برلين ليس لديها مشكلة في التوجّه نحو روسيا

الولايات المتحدة خاسرة من دفع ألمانيا بعيداً عنها

صورة

لطالما قال الكاتب الأميركي الشهير توماس فريدمان من صحيفة «نيويورك تايمز»، إننا لن نستطيع خداع أو الاحتيال على أمنا الطبيعة. وهذا المنطق ينطبق على التاريخ والجغرافيا أيضاً، وعلى الرغم من أن عناوين الصحف في أيامنا معظمهما تركز حول حركة «حياة السود مهمة»، واستمرار جائحة «كورونا»، فإنه ثمة خطأ فادحاً ذا أهمية تاريخية يُرتكب الآن، ألا وهو قيام الرئيس الأميركي دونالد ترامب بدفع ألمانيا بعيداً عن الولايات المتحدة. ولابد أن وزيري الخارجية الأميركيين السابقين دين اتشيسون وجورج مارشال يتململان الآن في قبريهما جراء هذا العمل، كما أن وزير الخارجية الأميركي السابق هنري كيسنجر يشعر بالأسى لذلك.

وفي الواقع فإن ألمانيا ليست رابع أكبر اقتصاد في العالم فقط، وإنما هي المحرك الصناعي والمالي للاتحاد الأوروبي، وإضافة إلى ذلك عن طريق علاقاتها التجارية المتشابكة مع 25 دولة تشكل الاتحاد الأوروبي، يصبح ثقلها الاقتصادي أكثر ضخامة. ألمانيا في الحقيقة هي زعيمة أوروبا، التي هي أضخم شريك تجاري للولايات المتحدة، وفي عام 2018 (وهذه أحدث البيانات) كان 22.5% من مجمل تجارة الولايات المتحدة مع الاتحاد الأوروبي.

وفي عالمنا الذي تسيطر عليه العولمة، حيث لاتزال السيادة الوطنية مهمة، ولكن قوة السوق تتسم بأهمية غير مسبوقة من قبل، تعتبر العلاقة الأوروبية الأميركية حيوية بالنسبة لوضع الولايات المتحدة في العالم، ونتيجة النمو المهول في الاقتصاد العولمي، تحول إجمالي الناتج القومي للولايات المتحدة من كونه يشكل 36% من إجمالي اقتصاد العالم في عام 1969، إلى 15.2% حالياً، لكن العلاقة الاقتصادية المشتركة للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، التي تمثل دعامة التحالف الغربي، يجب أن تؤدي من حيث المبدأ إلى تعزيز القوة الاقتصادية للولايات المتحدة ونفوذها.

تأثير القوة

وفي الحقيقة فإن التأثير المضاعف للقوة الاقتصادية ليس مبنياً فقط على تدفق التجارة اليومية، وإنما على الاستثمار أيضاً، وتتميز الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بأن لديهما أكثر الشراكات الاقتصادية تكاملاً في العالم، وقام المستثمرون من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة باستثمار نحو 5.8 تريليونات دولار مباشرة في اقتصاد بعضهما بعضاً. وبلغت الاستثمارات الأجنبية الأميركية المباشرة للولايات المتحدة في الاتحاد الأوروبي نحو 3.27 تريليونات دولار عام 2018، في حين أن الاستثمارات الأجنبية الأوروبية المباشرة في الولايات المتحدة كانت 2.6 تريليون دولار في العام ذاته.

وبالنسبة للولايات المتحدة فإن هذا الرقم يعادل ثلاثة أضعاف استثماراتها في آسيا، أما بالنسبة للاتحاد الأوروبي فيبلغ ثمانية أضعاف ما يستثمره في الهند والصين معاً.

والأمر الذي يجعل قوة أي كتلة اقتصادية ناجحة هو وجهة نظر ثقافية مشتركة لا تكون موجودة إلا في قلة من العلاقات الاقتصادية ذات السيادة، والتي تستند بصورة عامة إلى الاعتقاد بحريات المجتمعات التي تتمتع بحكم القانون، وحماية حقوق الملكية، وحقوق الملكية الفكرية، إضافة إلى دعم قوي للمشاريع الخاصة، والتنافس، والإبداع.

