دراسة تتوقع ألا يكون ضرر الفيروس على عالم الأعمال كبيراً

3 سيناريوهات لمسار التعافي المحتمل من «كورونا»

صورة

سواء كانت الاقتصادات قادرة على تجنب الركود أم لا، فإن الطريق إلى النمو في ظل انتشار فيروس كورونا سيعتمد على مجموعة من العوامل، منها درجة تأخر الطلب أو التخلي عنه، وما إذا كان مصير الصدمة حقاً هو انقضاؤها أو استمراريتها، أو ما إذا كان هناك ضرر هيكلي، من بين عوامل أخرى. ويمكننا أن نرسم هنا ثلاثة سيناريوهات عريضة:

أولاً، سيناريو الاقتصاد الحقيقي (الكلاسيكي)، حيث يستطيع الاقتصاد في هذا السيناريو العودة إلى معدلات النمو السنوية، واستيعاب الصدمة بشكل كامل. وعلى الرغم من أنه قد يبدو متفائلاً وسط الكآبة التي تحدث اليوم، إلا أننا نعتقد أنه ممكن.

ثانياً، سيناريو يعتقد باستمرار الصدمة، فبينما يستأنف الاقتصاد مسار نموه الأولي، يتكبد الناتج بعض الخسارة الدائمة. ونعتقد أنه محتمل في ظل هذا الوضع، لكن علينا الانتظار لمزيد من الأدلة بشأن الضرر الفعلي للفيروس، لتكون هذه الحالة أساسية ودائمة.

ثالثاً، سيناريو يتمخض عن الآثار القبيحة التي قد يفرزها السيناريو الأول والثاني، وفي هذه الحالة علينا أن نتأكد مما إذا كان «كورونا» سيحدث ضرراً هيكلياً كبيراً، مثل التسبب في خلل كبير في جانب العرض الاقتصادي، كسوق العمل، وتكوين رأس المال، أو عملية إنتاجية. يصعب أن نتخيل ذلك حتى مع الافتراضات المتشائمة.

مرة أخرى، يجدر الرجوع إلى التاريخ لرصد مسار التأثير المحتمل لفيروس كورونا تجريبياً على الاقتصاد العالمي. وفي الواقع، يمكننا الرجوع إلى صدمات سابقة، بما في ذلك الأوبئة، مثل سارس، وأنفلونزا H3N2 (هونغ كونغ) عام 1968، وأنفلونزا 1952 H2N2 (الآسيوية)، و1918 الأنفلونزا الإسبانية.

هل ستكون هناك عواقب اقتصادية دائمة لفيروس كورونا؟

لفهم ذلك، نحتاج إلى فحص الآلية التي من خلالها تصيب الأزمة الصحية الاقتصاد، فإذا كان تصنيف حالات الركود يدلنا على الجانب الاقتصادي الذي من المحتمل أن يهاجمه الفيروس، فإن سبل «العدوى الاقتصادية» تخبرنا أيضاً عن كيفية سيطرة الفيروس على مضيفه. هذا مهم، لأنه ينطوي على التأثيرات وسبل العلاج الناجعة المختلفة، وهناك ثلاث طرق لإصابة فيروس كورونا للاقتصاد:

التسبب في ضربة غير مباشرة للثقة (التأثير في الثروة)

انتقال تقليدي للصدمات الخارجية إلى الاقتصاد الحقيقي عبر الأسواق المالية، حيث تصبح جزءاً من المشكلة وليس الحل. ومع انخفاض الأسواق، وانكماش الثروة الأسرية، ترتفع معدلات مدخرات الأسرة، وبالتالي ينخفض الاستهلاك، ويمكن أن يكون هذا التأثير قوياً، لاسيما في الاقتصادات المتقدمة، حيث يكون امتلاك الأسرة لأصول الأسهم كبيراً، مثل الولايات المتحدة التي تعتقد أن الأمر سيتخذ منحاً حاداً (سوق هابطة صعبة التصحيح) وكسادا مستمراً.

