بهدف تقليل التدخل الأميركي في شؤون لبنان وإرضاء ناخبيه

«حزب الله» يرفض تطبيق برنامج صندوق النقد الدولي

صورة

يكشف رفض «حزب الله» اللبناني تطبيق برنامج صندوق النقد الدولي، عن تبنيه سياسة حذرة لا تستبعد اندلاع أزمة داخلية جديدة، بسبب التداعيات التي يمكن أن يفرضها ذلك، فضلاً عن ما يمكن أن ينتج عنه من قيود قد لا تنحصر فقط في مصادر تمويله، وإنما تمتد إلى نشاطه العسكري أيضاً، موظفاً في الوقت نفسه ذلك الرفض في ترويج العمل بما يسمى «اقتصاد المقاومة»، الذي تتبعه إيران في مواجهة العقوبات الأميركية، والهجوم على خصومه السياسيين.

موقف مسبق

كرر «حزب الله»، في الفترة الأخيرة، موقفه الرافض لتطبيق برنامج صندوق النقد الدولي للإصلاح الاقتصادي في لبنان. وكان آخر من عبر عن هذا الموقف هو النائب حسن فضل الله، الذي قال، في 3 مارس الجاري، إن «الحزب يرفض الشروط التي تتضمنها أي خطة إنقاذ لصندوق النقد الدولي، لأنها ستؤدي إلى ثورة شعبية»، داعياً إلى الوصول لـ«حل وطني» للأزمة الاقتصادية.

وقبل ذلك، قال نائب الأمين العام للحزب، نعيم قاسم: «نحن لا نقبل أن نخضع لأدوات استكبارية في العلاج، يعني لا نقبل الخضوع لصندوق النقد الدولي ليدير الأزمة، نعم لا مانع من تقديم الاستشارات.. بإمكان الحكومة أن تضع خطة وتتخذ إجراءات بناءة لبدء المعالجة النقدية والمالية ووضعها على طريق الحل.. وإن شاء الله ستقوم الحكومة بهذا العمل، وتظهر بعض النتائج.. ولو بعد حين».

دوافع عدة

يمكن تفسير رفض «حزب الله» لتطبيق برنامج صندوق النقد الدولي، الذي تشير اتجاهات عدة إلى أنه بات الخيار الوحيد المتاح الآن أمام لبنان، للتعامل مع الأزمة الاقتصادية المتفاقمة، في ضوء اعتبارات عدة، يتمثل أبرزها في:

1- ضغوط الداخل

لا يستبعد الحزب أن تسفر أي خطة قد يقوم الصندوق بطرحها، ويتم تطبيقها عن تصاعد حدة الأزمة الداخلية، في ظل استمرار الاحتجاجات، حيث سبق أن وجهت العديد من القوى التي شاركت فيها تحذيرات من تداعيات فرض ضرائب جديدة، أو تقليص الإنفاق الحكومي للتجاوب مع تلك الخطة المحتملة. ومن دون شك، فإن ذلك لا ينفصل عن الضغوط التي يتعرض لها فريق «8 آذار» في الوقت الحالي، بسبب عدم نجاح السياسة التي تتبناها الحكومة في التعامل مع مطالب المحتجين، فضلاً عن استمرار الاستياء من انخراطه في أزمات خارجية، وفي مقدمتها الأزمة السورية، والتصعيد بين إيران والولايات المتحدة الأميركية.

2- تناقض محتمل

يبدي الحزب قلقاً من أن أي تجاوب مع خطط الصندوق يمكن أن يوجه رسائل إلى الداخل بأنه لا يلتزم ببرنامجه الانتخابي، الذي أعلنه خلال الانتخابات البرلمانية التي أجريت في 6 مايو 2018، بما يمكن أن يفقد الحزب صدقيته حتى في المناطق التي يحظى فيها بنفوذ واضح.

3- تضييق الحصار

معروف أن برامج الصندوق تشترط لتقديم قروض إجراء بعض التدابير تحت مظلة الإصلاح الاقتصادي، والتي تتضمن تقليص النشاط الاقتصادي غير الرسمي، وضمه إلى اقتصاد الدولة الرسمي، وما يفرضه ذلك من إجراءات تشمل رفع مستوى الرقابة على عمليات التهريب عبر الحدود، الأمر الذي سيمثل عائقاً أمام تحركات مقاتليه من وإلى سورية.

