لم يكترث بالنصائح التي قدمت إليه

    كوشنر صنع خطة السلام في الشرق الأوسط على طريقته الخاصة

    صورة

    بعد إعلان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، عن «صفقة القرن» التي طال انتظارها، تحدث زوج ابنته ومستشاره جاريد كوشنر، مباشرة مع مراسلة «محطة سي إن إن» كريستين إمانبور، وقال لها إن بعض الانتقادات للجهود التي قام بها، جاءت من مسؤولين في الوساطة بين الفلسطينيين والإسرائيليين حاولوا سابقاً صنع الحل، ولكنهم فشلوا في حل الصراع بين الطرفين.

    ولكوني عملت في هذا الموضوع الشائك جداً لنحو عقدين من الزمن في إدارات أميركية سواء من الديمقراطيين أو الجمهوريين، ونظراً إلى أني بذلت كل ما بوسعي لانتقاد ما اعتقدت أن من أنجزوا خطة السلام غير مؤهلين لذلك، ليس لدي أدنى شك في أن الذين ذكرهم كوشنر أنا أحدهم. ومع ذلك فإني لا أنسى أن أذكر بأن كوشنر، ومنذ تسلمه منصبه كمبعوث الرئيس للسلام في الشرق الأوسط، قد طلب نصيحتي إضافة إلى آخرين.

    4 دروس

    وما تلا ذلك هي أهم أربعة دروس أقدمها. وكونه لم يكترث بنصيحتي، لم يكن مفاجئاً أبداً بالنسبة لي الموقف من خطته. وفي نهاية المطاف، لقد كنت صانع سلام فاشلاً، وقد أوضح ذلك تماماً في أول حديثه مع المراسلة إمانبور، وكان مصمماً على التعامل مع الموضوع بصورة مختلفة تماماً عما سبقه. ولقد أخذت فرصتي في ظل عدد من الرؤساء الأميركيين الديمقراطيين والجمهوريين. والآن جاء دوره.

    ولكني أعتقد أن رسالتي الأساسية لم تصل بعد. وتم تقديم عملي بأنه فشل وبطريقة تهدف إلى منع ظهوره مرة أخرى. وأنا لست من المعجبين بالرئيس ترامب، ولكني أبلغت كوشنر أنه إذا حقق النجاح فسأكون أول من يحتفل له، وإذا فشل في تقديم أي شيء يتسم بالصدقية، فإنه يمكنه الاعتماد علي لأتحدث عن ذلك. وفي ما يلي ما قلته لكوشنر:

    1- مهمة مستحيلة:

    المرة الأولى التي التقيت فيها كوشنر، قلت ساخراً: أتمنى لو أن والد زوجتي، يكنُّ لي الثقة التي يحملها له والد زوجته، لأنه منحه مهمة مستحيلة. وبالنظر إلى الخلافات الكبيرة بين الإسرائيليين والفلسطينيين في جميع القضايا الأساسية، خصوصاً القدس والحدود، وعمق انعدام الثقة بين رئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الفلسطيني محمود عباس، والخلافات السياسية لدى الطرفين، فإن احتمالات نجاح خطة كبيرة تعتبر غير واردة تقريباً.

    وقال إن والد زوجته أراد خطة سلام ضخمة، فأجبته بأن ذلك رائع. ولكن عليك أن تكون حذراً. فإذا لم يحترم القضايا المطروحة، وفضل أحد الأطراف على الآخر بصورة صارخة، فإنه سيجعل الأمور أسوأ مما كانت عليه.

    2- لا تتجاهل الماضي:

    نصحته بعدم تجاهل التاريخ، واقتبست له قولاً للكاتب الأميركي ويليام فوكنر: «الماضي لا يموت أبداً. حتى إنه لا يتحول إلى ماضٍ»، وهو مأخوذ من رواية «القديس والراهبة»، وأوضحت له أن ذلك ينطبق إلى حد كبير على الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. وإذا كانت هناك قضية حيث يكون فيها الماضي هو المستهل والبداية، فإن هذه هي القضية المثالية لذلك. وبدلاً من تجاهل ما حدث سابقاً، خصوصاً في ما يتعلق بالمكان الذي كان فيه الطرفان، نصحته بدراسة المسألة بصورة متأنية، وعلى نحو يساعد على صنع نوع مختلف من المستقبل لهما. ولم يكن من الضروري بالنسبة له أن يورط نفسه بالتاريخ، ولكنه لا يستطيع تجاهله. وأبلغته إنك إذا لم تعرف أين كنت، فإن فرص معرفة أين يمكنك الذهاب قليلة جداً. وليس من الضروري أن يكون التاريخ عبارة عن سجن. ولكن لا يمكنك التظاهر بأنه غير موجود تماماً. ولكن كان يبدو لي أنه سيقوم بالأمور بصورة مختلفة أي بطريقته الخاصة.

