اليابان تشعر بعلاقة خاصة تربطها مع ألمانيا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية

عمدة طوكيو تترسّم خطى ميركل «الملهمة»

صورة

ظلت المستشارة الألمانية، أنغيلا ميركل، هذه الأيام مصدر إلهام للقيادات اليابانية، لاسيما الأنثوية منها، بعد ان اجتازت ألمانيا محنة «كورونا» بأمان، ولطالما كانت ألمانيا مصدر إلهام لليابان منذ أن فتحت البلاد حدودها للقوى الأجنبية عام 1868. ويراوح تأثيرها من حوكمة الدولة إلى الطب والفلسفة. ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، شعرت طوكيو بعلاقة خاصة تربطها مع المانيا، تتمثل في سعي الالمان للتعافي من الهزيمة. واستمر إعجاب اليابانيين بالألمان في نجاحهم بالظهور كأقوى اقتصاد في أوروبا.

وفي الوقت الراهن قد تكون ميركل هي التي تلهم القيادات اليابانية، لاسيما الإناث منها، حيث تعتبر ميركل بالنسبة للمشرّعات اليابانيات نموذجاً يحتذى به، في المسار الذي قد يصغنه لأنفسهن في عالم السياسة الذي يهيمن عليه الذكور.

وفقاً للمنتدى الاقتصادي العالمي، تحتل اليابان المرتبة 121 في مؤشر الفجوة العالمي بين الجنسين، مقارنة بألمانيا التي تأتي في المرتبة العاشرة. وعندما يتعلق الأمر بالتمثيل السياسي، فإن أداء اليابان أسوأ، حيث تحتل المرتبة 165 من حيث تمثيل الإناث في المناصب المنتخبة، وفي الوقت نفسه، تأتي ألمانيا في المركز 47.

هذا النهج جعل عمدة طوكيو، يوريكو كويكي، البالغة من العمر 67 عاماً، وهي المرأة الوحيدة التي تشرف على أعلى منصب عام، تسعى لتترسم منهاج ميركل لصعود السلم السياسي. فقد بدأت هذه المرأة حياتها المهنية كصحافية، حيث تتمتع بطلاقة في التحدث والكتابة باللغة الإنجليزية، وبالعربية أيضاً بعد تخرجها في جامعة القاهرة، في السنوات الأولى من حياتها السياسية، واستقطبت في ما بعد قدراً كبيراً من اهتمام اليابانيين بمظهرها وقدراتها. وصعدت سلّم الشهرة منذ ذلك الحين لتصبح قوة سياسية هائلة في اليابان. وينظر إليها على نطاق واسع على أنها عالجت الجائحة بشكل أفضل بكثير من رئيس الوزراء شينزو آبي. في الواقع، قارنها البعض بحاكم نيويورك المثير للجدل، أندرو كومو، في حين ينظرون إلى آبي على أنه أقرب إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب في ما يتعلق بمكافحة «كورونا». وهي تتعرض للانتقادات بسبب مظهرها أكثر من سياستها، التي تراوح ما بين مكياجها، مروراً باختيارها ملابسها، وصولاً الى أقنعة الوجه المختلفة التي ترتديها في عصر «كورونا». في عام 2007 عملت كويكي لفترة وجيزة كأول وزيرة للدفاع في اليابان، قبل استقالتها وسط نزاع داخلي، وأمضت في ما بعد ثلاث سنوات كوزيرة للبيئة. وتعتبر رئيس الوزراء السابق، جونيتشيرو كويزومي، والسياسي ذا الوزن الثقيل، إيشيرو أوزاوا، قدوتيها السياسيتين في اليابان.

تغيير الولاءات

غيرت يوريكو كويكي ولاءاتها الحزبية ست مرات خلال حياتها السياسية. ونتيجة لذلك، يُنظر إليها على أنها إما براغماتية مطلقة أو انتهازية.

من مميزاتها ايضاً صعودها وطموحاتها للقيادة دون أي دعم عائلي، في بلد 30% من جميع أعضائه المنتخبين هم أبناء السياسيين، حيث يُنظر إلى السياسة في اليابان على أنها شركة عائلية. وينطبق هذا بشكل خاص على الحزب الليبرالي الديمقراطي الحاكم في اليابان، حيث إن أكثر من 40% من اعضائه من نسل البرلمانيين. رئيس الوزراء شينزو آبي نفسه من ذوي «الدم الأزرق»، كان والده وزيراً للخارجية، وجده رئيساً سابقاً للوزراء.

وكثيراً ما تكون عضوات البرلمان من عائلات سياسية بارزة، مثل يوكو أوبوتشي، وهي ابنة رئيس الوزراء السابق كيزو أوبوتشي، خدمت لفترة وجيزة كوزيرة للاقتصاد في عام 2014، قبل أن تضطر للاستقالة نتيجة لفضيحة رشوة. وبالنسبة إلى السياسيات الطموحات في اليابان، فإن نهج ميركل في تسلق السلّم السياسي من خلال عدم التركيز على قضايا النوع الاجتماعي هو أمر مفيد لهن، على الأقل لأنه الطريقة الأكثر عملية للوصول إلى القمة.

حزب الأمل

رغم تقرّبها من كبار الشخصيات السياسية، إلا أن يوريكو كويكي، حظيت بدعم فاتر في صفوف الحزب الليبرالي الديمقراطي، وفشلت في تولي زعامته.

وعندما ترشّحت لمنصب حاكم طوكيو في 2016، دعم الحزب الليبرالي الديمقراطي مرشّحاً آخر.

لكن سكان طوكيو دعموا حماستها للإصلاح وانتخبوها كأول حاكمة للعاصمة اليابانية التي يقطنها أكثر من عُشر سكان اليابان.

في العام التالي، خاطرت بإطلاق «حزب الأمل» الجديد، لكن دعمه تراجع بعد بداية واعدة بدا حينها أنها قد تمثّل تحدياً كبيراً لآبي. ولكن إثر قرارها البقاء حاكمة لطوكيو، سرت شكوك بشأن الشخصية التي ستتولى رئاسة الوزراء في حال فاز حزبها في الانتخابات الوطنية، وتعرّضت لهزيمة كبيرة في الاقتراع. وحافظ آبي وكويكي، الحليفان اللذان أصبحا خصمين، على علاقة عمل ودية أثناء تحضيرهما معاً لأولمبياد طوكيو الذي كان سيشكّل إرثاً سياسياً مهماً لكليهما. لكن تم تأجيل الأولمبياد على خلفية وباء «كوفيد-19» بعد تحضيرات مكلفة.

وما لبثت كويكي أن نقلت تركيزها إلى مكافحة الوباء لتقدّم إيجازات يومية لوسائل الإعلام، وتوجه تحذيرات لأهالي طوكيو من أن الأسوأ لم يأتِ بعد. وكررت شعاراتها اللافتة لمكافحة الفيروس خلال تصريحاتها المتلفزة لتشجيع اليابانيين على التزام منازلهم وتجنّب الحشود.

وفي مسعاها للفوز بولاية ثانية، أدارت كويكي بارتياح حملة مستقلة عبر الإنترنت وسط دعم علني من أبرز أعضاء الحزب الليبرالي الديمقراطي. طوكيو-أ.ف.ب


- تعتبر ميركل بالنسبة للمشرّعات اليابانيات نموذجاً يحتذى به، في المسار الذي قد يصغنه لأنفسهن في عالم السياسة الذي يهيمن عليه الذكور.

طباعة