4- اقتصاد «المقاومة»

يسعى الحزب للاحتذاء بنموذج إيران «اقتصاد المقاومة»، والذي يقوم على فكرة الاكتفاء الذاتي وتقليص انكشاف الدولة على الخارج، وفي هذا الإطار طالب الحزب بأن تكون إجراءات الإصلاح من داخل الدولة بواسطة السواعد الوطنية، والتي حصرها في البنوك التي يمكن أن تقدم قروضاً للحكومة، خصوصاً مع اقتراب آجال استحقاق سندات «اليوربوند»، التي تبلغ قيمتها 1.2 مليار دولار، في 9 مارس الجاري. وتشهد الساحة اللبنانية في الوقت الحالي جدلاً متصاعداً، حول الآليات التي يمكن الاستناد إليها في التعامل مع الاستحقاقات المالية التي اقترب موعدها.

5- فك الارتباط

يستهدف الحزب تقليص العلاقات اللبنانية - الأميركية إلى أدنى حد لها، سواء عبر تخفيض مستوى العلاقات الثنائية، أو عن طريق رفض التعامل مع المؤسسات الاقتصادية الدولية، التي تمارس فيها واشنطن دوراً بارزاً. ولا ينفصل ذلك، دون شك، عن تصاعد حدة الضغوط التي تفرضها الأخيرة على الحزب في سياق تصعيدها المتواصل مع إيران، حول البرنامجين النووي والصاروخي والدور الإقليمي.

خطاب مزدوج

رغم أن الحزب لايزال مصراً على التمسك بموقفه الرافض لتطبيق برنامج صندوق النقد الدولي، داعياً إلى حصر دور الأخير في النطاق الاستشاري، فإنه سعى إلى استغلال هذا الملف في توجيه رسائل عدة للداخل، بهدف تحقيق مكاسب سياسية، حيث تضمن الخطاب الإعلامي الذي يصدّره الحزب للرأي العام زوايا عدة، على رأسها التحذير من تهديد الصندوق للسيادة الوطنية والاقتصاد، والهجوم على خصومه السياسيين عبر اتهامهم بـ«تأييد التدخل الأجنبي في لبنان»، بالتوازي مع تحميل الحكومات السابقة المسؤولية عن تفاقم الأزمة الاقتصادية، وترويج أن المعارضة السياسية (قوى 14 آذار)، تستهدف الحفاظ على مصالحها الاقتصادية والسياسية، عبر دعم خطط الصندوق.

وقد سارعت تلك القوى إلى الرد على هذا الخطاب، على نحو بدا جلياً في تصريحات رئيس حزب «القوات اللبنانية»، سمير جعجع، في 3 مارس الجاري، والتي قال فيها: «الشيخ نعيم قاسم اعتبر أن صندوق النقد الدولي هو (الشيطان الرجيم) ووصفه بالإمبريالية. فليأتِ الشيخ نعيم إذن بشيطان غير رجيم لإنقاذ الوضع في لبنان. الواقع اليوم لا يحتاج لهذه الأيديولوجيات».


ضغوط قوية

يمكن القول إن السياسة الحذرة، التي يتبناها الحزب إزاء المعطيات التي يمكن أن يفرضها رفع مستوى التعاون مع صندوق النقد الدولي، في مواجهة الأزمة الاقتصادية الداخلية المتفاقمة، تعكس حجم الضغوط القوية التي يتعرض لها في الوقت الحالي، نتيجة التداعيات التي فرضها انخراطه في الأزمة السورية بشكل واسع، وتماهيه مع الخطاب العام لإيران، التي تواجه بدورها أزمات عدة على جبهات مختلفة.

يستهدف الحزب تقليص العلاقات اللبنانية - الأميركية إلى أدنى حد لها، سواء عبر تخفيض مستوى العلاقات الثنائية، أو عن طريق رفض التعامل مع المؤسسات الاقتصادية الدولية، التي تمارس فيها واشنطن دوراً بارزاً.

طباعة