نتيجة لفقدان الثقة بها من قبل حلفائها

    أميركا وحيدة في حربها البـــاردة ضد الصين

    صورة

    خلال التنافس بين الولايات المتحدة والصين حول من سيقود العالم في القرن المقبل، تعمل أميركا من أجل الفوز، ولكنها تتجه نحو مشكلة عويصة. وعلى الرغم من الشبكة الدولية من الحلفاء التي أنشأتها واشنطن، إلا أنها لم تكن قادرة على إقناع هؤلاء الحلفاء بالمشاركة في هذه المنافسة حول القوى العظمى، وترك الصين خلفهم.

    صعوبة الإقناع

    ويدرك المسؤولون الأميركيون مدى ضخامة التحدي المتمثل في إقناع الدول الصديقة لأميركا بأنها لاتزال شريكاً موثوقاً به، وقادراً على تزويدها بالبدائل المقبولة لما تقدمه الصين، وأن مكافآت التقرب من واشنطن تفوق المخاطر الناجمة عن إثارة غضب بكين، ويرجع ذلك من ناحية إلى الرسائل المختلطة التي يرسلها الرئيس الأميركي دونالد ترامب نفسه، فهو يتسم بسمعة مفادها أنه غير موثوق بالتزامه بحلفائه، وهو يعرب عن إعجابه الشديد بالرئيس الصيني شي جينبينغ، على الرغم من الحرب التجارية بينهما. وكانت نتائج هذه الشكوك واضحة بصورة خاصة خلال الأسابيع القليلة الماضية، عندما قامت دولتان، الأولى المملكة المتحدة، إحدى أهم حلفاء واشنطن، والثانية الفلبين، وهي من أكثر دول العالم دعماً للولايات المتحدة، برفض الانجرار وراء واشنطن، وأعلنتا صراحة «نحن بخير، شكراً لك».

    ومن خلال عدم اتباعهما لقيادة الولايات المتحدة، تكون هاتان الدولتان قد قدمتا سابقة في كيفية تصرف الدول التي تقع بين قوتين عظميين في المستقبل، وهما توضحان أن العلاقات الدولية أصبحت الآن أكثر تشابكاً من أي وقت مضى، وأن جاذبية القوة الصينية تمنع هذه الدول من الانخراط في ائتلاف تقوده الولايات المتحدة، والدخول في عالم يقوده قطبان على شاكلة الحرب الباردة. وإذا كانت الولايات المتحدة تنوي إعادة هيكلة العالم، فمن المرجح أن تجد نفسها معزولة إلى حد كبير، ولكنها إذا لم تكن تنوي أن تصبح معزولة، فعليها تطوير بدائل جذابة للحلفاء كي يلتزموا بها بدلاً من الصين.

    وكانت الحركة التي تعارض الحرب الباردة بين الصين والولايات المتحدة قد تعززت في أواخر يناير الماضي، عندما أعلن رئيس الحكومة البريطاني، بوريس جونسون، أن المملكة المتحدة ستسمح لشركة الاتصالات الصينية «هواوي» بتزويد بريطانيا بالتجهيزات من الجيل المقبل لشبكة الهواتف النقالة «5 جي».

    صفعة

    وكان ذلك بمثابة الصفعة في وجه المسؤولين الأميركيين، الذين أمضوا أشهراً عدة في الضغط على نظرائهم البريطانيين بهدف منع «هواوي»، بسبب مخاطر أمنية مزعومة حول علاقات الشركة مع الحكومة الصينية. وذهبت إدارة ترامب بعيداً لمنع «هواوي»، لدرجة أنها أرسلت معلومات استخباراتية إلى المملكة المتحدة، مفادها أن «هواوي» يمكن أن تتجسس على شبكات الدول الأجنبية، وهي مزاعم رفضتها الشركة.

    وفي نهاية المطاف، اختارت المملكة المتحدة أن تقسم الخلاف بين الصين والولايات المتحدة. وقالت الحكومة البريطانية إنها ستبعد تقنية «هواوي» عن الأجزاء الحساسة لشبكة «5 جي» الجديدة في الدولة، بيد أنها لن تسير على خطى الولايات المتحدة، وأستراليا، واليابان، في منع دخول شركة هواوي إلى الدولة.

