الولايات المتحدة تخسر أوروبا في الحرب الباردة المقبلة

ثقة الأوروبيين بأميركا اهتزت بشدة

صورة

فتحت جائحة «كورونا» أعين العالم على الطبيعة الحقيقية للنظام الصيني، وأخبرتنا مقالات لا حصر لها، خلال الأسابيع الأخيرة، بذلك. وربما هي على حق، ولكن في أوروبا، إنها استجابة الولايات المتحدة للوباء، التي تزعج السياسيين والجمهور على نطاق أوسع، حتى أكثر من رد فعل الصين.

ويعتبر استطلاع جديد لمؤسسة «كوربر»، صدر الاثنين الماضي، أحدث دليل على ذلك. والنتائج التي توصل إليها مذهلة، وينبغي أن تستوقف أي شخص في واشنطن، يريد أن يرى جبهة قوية وموحدة بقيادة الولايات المتحدة، ضد الصين، تظهر في أعقاب هذه الأزمة.

انقسام الألمان

ويظهر الاستطلاع أن الألمان منقسمون، الآن، بشكل متساوٍ تقريباً، حول ما إذا كانت واشنطن أو بكين هي الشريك الأكثر أهمية، إذ اختار 37% الولايات المتحدة و36% كانوا لمصلحة الصين. ويمثل هذا تحولاً كبيراً، مقارنة مع استطلاع «كوربر» الأخير، في سبتمبر 2019، عندما انحاز الألمان إلى الولايات المتحدة، على حساب الصين.

وهذا لا يعني أن الألمان يمنحون الصين تصريحاً مجانياً. ويوافق 71% على أن المزيد من الشفافية من الحكومة الصينية، كان من شأنه أن يقلل التأثير أو حتى يمنع انتشار الوباء. ولكن 36%، فقط، يقولون إن موقفهم من الصين قد ساء، مقارنة بـ73% تدهورت نظرتهم للولايات المتحدة، في هذه الأزمة.

ماذا يعني هذا؟ أولاً، بعض المحاذير. قلة من الناس تتوقع شفافية من الحزب الشيوعي الصيني، وهم يضعون الولايات المتحدة في مستوى أعلى، وبالتالي فإنهم يصابون بخيبة أمل بسهولة، عندما تفشل واشنطن.

الأكثر سلبية

علاوة على ذلك، كانت وجهات النظر الألمانية تجاه الولايات المتحدة، من بين الأكثر سلبية، في أوروبا، منذ أن جاء الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض. وكان هذا هو الحال، أيضاً، في عهد الرئيس جورج بوش الابن، فقط لكي تتأرجح الآراء بشدة إلى المنطقة الإيجابية، بمجرد أن يحل باراك أوباما مكانه. لكن الرأي العام الألماني متقلب، ويتأثر بشدة بالشخص الجالس في المكتب البيضاوي. وتقول المديرة التنفيذية للشؤون الدولية في «كوربر»، نورا مولر، إن «المواقف الألمانية تجاه الولايات المتحدة كانت في حالة سقوط حر، قبل الجائحة». ومن الواضح أن الشكوك بشأن إدارة ترامب للوباء، والغياب الواضح للقيادة الأميركية العالمية، قد أديا إلى تفاقم هذه المشاعر. من ناحية أخرى، يتعين على السياسيين الألمان مراعاة الاعتبارات الأوسع عند موازنة العلاقة مع واشنطن وبكين؛ فالولايات المتحدة دولة ديمقراطية، تتقاسم القيم الأساسية مع أوروبا، بينما الصين ليست كذلك. وضمنت أميركا أمن ألمانيا ودول أوروبية أخرى، لمدة 75 عاماً. وأمضت الصين جزءاً كبيراً من تلك الفترة مشغولة بنفسها. ولكن العالم يتغير، وقد نكون أمام فجر قرن آسيوي. ويرى السياسيون في ألمانيا، وأماكن أخرى في أوروبا، تحول القوس الجيوسياسي، وهذا يؤثر في حساباتهم. ويدركون أن الحزب الشيوعي الصيني قد تكتم على الفيروس في أسابيعه الأولى، وبعد ذلك، عندما انتشر في جميع أنحاء العالم، استخدم حملة دعائية مضللة في محاولة لتغيير السرد لمصلحته. كما أنهم يرون كيف احتوت القيادة الصينية الفيروس، بنجاح، وإن كان مع تكتيكات لن تكون مقبولة في الديمقراطيات الليبرالية. ولهذا السبب، من المرجح أن ينتعش الاقتصاد الصيني، بشكل أسرع.

