من دون صحة لن يكون لأي شيء قيمة تذكر

أوروبا بحاجة إلى التضامن وأجهزة التنفس والكمامات

حاولت حكومات الدول في شتى بقاع القارة الأوروبية احتواء ومنع انتشار «الفيروس». أرشيفية

ربما تكون أوروبا قد أصبحت الآن مركز وباء «كورونا»، كما قالت منظمة الصحة العالمية، الأسبوع الماضي، ولكن جميع دول العالم التي ضربها الفيروس، ترى العزاء لهذه القارة العجوز في أنها عندما أصبحت أمام خيارين، هما إما الضرر الاقتصادي أو معاناة البشر، اختارت الخيار الصحيح.

وحاولت حكومات الدول في شتى بقاع القارة الأوروبية منع واحتواء انتشار الفيروس، بدءاً من الحجر الصحي الشامل في إيطاليا، إلى الإغلاق الشامل للمتاجر والمطاعم في فرنسا. وأرسلت هذه الإجراءات رسالة مفادها أن البشر أكثر أهمية من جني الأرباح. ومنح الوباء، مع كل تأثيراته الكارثية، أوروبا فرصة لإعادة النظر في مبادئها، ولكي يتم تذكيرها بالقيم العليا. ومن دون صحة جيدة، فإن كل شيء سيكون بلا أهمية، بما في ذلك الاقتصاد نفسه.

ويبدو أننا نشعر في أعماقنا بأن من الأسهل بالنسبة لنا التعافي من الخسارة المادية، أكثر من أن نكون في موقف يكون الخيار بين من سيعيش ومن سيموت. والتحايل الذي قبل به البشر، وكيفوه مع واقعهم الجديد، يشهد على هذا الحدس البشري.

ويبدو تضامن البشر مع بعضهم بعضاً مسألة معدية، ففي إيطاليا، كان السكان المحجور عليهم في منازلهم يغنون معاً على شرفات منازلهم. وفي ألمانيا، قامت المنظمات الشبابية التابعة لمختلف الأحزاب السياسية بتنظيم رحلات تسوق لمساعدة كبار السن. وفي لوكسمبورغ، قدم أفراد الكشافة المساعدة لجميع أعضاء المجتمع الضعفاء، بدءاً من أخذ الكلاب للمشي في نزهة، وانتهاء بصرف وصفات الدواء من الصيدليات.

ولكن يبدو أن هذا التضامن مقصور داخل الحدود. وفي الوقت الذي تفرض فيه العديد من الدول الأوروبية حظراً على السفر، وتغلق حدودها، بات من الواضح أكثر من أي وقت مضى أين تنتهي الجيرة الأوروبية عملياً. وتبقى الحقيقة المرة أنه خلال حالة الطوارئ العالمية التي نعيشها، وفي الوقت الذي يتزايد فيه التضامن، تنكمش فكرة «نحن». وبالطبع فإن دولتي، التي تفخر بأنها عضو أساسي في الاتحاد الأوروبي، كما أنها قوة اقتصادية كبيرة، هي ليست استثناء لهذه الحقيقة، كما أظهر أسلوب ألمانيا في التعاطي مع أجهزة التنفس الآلي، وهي الأجهزة التي تحتاجها أوروبا بصورة ماسة أكثر من أي وقت مضى. والآن ليس هو الزمن الملائم كي يغلق كل شخص الباب على نفسه، إذ يجب على أوروبا أن تحشد كل جهودها، وألمانيا يجب أن تكون القائد في ذلك.

ألمانيا الأفضل

ومقارنة بالدول الأوروبية الأخرى، فإن ألمانيا هي الأفضل تجهيزاً إلى حد كبير للتعامل مع انتشار فيروس كورونا. ليس فقط لأنها تملك عدداً كبيراً من وحدات العناية المركزة، التي تبلغ نحو 28 ألف وحدة، إضافة إلى 25 ألف جهاز تنفس آلي. وفرنسا تمتلك 5000 جهاز تنفس. أما المشافي الإيطالية فإنها تواجه أشد أوضاع فيروس كورونا سوءاً، ولذلك فإنها تقوم بفرز المرضى مضطرة نتيجة افتقارها للموارد، لاتخاذ قرارات قاسية بشأن من ستبدأ علاجه ومتى. وبحلول يوم الإثنين الماضي، كان معدل الوفيات يعادل 11% من الإصابات، حيث بلغ عدد الوفيات 2470، وفي ألمانيا توفي 13 مريضاً.