    تشجيع الحلفاء

    ولكن حقيقة لجوء المملكة المتحدة، المعروف عنها تماماً أنها تتمتع بـ«علاقة خاصة» مع الولايات المتحدة، إلى مثل هذا الخيار أسهم في تشجيع الحلفاء الآخرين. وقام الاتحاد الأوروبي وفرنسا بالكشف سريعاً عن خطط مشابهة لبريطانيا، ويبدو أن ألمانيا سعيدة بفعل الأمر ذاته. وبلا شك فإن ثمة حلفاء آخرين، مثل الهند وكوريا الجنوبية، يراقبون المشهد، وبالنسبة لهذه الدول، فإن الفوائد المترتبة على التشارك مع «هواوي»، الشركة الطاغية في سوق «5 جي»، وهي الأرخص كلفة، تبدو واضحة تماماً. وكان جونسون قد قال: «من يعارض (هواوي) عليه أن يطرح البديل»

    واعترف المدعي العالم الأميركي، ويليام بار، بنقطة الضعف هذه في رسالة الولايات المتحدة إلى الحلفاء، واقترح على حكومة الولايات المتحدة أن تطرح «بديلاً جاهزاً في السوق» عن «هواوي»، ولكن بار اعترف أيضاً بأن شكاوى إدارة ترامب من «هواوي» هي أكثر من مجرد المخاطر الأمنية، إذ إنها ترقى إلى معركة بين القوى العظمى للسيطرة على العمود الفقري للاقتصاد الرقمي في المستقبل، حيث ثمة فرص جديدة متوافرة تقدر بتريليونات الدولارات، وهذا صحيح، ولكنه اعتراف من شأنه أن يعزز شكوك الحلفاء بأن موقف الولايات المتحدة لا يتعلق بالأمن، وإنما بحفاظ أميركا على قيادة التكنولوجيا في العالم.

    طرفا الأطلسي مختلفان

    وبناءً عليه، فإن طرفي المحيط الأطلسي مختلفان، وفي الوقت الذي أعلنت فيه إدارة ترامب أن الصين الصاعدة تشكل خطراً وجودياً على التفوق الأميركي، كتب زميلي في الصحيفة، توم ماكتاغ، يقول «يبدو أن حسابات لندن أوضحت لها أن الصين هي عبارة عن أرض معبدة بالذهب، وأنها لا تتحمل الابتعاد عنها».

    وهناك العديد من دول العالم عالقة بين الولايات المتحدة باعتبارها الحليف الأمني الرئيس، والصين باعتبارها شريكها التجاري الأول، وخلال الأسبوع الماضي بدأت هذه الدول، ومنها الفلبين، وهي أرض أميركية سابقة، بتخفيف تحالفها الأمني مع واشنطن، على الرغم من أنه مضت عليه عقود عدة.

    وقال الرئيس الفلبيني، رودريغو دوتيرتي، الذي ينتقد الولايات المتحدة منذ وصوله إلى السلطة عام 2016، إن حكومته ستقوم بإلغاء اتفاقية تنظم القوات الأميركية المشاركة في التدريبات العسكرية المشتركة في الفلبين، وربما أنه لايزال أمام هذه الأطراف طرق معينة لإنقاذ هذه الاتفاقية، قبل أن يصبح الإلغاء ساري المفعول بعد 180يوماً من الآن. وإذا لم يريدوا ذلك، فثمة عناصر أخرى من الحلف العسكري يمكن أن تستمر، مثل اتفاقية الدفاع المشترك.

    ولكن قرار دوتيرتي يشكل أكبر تهديد للتحالف منذ سنين، ويعرّض الجهود العسكرية الأميركية لردع العدوان الصيني في المنطقة للخطر. وقال الباحث الأميركي في مجال قارة آسيا، براد غلوسرمان، إن خطوة دوتيرتي ناجمة عن شكوكه بشأن التزام أميركا بالدفاع عن الفلبين، وقلقه من معاداة الصين الصاعدة. وفي الحقيقة، فقد ذكر قائد الجيش الفلبيني أن بلاده يمكن أن تنجز اتفاقات تعاون مع الصين، على الرغم من الخلافات على المواقع البحرية معها، وحتى لو كان كلام هذا القائد مجرد طعم لواشنطن، فقد نجح في ذلك، حيث أعلن وزير الدفاع الأميركي، مارك إسبر، أن حكومة دوتيرتي تتجه «نحو الاتجاه الخطأ»، ولكن ترامب أعرب عن سعادته عندما سمع ما قاله قائد الجيش، حيث قال «نعم هذا جيد، على الأقل فإن الفلبين ستوفر علينا الكثير من المال».