التأثير المباشر في ثقة المستهلك

في حين أن أداء السوق المالي وثقة المستهلك مرتبطان بقوة مع بعضهما بعضاً، فإن البيانات طويلة المدى تظهر أيضاً أن ثقة المستهلك يمكن أن تنخفض حتى عندما ترتفع الأسواق. ويبدو أن «كورونا» سيوجه ضربة مباشرة قوية محتملة للثقة، ما يجعل المستهلكين في المنزل غير قادرين على تخطيط الإنفاق التقديري، وربما متشائمين على المدى الطويل.

صدمة من جانب العرض

الفقرتان أعلاه معنيتان بصدمات الطلب، ولكن هناك مخاطر إضافية عن طريق التأثير السلبي لـ«كورونا» في العرض. ومع تأثيره في الإنتاج، وتعطيل المكونات المهمة في سلاسل التوريد، تتحول الفجوات إلى مشكلات، ويمكن أن يتوقف الإنتاج كلياً، وتحدث إغلاقات وتسريح للعمال. وسيكون هناك تباين كبير عبر الاقتصادات والصناعات، ولكن مع أخذنا الاقتصاد الأميركي كمثال، نعتقد أن الأمر سيستغرق وقتاً طويلاً من الأزمة لكي يحدث ذلك. وبالنسبة لتأثيره في الطلب فإننا نعتبر هذا ثانوياً.

إن فترات الركود هي في الغالب عبارة عن أحداث دورية وليست هيكلية، ومع ذلك، يمكن أن تكون الحدود غير واضحة بين هذه الفترات. ولتوضيح ذلك، كانت الأزمة المالية العالمية السابقة حدثاً دورياً (سيئاً جداً) في الولايات المتحدة، ولكن كان لها أيضاً عبء هيكلي.

هل يستطيع فيروس كورونا إنشاء إرثه الهيكلي؟

يشير التاريخ إلى أن الاقتصاد العالمي بعد الأزمات الكبيرة، مثل ما يحدث الآن من انتشار فيروس كورونا، من المرجح أن يتغير إلى شكل آخر من خلال عدد من الطرق المهمة.

إرث الاقتصادات الصغيرة

يمكن للأزمات، بما في ذلك الأوبئة، أن تحفز على ظهور تقنيات ونماذج تجارية جديدة. فغالباً ما يُنسب الفضل إلى «سارس» عام 2003 في اعتماد التسوق عبر الإنترنت بين المستهلكين الصينيين، ما سرّع من صعود «على بابا». ومع إغلاق المدارس في اليابان وفي الولايات المتحدة والأسواق الأخرى، هل يمكن أن يشهد التعلم الإلكتروني وتقديم التعليم الإلكتروني عن بعد طفرة؟ علاوة على ذلك، هل تكشف الجهود الرقمية في ووهان لاحتواء الأزمة عبر أجهزة تتبع الهواتف الذكية بشكل فعال، أداة قوية جديدة للصحة العامة عن بعد؟

إرث الاقتصادات الكبيرة

يبدو بالفعل أن الفيروس سيعجّل بظهور سلاسل القيمة العالمية اللامركزية، وبشكل أساسي سيضيف الفيروس بعداً بيولوجياً إلى القوى السياسية والمؤسسية، التي دفعت إلى الأمام بنموذج سلسلة القيمة قبل 2016 إلى اتجاه أكثر تشظياً.

الإرث السياسي

لا يمكن استبعاد التداعيات السياسية، على الصعيد العالمي، حيث يختبر الفيروس قدرة الأنظمة السياسية المختلفة على حماية سكانها بشكل فعال، ويمكن جراء ذلك أن تكون المؤسسات الهشة الضعيفة عرضة للخطر، ما يؤدي إلى تحولات سياسية. واعتماداً على ديمومته وشدته، يمكن أن يعيد «كورونا» صياغة الانتخابات في الولايات المتحدة. وعلى المستوى متعدد الأطراف، يمكن قراءة الأزمة على أنها دعوة لمزيد من التعاون، أو على العكس من ذلك تفكيك المراكز الثنائية القطب للقوة الجيوسياسية عن بعضها بعضاً.