معركة حزبية

وعندما يتطلعون إلى واشنطن، فإن الألمان والأوروبيين يرون الفوضى، وبلداً في مواجهة مرض قتل فيه أكثر من 91 ألف شخص، بينما يستمر السياسيون في معاركهم الحزبية. وهم يرون إدارة تتجنب الحقائق العلمية، والتعاون العالمي، عندما تكون هناك حاجة ماسة إليهما. وهم يرون رئيساً يبدو على استعداد لاتخاذ نهج «الأرض المحروقة»، عندما يتعلق الأمر بالعلاقة مع الصين، إذا كان هذا هو ما يتطلبه الأمر لإنقاذ آماله في إعادة انتخابه. الأهم من ذلك، لا يُنظر إلى ترامب، في أوروبا، على أنه سبب الخلل الوظيفي في الولايات المتحدة، بل هو من الأعراض التي عجلت بهذا الخلل. وإذا وصل جو بايدن إلى البيت الأبيض في يناير المقبل، فسيظل الانقسام الحزبي العائق الدائم. وكذلك سيكون الأميركيون غير مستعدين، تماماً، للتعامل مع الدمار الاقتصادي الذي خلفته الأزمة. وقد يكون العمل مع أميركا أسهل بمجرد رحيل ترامب؛ لكن إلى متى؟ فقد عمّقت استجابة الولايات المتحدة للفيروس التاجي هذه الشكوك، في ألمانيا ودول أوروبية أخرى. ووفقاً لمسح أجرته مجموعة السياسة الخارجية لبريطانيا، هذا الشهر، قال 28%، فقط، من البريطانيين إنهم يثقون بأميركا، للتصرف بمسؤولية في العالم، بانخفاض 13 نقطة، منذ يناير. والناخبون المحافظون، الذين عبّروا في السابق عن مستويات كبيرة من الثقة بأميركا، يتحملون مسؤولية خسارة هذه الثقة.

تحديات قادمة

سأل استطلاع أجرته مجموعة استطلاعات «إيفوب» الفرنسيين، هذا الشهر، عن أفضل الدول استعداداً لمواجهة تحديات العقود المقبلة. واختار 3٪، فقط، من المشاركين في المسح، الولايات المتحدة. وأظهر استطلاع أجراه معهد أبحاث «إس دبليو جي»، في أبريل أن 36% من الإيطاليين الذين شملهم الاستطلاع، يعتقدون أن بلادهم يجب أن تركز على تطوير علاقات وثيقة مع الصين، مقارنة بـ30% اختاروا الولايات المتحدة.

وبدلاً من ذلك، فإن أوروبا تتحوط، وتجري حالياً مفاوضات مع بكين بشأن اتفاقية استثمار شاملة وإجراءات مشتركة لمكافحة تغير المناخ. وإبرام مثل هذه الصفقات يحتاج إلى وقت طويل للتنفيذ، ولكن إذا أبرمت، في فترة الانتخابات الأميركية، فسترسل إشارة أخرى، مفادها أن الولايات المتحدة تخسر أوروبا في صدارة أولويات السياسة الخارجية.


73 %

من الألمان تدهورت نظرتهم إلى الولايات المتحدة في هذه الأزمة.

المواقف الألمانية تجاه أميركا كانت في حالة سقوط حر، قبل الجائحة. ومن الواضح أن الشكوك بشأن إدارة ترامب للوباء، والغياب الواضح للقيادة الأميركية العالمية، أديا إلى تفاقم هذه المشاعر.

طباعة