الخلافات الداخلية تصب في مصلحة «طالبان»

    الحكومة الأفغانية تعاني أزمة ثقة وانقسامات حادة

    صورة

    تثبت الحكومة الأفغانية، مراراً وتكراراً، أنها أسوأ عدو لنفسها، حيث رفض المدير التنفيذي لحكومة الوحدة الأفغانية، عبدالله عبدالله، نتائج الانتخابات الأخيرة، التي أعطت للرئيس أشرف غني هامش انتصار بسيطاً، وأعلن أنه سيعمل على تشكيل «حكومته الشاملة».

    ويشعر العديد من الأفغان بالقلق من أن الخلاف على هذه الانتخابات يصب في مصلحة متمردي «طالبان». ورفضت «طالبان» الاعتراف بشرعية الحكومة الحالية في كابول، واعتبرتها «حكومة دمية»، ورفضت التفاوض معها، ووافقت على التفاوض مع مجموعات أفغانية أخرى داخل البلاد، حسب ما ذكره وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو.

    وما يؤسف له، أنه حتى وقت قريب كانت الحكومة هي التي وصفت «طالبان» بأنها حركة غير موحدة، لذلك فإنها غير قادرة على التفاوض معها. لكن يبدو أن كابول الآن هي التي أصبحت أكثر انقساماً من ذي قبل. وقال الأستاذ في جامعة كابول، منير أحمد نيازي لزميلي عبدالرحمن لاكانوال، وهو صحافي يقيم في العاصمة كابول: «بدلاً من محاربة بعضهم بعضاً، عليهم أن يجدوا حلاً. والمشكلات الداخلية بين هؤلاء السياسيين تؤثر فينا جميعاً. وهم يؤثرون بصورة سلبية في جميع الأفغان، وعليهم أن يتوقفوا عن ذلك. نحن بحاجة إلى حكومة تمثل جميع سكان الدولة».

    وخلال الأيام القليلة الماضية، رفض عبدالله مزاعم الفوز من قبل غني، ومنع المسؤولين عن الانتخابات من السفر إلى خارج الدولة، وعين مسؤولين وحكاماً في مقاطعتين بشمال الدولة، هما: «ساريبول، وجوزجان»، وقال عبدالله: «فريقنا هو الفائز في هذه الانتخابات لو أنها كانت نزيهة، ونحن أعلنا انتصارنا وتشكيل حكومة شاملة». ووصف نتيجة الانتخابات بأنها «خيانة وطنية»، و«غير شرعية»، و«انقلاب على الديمقراطية». وذكرت تقارير أن عبدالله مستعد الآن أن يحلف القسم كرئيس حكومة موازية.

    ويحظى عبدالله بدعم من شخصيات سياسية، مثل عبدالرشيد دستم، أحد أمراء الحرب، والذي كان إلى وقت قريب نائب الرئيس غني (على الرغم من أنه ليست لديه أي سلطة حقيقية، حتى إنه غادر الدولة بعد اتهامه بالاغتصاب)، لكن قبل نشر نتائج الانتخابات، انتقد دستم الحكومة بخطاب ادعى فيه أنه لن يقبل أي «نتائج خادعة».

    ووسط الاضطرابات التي تعانيها الحكومة، يجري الحديث عن القيام بمفاوضات بين جميع الفرقاء السياسيين الأفغان. أو على الأقل هذا ما تدعو إليه «طالبان»، وهذا ما يثير قلق العديد من الأفغان. وقال الطبيب محمد حنيف، المقيم في كابول: «ما يبعث على الأسف أن بعض الأفغان غير راضين عن نتائج الانتخابات. وأنا أتفهم هذا، لكن الكثير منهم يبحثون عن مصالحهم الشخصية. ونحن كشعب أفغاني يجب أن نتكاتف لمواجهة أعدائنا برؤوسنا المرفوعة. وأعداؤنا هم من سيستفيدون من هذه الأزمة».

    أزمة شرعية

    وتبدو أزمة الشرعية متكررة دائماً. وهذه ثالثة انتخابات رئاسية متعاقبة، يرفض عبدالله قبولها، ويتهم خصمه بأنه مخادع. وفي عام 2009، خسر عبدالله ضد الرئيس السابق حميد كرزاي. وفي عام 2014، خسر أمام أشرف غني بعد إجراء جولة ثانية من الانتخابات. وفي نهاية المطاف، تعين على وزير الخارجية الأميركي في حينها، جون كيري، التدخل شخصياً مرات عدة لإصلاح ما بين الخصمين. وحتى يومنا هذا، يعتقد العديد من منتقدي الحكومة أن قرار كيري هو الذي جعل غني رئيساً، وليست أصوات الناخبين الأفغان.

    ويبدو أن خليل زاده يأخذ دور كيري في الوقت الحالي، فبعد وصول المبعوث الأميركي إلى كابول التقى العديد من أعضاء حكومة الطرفين، وكان مشغولاً جداً بإنجاز ما وصفه بعض المراقبين بأنه «عملية سلام ثانية»، وذكرت وكالة رويترز للأنباء، بدورها، أن خليل زاده طلب من غني تأجيل حفل تنصيبه المزمع كرئيس لفترة ثانية مدتها خمس سنوات، بسبب هذا النزاع مع عبدالله، لكن مع شعور الشعب الأفغاني بقلق شديد من إمكانية سيطرة «طالبان» على الدولة مرة ثانية، يواجه عبدالله انتقادات متزايدة. وقال الموظف الحكومي في كابول، أحمد فواد: «لا أقبل بما يفعله عبدالله، وأعتقد أن ذلك منافٍ للقانون. وعبدالله لا يستطيع تعيين موظفين وتشكيل حكومة خاصة به. وهو حتى لا يمتلك ميزانية لذلك». ويشاطره آخرون هذا الرأي، حيث قال الناشط المدني الأفغاني محمد كريم: «يجب على جميع المرشحين قبول النتيجة. ويجب عدم تقويض جهود السلام الحالية».

