إجمالي عددهم بلغ 5000 شخص في عموم البلاد

فيروس كورونا يسلط الضوء على مشكلة التشرد في اليابان

صورة

عند رؤية طبيعة الاكتظاظ والتزاحم في مقاهي الإنترنت في طوكيو لن يتساءل أحد عن السبب الذي دفع اليابان إلى إغلاقها كجزء من جهودها للحد من تفشي فيروس كورونا. وبالنظر إلى أن الأولوية بالنسبة لهذه الجهود تكمن في التباعد الاجتماعي، فقد كشف هذا الإغلاق عن مشكلة حقيقية لطالما كانت مختبئة تحت ستر السنين.

ونظراً إلى أن هذه المقاهي تفتح أبوابها على مدار الساعة، فقد لعبت دوراً كبيراً للتمويه على معدل التشرد في اليابان، حيث ذكرت وزارتا الصحة والعمل والرعاية الاجتماعية العام الماضي أن إجمالي عدد المشردين في اليابان 4977 شخصاً.

وصمة عار

وترتبط وصمة العار الاجتماعية بالتشرد في هذا البلد الذي يعمل الكثير من سكانه طوال حياتهم، وأما الذين يجدون أنفسهم بلا عمل غالباً ما يمضون أوقاتهم في هذه المقاهي التي تشبه الصناديق، وعادة ما يكون هناك مجموعة من المشروبات التي تقدم في مثل هذه المقاهي، التي تحمل شبهاً كبيراً بالملاجئ والنزل، لكن معظم من يأتون إليها ينشدون ممراً قذراً، حيث سيعثرون على كشك صغير بالكاد يمكنهم حشر أنفسهم به مع ممتلكاتهم. ويمكن أن يقدم هذا الكشك بعض الخصوصية الثمينة والاستراحة لنحو 12 ساعة وتكلف نحو 2000 ين (15 جنيهاً إسترلينياً).

وقال الباحث من منظمة العفو الدولية لشرق آسيا أرنولد فانغ «إنها ظاهرة برزت في السنوات الأخيرة، خصوصاً بالنسبة للنساء اللاتي لا يملكن مسكناً مستقراً». وأضاف «تمثل مقاهي الإنترنت مكاناً يستطيع المرء استئجاره بالساعة، ويمكنه استئجار مساحة صغيرة، بمساحة كشك صغير تكفي لاستخدام الكمبيوتر وبعضها يلحق به حمام. ومن الممكن أن يعيش المرء فيها حيث يستطيع الدخول والخروج من هذه المقاهي إذا لم يملك القدرة على الحصول على مسكن عادي».

وهناك 4000 شخص على الأقل يستخدمون مقاهي الإنترنت للنوم دون أن يكون لهم مسكن آمن في أي مكان آخر، وفق ما ذكرته حكومة طوكيو، على الرغم من أن 80% من هؤلاء موظفون حالياً. وتعيش مدينة هونغ كونغ تجربة مماثلة في الأسابيع الأخيرة، حيث ظهر بشكل واضح المجتمع المعروف باسم «ماكرفيوجي» (ويقصد به من يقيمون في مطاعم ماكدونالد طوال 24 ساعة)، خصوصاً إثر إغلاق مطاعم ماكدونالد.

مناخ غريب

وشهدت طوكيو البالغ تعداد سكانها 14 مليون نسمة، مناخاً غريباً منذ إعلان حالة الطوارئ في السابع من أبريل الماضي، الذي شكل تحدياً كبيراً وآنياً بالنسبة للمشردين، كما أنه شكل توتراً على حالتهم الذهنية.

ويقول المسؤول عن السياسة والحملات في منظمة «كرايسيس» الخيرية في بريطانيا هناه غاوزي، في إشارة إلى الاتجاه العالمي الحالي الذي يتمثل في زيادة معاناة التشرد: «المشردون يمثلون مشكلة مزعجة، إذ إن المدن الكبيرة يجري عزلها، فالأماكن التي اعتاد المرء الذهاب إليها لتناول الطعام أو الشراب لم تعد متوافرة بعد الآن».

وبناء على ما سبق تعين على «لاجئي مقاهي الإنترنت» العثور على شكل بديل للإقامة، اذ إن الكثير منهم غادروها دون وجود بديل آخر، ووصفت جمعية «موياي» الخيرية التي تعنى بالمشردين، سياسة رئيس الحكومة شينزو آبي بأنها «في حالة تخبط». وقال رئيس الجمعية أونيشي رين «لم تعد مقاهي الإنترنت متوافرة، ولهذا فقد المشردون منازلهم». وأضاف «لقد أعدت حكومة طوكيو بعض الفنادق كملاجئ، لكنها لا تكفي إلا لـ2000 شخص فقط. ولكن لاجئي مقاهي الإنترنت عددهم أكبر من ذلك بكثير، ولهذا فإن هذه الملاجئ لن تفي بالغرض، أما الاشخاص الذين لا يقدرون على تحمل البقاء في الفنادق فقد طلب منهم الذهاب إلى ملجأ آخر يطلق عليه اسم (موتي)، وهو عبارة عن مكان إقامة منخفض التكاليف، لكن ظروف الإقامة فيه أسوأ من مقاهي الإنترنت، لأنه يتعين عليك البقاء مع أشخاص آخرين في الغرفة ذاتها.