وبناءً عليه، فإن ألمانيا تمتلك ما يكفي من أجهزة التنفس الآلي، كما أنها تستطيع إنتاج المزيد عن طريق تقديم طلبات إلى شركات تزويد المعدات الطبية المحلية، في حين تعاني الدول الأخرى النقص الشديد في هذه الأجهزة. ولذلك، ألا يعني التضامن الأوروبي أن ألمانيا يجب أن تقدم على الأقل بعض أجهزة التنفس الحديثة إلى الدول التي تحتاجها حالياً بصورة ماسة؟ عندما طرحت هذا السؤال على موقع «تويتر»، جاءني أسرع رد من أولئك الذين يدافعون عن «نحن» الضيقة، حيث أجابني أحدهم قائلاً «إذا مات شخص ألماني واحد نتيجة نقص هذه الأجهزة كيف ستشرح ذلك للشعب؟»، في حين أجابني آخر «هل تريد أن يموت آباؤنا وأحفادنا؟».

قلق مبرر

بالطبع فإن بعض القلق عند الألمان مبرر. وكانت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل قد توقعت، الأسبوع الماضي، أن 60% من سكان ألمانيا يمكن أن يصابوا بالفيروس، وكل شخص حر في توقعاته. وإذا حدث فعلاً أن أصيبت هذه النسبة من الشعب الألماني، وتبلغ 50 مليون شخص من أصل تعداد السكان البالغ 83 مليون نسمة، فإن نسبة الوفاة المتدنية التي تبلغ 0.7% تعني أن 350 ألف شخص يمكن أن يموتوا. وبعبارة أخرى، فإن هذا العدد الكبير من أجهزة التنفس الموجودة حالياً، سيكون قليلاً جداً في المستقبل، وإننا سنعاني مثل غيرنا. ولكن مثل هذا القلق يستحق أن تكون أوروبا في حالة أن كل جهاز تنفس آلي بيد الألمان يعني وفاة مزيد من الطليان أو الفرنسيين، ففي الوقت الذي أوقف فيه الألمان تصدير المعدات الطبية، أرسلت الصين طائرة تحمل آلاف كمامات التنفس، والعشرات من أجهزة التنفس الآلي إلى روما في نهاية الأسبوع الماضي. ويكافح الاتحاد الأوروبي من أجل التوصل إلى نهج معتمد لدى جميع أعضائه، ناهيك عن آلية تنفيذ مثل هذا النهج، ولكن يبدو أن القمة التي ستنعقد قريباً يمكن أن تصحح مثل هذا الخطأ.

قسم الحماية

صحيح أن المستشارة ميركل، مثلها مثل جميع من سبقها من مستشاري ألمانيا، قد أقسمت على حماية الشعب الألماني لدى وصولها إلى السلطة، ولكن ليس هناك من يتوقع منها أن تعرض حياة المواطنين الألمان للخطر. ولكن باعتبارها أقوى وأكبر دولة في الاتحاد الأوروبي، يتوقف عليها واجب استكشاف أفضل الطرق لتوزيع الإغاثة الطبية عبر جميع أعضاء الاتحاد الأوروبي. ومن الممكن تماماً حماية الاتحاد الأوروبي، دون أن يؤدي ذلك إلى إلحاق الضرر بألمانيا، حتى في هذا الوقت العصيب الذي يشهد أزمة فيروس كورونا. وبالطبع فإن إرسال طائرة عسكرية أو مدنية تحمل أجهزة تنفس آلي، إلى أكثر الدول حاجة إليها، يمكن أن يكون بداية طيبة بلا شك.

وبهذا عندما ينتهي هذا الوباء، فإن أوروبا ستكون هي أهم «نحن» بالنسبة للألمان، اقتصادياً وثقافياً وسياسياً، وعندها سيتذكر سكان القارة من اعتبر نفسه جزءاً من القارة وقت الأزمات.

جوشن بيتنر :  كاتب رأي في «نيويورك تايمز»


- تضامن البشر مع بعضهم بعضاً مسألة معدية، ففي إيطاليا، كان السكان المحجور عليهم في منازلهم يغنون معاً على شرفات منازلهم. وفي ألمانيا، قامت المنظمات الشبابية التابعة لمختلف الأحزاب السياسية بتنظيم رحلات تسوق لمساعدة كبار السن. وفي لوكسمبورغ، قدم أفراد الكشافة المساعدة لجميع أعضاء المجتمع الضعفاء، بدءاً من أخذ الكلاب للمشي في نزهة، وانتهاء بصرف وصفات الدواء من الصيدليات.

طباعة