    3- لا تكن المحامي عن إسرائيل:

    أبلغته بأني أخذت هذه العبارة (لا تكن المحامي عن إسرائيل) من مذكرات وزير الخارجية الأميركي السابق هنري كيسنجر، وهو يقولها لوزير الخارجية الأميركي السابق جيمس بيكر، الذي أحبها وعاشها عندما حضر مؤتمر مدريد للسلام عام 1991. وهذا لا يعني أن الولايات المتحدة ليست هي أقرب حليف لإسرائيل. وفي الحقيقة إن بيكر أقام صداقة جيدة مع رئيس الحكومة الإسرائيلية في حينها، إسحق شامير، على الرغم من التوترات.

    وأوضحت أن زبون كوشنر ليس إسرائيل ولا الفلسطينيين، وإنما اتفاق السلام. ولهذا عليك حض الطرفين على الاتفاق، وإلا فإنك لن تنجح مطلقاً. وقال كوشنر إنه سيوصل نتنياهو إلى حالة يكون من المستحيل عليه فيها أن يقول لا لترامب، عن طريق الإيضاح له أن الولايات المتحدة هي الداعم الأساسي لإسرائيل. وأجبته بأن ذلك جيد، ولكن إذا كان يصب العسل لإسرائيل والخردل للفلسطينيين، فإن فرصة التوصل إلى اتفاق ستكون صفراً.

    4- ما النجاح؟

    في نهاية المطاف، سألني كوشنر كيف سأحكم على النجاح؟ فأجبته أني سأكون سعيداً في اليوم التالي لظهور خطة السلام، حيث سيقول الإسرائيليون، والفلسطينيون، والعرب والأوروبيون، والمجتمع الدولي برمته: «في الحقيقة توجد أشياء هنا لا نحبها. ولكن علينا أن نمنح إدارة ترامب الفضل لهذه الخطة، لأنها عملت بجد وأمانة في هذه القضايا، وتوصلت إلى اتفاق إطار من أجل التفاوض والذي يمكن أن يفضي إلى الاتفاق». وإذا كانت هذه ردة فعل العالم، فإن كوشنر يكون قد حقق نصراً هائلاً. وفي الحقيقة إن آخر شيء تحتاج إليه الولايات المتحدة هو خطة سلام أخرى فاشلة.

    والمحزن في الأمر أن لدينا الآن خطة فاشلة، وسيصبح الأمر أسوأ من الفشل إذا أعطت واشنطن الضوء الأخطر لإسرائيل، كي تقوم بضم وادي الأردن ومعظم المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية. لكن حتى لو أن حكومة نتنياهو لم تتصرف بهذه الطريقة، فإن الاتفاقية تميل لتحقيق حاجات إسرائيل ومتطلباتها، وضد مصالح الفلسطينيين في بناء الدولة والقدس. وببساطة فإن الخطة لا تشكل أساساً من أجل مفاوضات جدية، ناهيك عن التوصل إلى اتفاق.

    لكن مرة أخرى من المرجح، في لحظة معينة، وبعد منحه مسؤولية حل المشكلة التي أدرك أنه عاجز عن حلها، فإن حسابات كوشنر يمكن أن تتغير إلى مقياس آخر من أجل النجاح.

    أرون ديفيد ميللر - باحث في معهد كارنيجي الدولي للسلام

    • لدينا الآن خطة فاشلة، وسيصبح الأمر أسوأ من الفشل، إذا أعطت واشنطن الضوء الأخطر لإسرائيل، كي تقوم بضم وادي الأردن، ومعظم المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية. ولكن حتى لو أن حكومة نتنياهو الحالية لم تتصرف بهذه الطريقة، فإن مواد هذه الاتفاقية تميل بشدة نحو تحقيق حاجات إسرائيل ومتطلباتها.

    • ليس من الضروري أن يكون التاريخ عبارة عن سجن.. لكن لا يمكن التظاهر بأنه غير موجود تماماً.

    طباعة