    شكوى مالية

    وهذه الشكوى المتعلقة بالمال قد اعتاد عليها الآن حلفاء أميركيا العسكريون، ولكنهم وصلوا إلى نتيجة مفادها أنه على الرغم مما يقوله مسؤولو الإدارة، إلا أن ترامب نفسه يفكر في التنافس مع الصين في الشروط الضيقة التي لا يضطر فيها إلى دفع الكثير من المال، بدلاً من الانخراط في منافسة عريضة تتعلق بالسياسة الجغرافية والاستراتيجية الصينية باعتبارها دولة عظمى.

    واشنطن تائهة

    وتبدو إدارة ترامب تائهة بين الحافز لاستعادة استثمارات أميركا في الخارج، والتفوق على الصين التي تزيد من استثماراتها في الخارج، وفي الوقت الذي تستثمر فيه الصين نحو تريليون دولار في مشروعات البنية التحتية لمشروع «الحزام والطريق»، الذي يمتد بين أوروبا وآسيا، أوصت إدارة ترامب بتخصيص مبلغ 800 مليون دولار لتأمين بديل عن «المبالغ المهولة التي تقرضها الصين لشتى دول العالم»، وبصورة مماثلة، فإن وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو يقوم برحلة إلى السنغال وإثيوبيا وأنغولا لتعزيز مصالح أميركا «في التجارة والاستثمارات المتزايدة كثيراً» في هذه الدول والدول الإفريقية الأخرى، ولكن هذه الدول الثلاث تربطها علاقات متينة مع الصين، التي تزيد استثماراتها الاقتصادية في المنطقة كثيراً على استثمارات الولايات المتحدة.

    عزوف الحلفاء

    بصورة عامة، فإن الحلفاء غير ميالين إلى الوقوف إلى جانب الولايات المتحدة الآن، بعد أن شهدوا أن المبادرات الرئيسة للسياسة الخارجية ليس من المرجح إن تستمر من إدارة إلى التي تليها. ويعتقد معظم السياسيين في واشنطن أن القرن الـ21 ستكون سمته الطاغية هي التنافس بين الصين الصاعدة والولايات المتحدة. وخلال زيارته الأخيرة إلى لندن، وصف وزير الخارجية الأميركي، بومبيو، الحزب الشيوعي الصيني بأنه «التهديد الأساسي في زماننا».

    وفي تقرير جديد حول السياسة الأميركية عن الصين، أشار «مركز الأمن الجديد» إلى أنه، بينما معظم شركاء الولايات المتحدة يرفضون عموماً أن يكونوا جزءاً من النظام العالمي الجديد الذي تقوده الصين الشمولية، إلا أنهم لا يستطيعون تجاهل بكين «كفرص اقتصادية كبيرة وحقيقة جغرافية». وأوصى كاتب التقرير بأنه يتعين على أي استراتيجية أميركية أن تعترف بذلك. وجاءت التوصية على شكل تحذير يقول «أي محاولات لإنشاء أي حلف معادٍ للصين سيكون مصيرها الفشل»، وفي اليوم التالي لنشر هذا التقرير، أعلنت المملكة المتحدة قرارها بشأن شركة «هواوي».

    يوري فريدمان : كاتب في صحيفة «ذي أتلانتك»


    - يدرك المسؤولون الأميركيون مدى ضخامة التحدي المتمثل في إقناع الدول الصديقة لأميركا بأنها لاتزال شريكاً موثوقاً به، وقادراً على تزويدها بالبدائل المقبولة لما تقدمه الصين، وأن مكافآت التقرب من واشنطن تفوق المخاطر الناجمة عن إثارة غضب بكين.

    - إدارة ترامب تائهة بين الحافز لاستعادة استثمارات أميركا في الخارج، والتفوق على الصين التي تزيد من استثماراتها في الخارج.

    طباعة