    اختلاف الأعراق

    ويرجع هذا الخلاف على الانتخابات، من ناحية، إلى اختلاف الأعراق التي ينتمي إليها الرجلان. فبينما غني يعتبر مرشحاً مفضلاً للأغلبية من عرقية الباشتون، إلا أن عبدالله ينظر إليه باعتباره أول خيار بالنسبة لمن هم من غير الباشتون، مثل: الطاجيك، والأوزبك، والآخرين. وفي لحظات معينة، كان المرشحان يصوران نفسيهما بأنهما يتعاليان على موضوع العرقية، إلا أنهما يستغلان المجموعة العرقية التي ينتمي كل واحد منهما إليها، عندما يعتقدان أن ذلك يمكن أن ينطوي على فوائد لهما.

    وعلى سبيل المثال، فإن عبدالله من عرقية باشتون الطاجيك، لهذا فإنه يقدم نفسه في مناطق الطاجيك مثل منطقة بانشير، باعتباره طاجيكياً، أما في مناطق الباشتون مثل قندهار، ووالده منها، فإنه يقدم نفسه باعتباره من الباشتون. أما غني فهو من الباشتون، وقد لعب بورقة الباشتون صراحة، في انتخابات عام 2014، عندما أضاف اسم عشيرته إلى اسمه «أحمد زاي»، ثم ألغى هذا الاسم عندما حقق الفوز.

    عمران فيروز صحافي باكستاني مستقل


    المتاعب

    في الوقت الذي يقوم فيه عبدالله بخطوته لإنشاء حكومته الخاصة به، تبدأ المتاعب السياسية بالغليان، خصوصاً في منطقة خوست، التي تقع في الجنوب الشرقي من أفغانستان، والقريبة من الحدود مع باكستان، ويسكن فيها أغلبية الباشتون. ووفق الأرقام الرسمية من لجنة الانتخابات المستقلة في أفغانستان، فإن الأغلبية العظمى من الناخبين في خوست، أي 96%، انتخبوا غني. والعديد منهم لا يحبون عبدالله، وفق الصحافي المحلي محمد زمان، الذي قال: «الكثير من الناس هنا يرحبون بإعلان نتائج الانتخابات. ونحن بحاجة إلى المضي قدماً. أما الذين خسروا هذه الانتخابات فيجب عليهم التوقف عن الشكوى».

    ومع ذلك، فإن مراقبي الانتخابات يقولون إن عبدالله ربما على حق، إذ ثمة سبب وجيه للتساؤل بشأن النتائج الرسمية للانتخابات. وقال مدير برنامج دراسة الثقافة والصراع في مدرسة الدراسات العليا بمونتيري، بولاية كاليفورنيا، توماس جونسون: «ثمة أدلة قوية على أن لجنة الانتخابات المستقلة والحكومة كانتا تتشاركان قمع الناخبين. ووفق جونسون، الذي سينشر تقريراً مفصلاً عن «خداع غني» حسب وصفه، فإن جزءاً كبيراً من عمليات الانتخابات كان لصالح غني. وقال جونسون: «يشير تقييم لمواقع الاقتراع بأنه تم إغلاق أماكن انتخاب في المناطق التي تنتخب عبدالله، واعتمدت نتيجة انتخابات عام 2014 في هذه الأماكن، وهذا يعني قمع نحو 200 ألف ناخب، وهذا يوحي بأن الحرمان الصريح لأنصار عبدالله من الإدلاء بأصواتهم كان مخططاً له، ومحسوباً جيداً قبل بدء الانتخابات».

    ويقول جونسون، والعديد من الناخبين، إن العملية الانتخابية بحاجة إلى فحص وتمحيص. وخلال فترة الانتخابات، كان يوجد في أفغانستان 9.7 ملايين ناخب وفق لجنة الانتخابات المستقلة، لكن 1.9 مليون فقط منهم، أي 20%، أدلوا بأصواتهم، وإن نحو 100 ألف من الناخبين المسجلين أي نحو 1%، كانوا غير قانونيين.

    واستناداً إلى هذه الأسباب التي ذكرت وغيرها، فإن حركة طالبان يمكن أن تجد نفسها تقف على أرضية أكثر صلابة من ما اعتقده الأميركيون، عندما أصرت الحركة على لقاء ممثلين آخرين غير المسؤولين الحكوميين.

    تبدو أزمة الشرعية متكررة دائماً. وهذه ثالثة انتخابات رئاسية متعاقبة، يرفض عبدالله قبولها، ويتهم خصمه بأنه مخادع. وفي عام 2009، خسر عبدالله ضد الرئيس السابق حميد كرزاي. وفي عام 2014، خسر أمام أشرف غني بعد إجراء جولة ثانية من الانتخابات.

    طباعة