الحركة تستغل ضعف الحكومات المركزية المتعاقبة

    «الشباب الصومالية» لاتزال تُشكل خطراً كبيراً في نهاية عقد دموي

    صورة

    الصومال دولة تقع في جزء أساسي من القرن الإفريقي ذي الأهمية الاستراتيجية الدولية البالغة، وهو القرن الذي طالما انفرد الاستعمار الغربي باحتكار مواقعه وثرواته ومراكزه الحاكمة.

    وهو أيضاً القرن الذي يطل مباشرة على حقول إنتاج البترول الضخمة في الجزيرة العربية والخليج، كما يطل في الوقت نفسه على خطوط نقله ومروره إلى الغرب الصناعي، سواء عبر خليج عدن إلى مضيق باب المندب فالبحر الأحمر والبحر المتوسط متدفقاً إلى أوروبا وأميركا، أو عبر بحر العرب فالمحيط الهندي عبر قناة موزمبيق، إلى رأس الرجاء الصالح فالمحيط الأطلنطي حيث أوروبا وأميركا.

    وُصِفَتْ الحرب الأهلية الصومالية بأنها واحدة من أسوأ الحروب الأهلية والصراعات الداخلية في القارة الإفريقية، وقد تتعدد العوامل التي أدَّت إلى الحرب الأهلية، ومنها ما هو داخلي وآخر خارحي.

    وعلى الرغم من أن الصومال یتمتَّع بوحدة عِرقیة ودینیة ولغویة شِبْه كاملة، فهو یعاني انقسامات حادة، حیث أسهمت بعض القبائل في تمزیق الصومال. تدهور الاقتصاد الصومالي، وتدهورت المؤسسات التنموية والإنتاجية، بسبب سوء الإدارة، ما أدَّى إلى انتشار الرشوة والتزوير والتزييف، بسبب المشكلات الاقتصادية التي عمَّت أرجاء الصومال، بسبب ما كان عليه النظام من حالة حرب في الداخل مع الجبهات المختلفة، وفي الخارج مع إثيوبيا، ولذا صارت أجور الموظفين لا تسدّ حاجاتهم اليومية، ما جعل كل واحد منهم يلجأ إلى وسائل أخرى للتكسب.

    الحرب الأهلية الصومالية من أطول الحروب الأهلية؛ حيث بدأت في عام 1991 في العاصمة الصومالية، وقبل ذلك بالمناطق الحدودية في البلاد.

    عقد من الخسائر

    واجهت حركة الشباب خلال العقد المنصرم خسارة أراض كانت تسيطر عليها، وفرار عدد من عناصرها وضربات جوية أميركية، لكنها لاتزال رغم ذلك تُشكل خطراً كبيراً في ظل ضعف السلطة المركزية الصومالية، في رأي محللين.

    يقول مات برايدن مدير مركز «ساهان» ومقره نيروبي: «السمة الحقيقية لحركة الشباب هي قدرتها على الاستمرار»، مضيفاً «لقد قتل قادة في الحركة في ضربات بطائرات مسيرة، ومداهمات لقوات الكوماندوس، كما قتل العديد من صانعي القنابل، ومع ذلك تواصل الحركة شن حرب تقليدية وحرب عصابات، وبناء القنابل، وتأسيس بنية تحتية مالية وإدارية سرية وفعالة».

    وقال برايدن إن قدرة الحركة التابعة لتنظيم «القاعدة» على إلحاق خسائر جسيمة في الصومال ومناطق أخرى بالمنطقة، تبرز هشاشة الحكومة المركزية الغارقة في الخلافات، والتي تركز على البقاء في السلطة، أكثر من تركيزها على محاربة الإسلاميين.

    تقلبات

    في بداية العقد الجاري، كانت حركة الشباب في ذروتها، فقد سيطرت على مراكز حضرية كبيرة من بينها أجزاء من مقديشو، بينما كانت الحكومة المدعومة دولياً لا تسيطر إلا على جزء صغير من أراضي العاصمة.

    ودخلت الصومال في فوضى بعد الإطاحة بنظام الرئيس سياد بري العسكري في 1991، ما أدى إلى مجاعة وعقود من حروب القبائل الفوضوية.

    انبثقت حركة الشباب من جناح الشباب في اتحاد المحاكم الإسلامية المنافس للحكومة المدعومة دولياً. وتأسس الاتحاد في 2004 وسيطر لفترة قصيرة على أجزاء كبيرة من الصومال.

    ولكن في النصف الثاني من 2011، بدأت قوة الحركة تتضاءل بعد أن أخرجتها قوة حفظ السلام التابعة للاتحاد الإفريقي (أميسوم) من آخر معاقلها في مقديشو.

    ومنذ ذلك الحين، اضطر مقاتلو الحركة إلى التخلي عن معظم معاقلهم، لكنهم مازالوا يسيطرون على المناطق الريفية الشاسعة وحافظوا على وجودهم في المراكز الحضرية من خلال شبكة استخبارات واسعة النطاق.