وضع مقلق

وبناء عليه فإن اليابان تجد نفسها في وضع مقلق، فهي تدرك أن الأزمة تتطلب إعادة إسكان طارئة للمشردين، وفي الوقت ذاته توخي الحذر لعدم تفاقم المشكلة. ويؤكد البروفيسور نيكولاس بليس مدير السياسة الاجتماعية في جامعة يورك البريطانية، أن تجمع المشردين في أي مأوى يمكن أن يكون بمثابة تسريع لانتشار مرض كورونا. وقال البروفيسور موضحاً «ربما الأمر أكثر خطورة على المشردين داخل المأوى ممن هم خارجه، لكن هذا لا يعني أنهم يجب أن يظلوا بلا مأوى لأن ذلك يعرضهم لمخاطر أخرى لا نهاية لها». وأضاف البروفيسور «وجودهم خارج المأوى يعني أنهم قادرون على التباعد الاجتماعي إلى حد ما مقارنة بكونهم داخل ملجأ، حيث يكون فيه عدد كبير من الأشخاص يستنشقون الهواء ذاته، هنا سيكون الخطر أكبر».

ومن هذا المنطلق فإن ألعاب طوكيو الأولمبية 2020 يمكن أن تلعب دوراً مهماً خلال هذه الأزمة، فبعد أن قررت اللجنة المشرفة على هذه الألعاب تأجيلها إلى عام 2021، فإن قرية الرياضيين المهجورة حالياً يمكن أن تلعب دور المأوى للآلاف من الباحثين عن مكان يقيهم فيروس كورونا.

القرية الأولمبية

ويقول أونيشي «نطلب من الحكومة فتح قرية الألعاب الأولمبية التي يمكن أن تستوعب نحو 15 ألف شخص في مبانيها، نعم نطلب فتحها لهؤلاء الذين فقدوا أماكن سكنهم». وأضاف «وهذه الخطة ستكون بمثابة إسكان مؤقت لهم، إذ يتعين على الحكومة بعد ذلك تأمين سكن آمن لهم، ونحن نريد استراتيجية بعيدة الأمد لمساعدة هؤلاء الناس».

وتدرك صحيفة «الإندبندنت» أنه لم يتم حتى الآن أي مقاربة رسمية نحو القرية الأولمبية من قبل الحكومة، لأن التوصل لاتفاق إسكان المشردين في القرية لن يكون سهلاً، إذ إنه يتطلب الاتفاق مع المقاولين الذين بنوا القرية، ومع الجيران، إضافة إلى اللجنة المنظمة للألعاب الأولمبية.

ويبدو العالم الآن أكثر وعياً للمأزق الذي يواجهه الآلاف من البشر، ما يعني أن ثمة أملاً بأن تكون أزمة كورونا بمثابة نقطة تحول في المعركة الهادفة إلى التخلص من المشردين. وقد حققت دولة فنلندا نجاحاً باهراً في هذا الاتجاه، واعتبرت منارة بين الدول من خلال استراتيجيتها «السكن أولاً»، لكن نظراً إلى حالة الركود الاقتصادي المحتومة التي يواجهها العالم لدى خروجه من أزمة كورونا، سينصب التركيز على اتخاذ خطوات للحد من تأثيرات فيروسات مستقبلية، إذ إن كورونا سلط الضوء على وجود نقص كبير في أنظمة الرعاية الاجتماعية.

تكاليف مستقبلية

قال البروفيسور بليس «إن التكاليف النهائية لعدم إسكان الناس بصورة ملائمة سواء بسبب فيروس كورونا أو أزمة أخرى ربما تظهر مستقبلاً، وتتمثل في أن أعداد من لا يجدون السكن اللائق ستزداد بسرعة رهيبة. ومن هؤلاء المهمشين والفقراء ينتشر الناس العاديون». وأضاف «ليس هناك من هو محصن من الإصابة بفيروس كورونا، ولكن الدليل الذي تم التوصل إليه هو أن الأحياء المكتظة بالسكان تتعرض لإصابات كبيرة. وللتخلص من ذلك يجب التركيز على معالجة حاجة الناس للسكن، وإلا سيبقون في حالة الخطر».

وبناء عليه فمن خلال الشوارع المهجورة في طوكيو إلى لندن وما هو أبعد من ذلك، كشف الوباء عن قضية هؤلاء الأشخاص الذين تم تجاهل تشردهم منذ زمن بعيد، ويؤمل الآن أن تمثل الأزمة الحالية حافزاً حول تعزيز الاعتقاد بأن الإسكان يجب أن يكون من حقوق الإنسان.


اليابان تجد نفسها في وضع مقلق، فهي تدرك

أن الأزمة تتطلب إعادة إسكان طارئة للمشردين،

وفي الوقت ذاته توخي الحذر لعدم

تفاقم المشكلة.

- 4000 شخص على الأقل يستخدمون مقاهي الإنترنت للنوم، على الرغم من أن 80% من هؤلاء موظفون حالياً.

طباعة