وفي هذا العالم الذي يرى فيه ترامب الصين باعتبارها منافساً له على طريقة الحرب الباردة، وحيث تحاول روسيا باستمرار العودة إلى العلاقات الدولية لتوازن القوى التي كانت سائدة في القرن التاسع عشر، ما هو المنطق من دفع ألمانيا بعيداً عن الولايات المتحدة، وجعلها أكثر قربا من روسيا والصين؟

أدرك خبراء الاستراتيجية في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية مدى أهمية الحفاظ على ألمانيا مرتبطة بالعالم الغربي، وأهم هؤلاء: روبير شومان الذي يعتبر الأب الروحي في الاتحاد الأوروبي أو جورج ميشل أو دين اتشيسون في الولايات المتحدة، بمفاهيمهم المتعلقة بمشروع مارشال وحلف الناتو، وكان أحد أهم منجزات كل من مجتمع الفحم والصلب الأوروبي، والسوق الأوروبية التي سبقت الاتحاد الأوروبي، وحلف الناتو، هو ضمان بقاء القوة الاقتصادية الألمانية في العالم الغربي، وكان ذلك صعباً بالنسبة للعديد من الدول الأوروبية لكن للحفاظ على ألمانيا المهزومة في العالم الغربي تم الاعتراف بها كشريك تجاري مساوٍ لبقية الدول الأخرى.

إدارة لا تفقه في التاريخ

هذا تم قبل 70 عاماً، لكن في هذه الأيام تظهر إدارة أميركية لا تفقه شيئاً في التاريخ، وترى العالم بصورة مختلفة، وبالنسبة لألمانيا فإنه لن يكون من الصعب عليها تغيير قيمها نحو الشرق، وبعد فترة وجيزة من الحرب الفرنسية الروسية عام 1871، عمد أول مستشار لألمانيا، وهو بسمارك، إلى منع روسيا من التحالف مع فرنسا ضد بلاده عن طريق إقامة اتفاقية معها، وتأييد مطالبها في مضيق البوسفور والدردنيل، لضمان وصول روسيا إلى البحر المتوسط.

وتحدث بسمارك عن كون ألمانيا مثل الدمى التي يوجد في أسفلها ثقل، بحيث إنها تتحرك نحو الشرق والغرب، لكن أساسها يظل مكانه، ولحسن الطالع فإن المستشارة أنغيلا ميركل التي عاشت في رعب ألمانيا الشرقية، هي مستشارة ألمانيا، ولكن فترة حكم ميركل ستنتهي في أكتوبر 2021.

ومباشرة إثر سيطرة الزعيم الصيني ماو تسي تونغ على الصين، أطلق الجمهوريون في الولايات المتحدة السؤال التالي: من الذي خسر الصين؟ إذا كان هذا السؤال يتعلق الآن بألمانيا، سيكون من السهل الإجابة عليه: إنه قائد يجهل التاريخ والجغرافيا، وخسر ألمانيا بغباء.

إدوارد غولدبيرغ أستاذ الاقتصاد السياسي الدولي في جامعة نيويورك


حكمة المستشارين المعروفين

أشار الكاتب الأميركي روبرت كابلان في مقابلة مع موقع «كاب إكس» الذي يتحدث عن السياسة الخارجية البريطانية، إلى موضوع ألمانيا بقوله «إن ترك ألمانيا الأكثر نجاحاً في البر الأوروبي، وترك أوروبا تحت تصرف ألمانيا عندما يكون الجيل المقبل من القادة الألمان لا يمتلكون حكمة المستشارين المعروفين هلموت كول، وهلموت شميدت، وأنغيلا ميركل، الذين كانوا يتمتعون بفهم عميق للحرب العالمية الثانية، وذكريات الحرب الباردة، أعتقد أن ذلك سيترك بريطانيا تحت رحمة أوروبا الفوضوية التي ستتنافس الصين وروسيا على كسب النفوذ فيها. بالدهشة إذا توجهت ألمانيا نحو موسكو، وهذا ما يريده الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، لأنه الطريق الذي ستواجه فيه أقل المقاومة، ولو أخذنا أنابيب (نورد) للغاز القادمة من روسيا إلى ألمانيا، فإنها صنعت ما يشبه الحلف بين روسيا وألمانيا، وأنا لا أتوقع ذلك، لكنها مخاوف تراودني».

في هذا العالم الذي يرى فيه ترامب الصين باعتبارها منافساً له على طريقة الحرب الباردة، وحيث تحاول روسيا باستمرار العودة إلى العلاقات الدولية لتوازن القوى التي كانت سائدة في القرن التاسع عشر؛ ما هو المنطق وراء دفع ألمانيا بعيداً عن الولايات المتحدة، وجعلها أكثر قرباً من روسيا والصين؟

تتميز الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بأن لديهما أكثر الشراكات الاقتصادية تكاملاً في العالم، وقام المستثمرون من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة باستثمار نحو 5.8 تريليونات دولار مباشرة في اقتصاد بعضهما بعضاً.

طباعة