    وقال خبير شؤون القرن الإفريقي بمجموعة الأزمات الدولية موريتي موتيغا، لوكالة فرانس برس «لقد كسبوا الدعم من خلال التخيير أو الإجبار، لديهم إمدادات ثابتة من التمويل من خلال شبكة من الضرائب والابتزاز».

    وجاء في تقرير لفريق خبراء تابع للأمم المتحدة في نوفمبر، أن نظام الضرائب على طريقة (المافيا) للمجموعة، سمح للحركة بتوليد إيرادات حتى في المناطق التي لا تسيطر عليها، مثل ميناء مقديشو.

    وفي مؤشر على قدرة الحركة على التسلل إلى المؤسسات الحكومية، تبين أن انتحارية فجرت نفسها في المكاتب الحكومية في مقديشو في يوليو، ما أسفر عن مقتل رئيس بلدية المدينة، كانت موظفة تعمل تحت هوية مزوّرة.

    وتحول مقاتلو الحركة إلى تصنيع متفجرات محلياً. وكانت أكثر هجمات الحركة دموية في السنوات الأخيرة، مثل تفجير شاحنة مقديشو عام 2017 الذي خلف 512 قتيلاً.

    وتمكنت حركة الشباب أيضاً من توسيع شبكتها في المنطقة، خصوصاً في كينيا التي عانت هجمات عدة رداً على إرسالها قوات إلى الصومال في عام 2011.

    وفي يناير 2019، قُتل 21 شخصاً في حصار لأحد فنادق نيروبي الراقية، كان معظم منفذيه من نشطاء حركة الشباب المولودين في كينيا.

    حركة الشباب ليست أولوية الحكومة

    منذ انتهاء هجوم قوة حفظ السلام التابعة للاتحاد الإفريقي (أميسوم) في 2015، شهدت سيطرة الحركة على الأراضي ركوداً.

    وقال موتيغا، إن أحد أكبر الأخطاء التي ارتكبت في القتال ضد حركة الشباب هو أنه غالباً ما تم طردهم من القرى دون «خطة قابلة للتطبيق لما سيحدث لاحقاً».

    ومع مغادرة نحو 20 ألف جندي من قوات حفظ السلام التابعة للاتحاد الإفريقي المقررة في 2021، يقول المحللون إن الجيش الوطني ليس جاهزاً على الإطلاق، ربما بسبب قيام بريطانيا وتركيا والاتحاد الأوروبي بتنظيم برامج تدريب منفصلة للجيش.

    وقال برايدن «لا نرى أنه ستظهر قوة أمنية متماسكة يمكنها أن تواجه حركة الشباب، خصوصاً إذا انسحبت قوات الاتحاد الإفريقي». إلا أنه قال إن العقبة الرئيسة أمام قتال حركة الشباب هي أن ذلك لم يكن أولوية للحكومة المركزية.

    وبدلاً من ذلك دخلت الحكومة في خلافات سياسية مع حكومات الولايات، وركزت على السيطرة على الإدارات المحلية في مسعى لتعزيز فرصها في إعادة انتخابها في الانتخابات البرلمانية المقررة في 2020 والرئاسية في 2021.

    وقال برايدن إن عدداً أكبر من موارد الشرطة والجيش الوطني يتم نشرها حالياً لتأمين عملية انتخابية في منطقة غالمودغ الوسطى، بدلاً من نشرها في العمليات الهجومية ضد حركة الشباب.

    وأضاف «هذا يعني أن الحكومة التي تتلقى الأغلبية العظمى من الدعم والموارد الدولية لمحاربة الشباب، قد صنفت تلك المعركة في أفضل الأحوال على أنها أولوية ثانية».

    رسمياً، فإن الحكومة الصومالية هي حكومة انتقالية، نظراً إلى أن دستور البلاد لايزال غير مكتمل.

    وقال برايدن إن المفاوضات كانت قد بدأت في ظل الحكومات السابقة بشأن استكمال الدستور والاتفاق على هيكلية اتحاد البلاد، لكن الحكومة الحالية أوقفت المحادثات.

    ورغم زيادة الغارات الجوية الأميركية في عهد الرئيس دونالد ترامب، والتي أودت بحياة أكثر من 800 شخص منذ أبريل 2017، يعتقد المراقبون أن حركة الشباب ستستمر في إحداث الدمار بعد عام 2020.

    وقال موتيغا «يبدو أن حركة الشباب تختتم العقد وهي في وضع قوي، كما كانت قبل 10 سنوات».


    - أحد أكبر الأخطاء التي ارتكبت في القتال ضد حركة الشباب هو أنه غالباً ما تم طردهم من القرى، دون خطة قابلة للتطبيق لما سيحدث لاحقاً.

    - قدرة الحركة التابعة لـ«القاعدة» على إلحاق خسائر جسيمة في الصومال ومناطق أخرى بالمنطقة، تبرز هشاشة الحكومة المركزية الغارقة في الخلافات التي تركز على البقاء في السلطة، أكثر من محاربة الإسلاميين.

    - الصومال یعاني انقسامات حادة، رغم تمتعه بوحدة عِرقیة ودینیة ولغویة شبه كاملة.

    طباعة