اليورانيوم».

في أواخر يونيو وقع انفجار في منشأة صاروخية إيرانية إلا أن إيران ادعت أنه وقع في منشأة مختلفة، وزعمت أن الانفجار كان بسبب غاز، ونفى مسؤولون أميركيون وإسرائيليون التورط في هذا الحادث، وضرب انفجار آخر محطة للطاقة، وبعد ذلك بوقت قصير تسبب تسرب غاز الكلور في إصابة عدد من الأشخاص في جنوب شرق إيران.

هذا فقط داخل إيران، فقد كانت هناك أيضاً ضربات مستمرة ضد المواقع الإيرانية خارج البلاد، بما في ذلك ضد مسؤول إيراني كبير في سورية، وضد الميليشيات المدعومة من إيران في العراق.

لا يوجد دليل على أن الانفجارات مرتبطة ببعضها، إلا أن ذلك يقود المحللين ليعتقدوا أنها ربما كانت أعمال تخريب تهدف إلى إبطاء الأنشطة النووية والعسكرية الإيرانية.

تورط إسرائيلي

وبينما تنفي إسرائيل تورطها في هذه التفجيرات الأخيرة، اعترفت بالتورط في عمليات سرية سابقة، ففي عام 2018 اعترف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو علانية بإحدى هذه العمليات التي أدت إلى حصول إسرائيل على أرشيف معلومات عن النشاط النووي الإيراني.

إن التأثير المحدود لانفجار نطنز على البرنامج النووي الإيراني ليس واضحاً تماماً، ولكن هناك خطر حقيقي في ضوء هذه الهجمات التخريبية المزعومة، فقد تضطر إيران لنقل أنشطتها النووية تحت الأرض، لحماية نفسها من المزيد من الهجمات في المستقبل، وسيجعل ذلك من الصعب مراقبة أنشطة إيران، أو تعطيلها إذا لزم الأمر.

لهذا، عندما يتعلق الأمر بإيران، فإن السؤال الذي يجب على الجميع أن يسأله للرئيس ترامب هو ببساطة: ما الذي تهدف إليه؟ يجب استخدام الأدوات الدبلوماسية كوسيلة من أجل تنفيذ استراتيجية مستنيرة لاستئناف المفاوضات والتخفيف من التهديدات الإيرانية بشكل عام.

وبدلاً من ذلك فإن هذه الأحداث الأخيرة تكشف أن الرئيس يأذن من دون تفكير في تنفيذ عمليات من غير أي أهداف تلوح في الأفق.

في عام 2018 وصف بومبيو خطة العمل الشاملة المشتركة بأنها رهان «خاسر» لإدارة أوباما لم يؤت ثماره، والآن بعد عامين يتضح تماماً أن ترامب هو الخاسر عندما يتعلق الأمر بتقييد النشاط النووي، سواء كان في إيران أو كوريا الشمالية أو روسيا أو الصين.

وفي غياب أي تغيير في النهج الأميركي من قبل شاغل الرئاسة المحتمل في حالة فوز المرشح الرئاسي جو بايدن بالانتخابات في نوفمبر، قد تكون الولايات المتحدة متجهة نحو كارثة من خلال استمرارها في صب مزيد من الزيت على نار منطقة الشرق الأوسط الملتهبة، ولا ينبغي أن نفاجأ عندما يبدأ أوار النيران يعلو.

سمانثا فينوغراد محللة أمن قومي في «سي إن إن»


أثناء استخدام الأدوات الاقتصادية استخدم ترامب الأصول العسكرية الأميركية لمتابعة أجندته ضد إيران، بما في ذلك القوة العسكرية.

التأثير المحدود لانفجار نطنز على البرنامج النووي الإيراني ليس واضحاً تماماً، ولكن هناك خطر حقيقي في ضوء هذه الهجمات التخريبية المزعومة، فقد تضطر إيران لنقل أنشطتها النووية تحت الأرض، لحماية نفسها من المزيد من الهجمات في المستقبل. وسيجعل ذلك من الصعب مراقبة أنشطة إيران، أو تعطيلها إذا لزم الأمر.

طباعة