ماذا يجب أن يفعل القادة في ما يتعلق بالمخاطر الاقتصادية؟

هناك العديد من الرؤى المستقاة من الأسواق المالية، وتاريخ الصدمات المماثلة، ومن بين ذلك عدم الاعتماد على التوقعات، حيث تعكس الأسواق المالية حالياً قدراً كبيراً من عدم اليقين. ولاتزال مجموعة واسعة من السيناريوهات ممكنة الحدوث، ويمكن أن تستكشفها الشركات. أيضاً هناك من ينصح بعدم السماح بتغيرات الأسواق المالية بالحكم على الأعمال التي تخططها الشركات والمؤسسات، والتركيز فقط على إشارات ثقة المستهلك، والثقة بغرائزك الخاصة، ومعرفة كيفية الاستفادة من بيانات شركتك في المفاضلة بين هذه الأفكار.

ابدأ بالنظر إلى ما بعد الأزمة لاختيار الاقتصاد الجزئي أو الكلي أو الإرث الذي ستتبانه بعد أزمة «كورونا»، وما الفرص أو التحديات التي ستظهر على السطح في ما بعد؟ فكّر في كيفية معالجة عالم ما بعد الأزمة. هل يمكنك أن تكون جزءاً من الذين يعتمدون بسرعة على التقنيات والعمليات الجديدة وما إلى ذلك؟ هل يمكنك في النهاية أن تجد ميزة في الأوقات الصعبة تصب في مصلحة شركتك وعملائك ومجتمعك؟


آثار ممتدة لعقود عدة

أفادت مجلة شؤون خارجية «foreign affairs» بأن الاقتصاد العالمي دخل في حالة من الركود الشديد، وأن الانكماش سيكون مفاجئاً وحاداً بسبب تفشي فيروس كورونا المستجد، متوقعة أن تكون الآثار مؤثرة لعقود مقبلة.

وكانت معظم التوقعات الاقتصادية لعام 2020 تتوقع سنة من النمو الثابت، إن لم يكن نمواً متزايداً، فقد شهد تحديث توقعات صندوق النقد الدولي لشهر يناير ارتفاعاً في النمو من 2.9% في 2019 إلى 3.3% في 2020، وكانت هناك أسباب كثيرة للتفاؤل، منها اتفاقية التجارة «المرحلة الأولى» بين الصين والولايات المتحدة، وخفض تأثير خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

ثم جاء تفشي الفيروس التاجي، وسبب صدمة كبيرة للاقتصاد العالمي، فقد خفضت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أخيراً توقعاتها لنمو 2020 إلى النصف من 2.9% إلى 1.5%، وأشار صندوق النقد الدولي إلى أنه سيصدر تعديلاً كبيراً قريباً.

ولكن حتى هذه الجولة الأولى من المراجعات ربما كانت متفائلة للغاية، لأنها أدرجت الافتراض المنتشر على نطاق واسع بأن الركود في الربع الأول سيتم تعويضه على الفور في الربع الثاني.

وذكرت المجلة أنه قبل الوباء، كانت العديد من الاقتصادات الكبرى، بما في ذلك ألمانيا وإيطاليا واليابان، غير مجهزة بالفعل للتعامل مع حتى الصدمات الخارجية الصغيرة.

وأكدت أن الاضطراب الاقتصادي المفاجئ الذي سببه الفيروس التاجي الجديد مدمر بشكل كبير، فعلى سبيل المثال مجال صناعة السفر هو مؤشر للخسائر التي ضربت القطاعات الاقتصادية.

فقد سببت المخاوف من انتقال العدوى على الطائرات، وإغلاق الدول لحدودها، ضربة كبيرة لقطاع الطيران، ورداً على ذلك، قلصت شركات الطيران الرحلات الجوية بشكل حاد، لأنها تحاول الحفاظ على الجدوى التشغيلية والمالية، كما قامت بتسريح الموظفين.

وأوضحت المجلة أنه لن يكون من السهل إعادة تشغيل اقتصاد عالمي حديث مترابط بعد انتهاء الأزمة، وأن تعافي الاقتصاد سيبدأ عندما يستطيع مسؤولو الصحة أن يؤكدوا للناس أنه تم احتواء الفيروس، وأن الحصانة من المرض الذي يسببه قد زادت، مؤكدة أن التعافي لن يكون فورياً بل سيكون سريعاً.

وأضافت المجلة أن الاستجابة الصحيحة من الحكومات والشركات والأفراد يمكن أن تحد من الانكماش الاقتصادي القادم، وتقصير مدته، والإسهام في انتعاش أكثر حدة وأقوى وأكثر استدامة.

طباعة