بسبب قلة الخبرة أو الإهمال

    أخطاء الترجمة تقود لنتائج سياسية واقتصادية ونفسية كارثية وتزهق أرواحاً بريئة

    صورة

    أن تجيد التحدث بلغتين لا يعني ذلك أنك تستطيع أن تترجم منهما وإليهما بشكل سليم وسلس، لأن الترجمة نفسها تحتاج إلى مهارات خاصة يكتسبها المترجم المهني ويطورها على مدى حياته العملية من خلال تجاربه الخاصة في مهنته. ويمكن أن تكون أخطاء الترجمة مكلفة ومدمرة وقاتلة أيضاً في بعض الحالات، وتؤثر على مجالات حيوية مثل الطب والقانون والسياسة، وعلى الرغم من ذلك هناك ترجمات خاطئة لكنها طريفة في الوقت ذاته. وغالباً ما يعتقد البعض أن الترجمة سهلة للغاية بحيث يتم فقط استبدال كلمة مكان الأخرى بين اللغتين المراد الترجمة منهما وإليهما، إلا أن الترجمة في الحقيقة أكثر تعقيداً من ذلك بكثير، لأن العبارة الواحدة يمكن تأويلها إلى العديد من المعاني، أضف إلى ذلك أشياء مثل بناء الجملة والقواعد النحوية والعامية وأي فوارق لغوية، لذلك فإن احتمال الأخطاء كبير للغاية إن لم تتم مراعاة ذلك.

    عبارة «موكوساتسو» تقضي على أكثر من 70 ألف شخص

    وفي هذا السياق، كشفت وكالة الأمن القومي الأميركي عن وثيقة سرية تتضمن ما يعتقد أنه أسوأ ترجمة في التاريخ، والتي أدت إلى ضرب مدينة هيروشيما في اليابان بالقنبلة النووية في الحرب العالمية الثانية، وجاءت تفاصيل القصة على النحو التالي: في يوليو 1945 أرسلت دول الحلفاء في بوتسدام قبيل نهاية الحرب العالمية الثانية إنذاراً شديد اللهجة يدعو اليابان للاستسلام، وأرسلوا هذا الانذار مترجماً من اللغة الانجليزية إلى اليابانية، وانتظروا بفارغ الصبر الرد الياباني من رئيس الوزراء آنذاك، كانتارو سوزوكي، وطالب هذا الانذار باستسلام اليابان غير المشروط، وتضمنت المصطلحات بياناً مفاده أن أي إجابة سلبية من اليابان سينتج عنها «تدمير سريع ومطلق» لليابان.

    وفي مؤتمر صحافي في اليابان، ضغط الصحافيون على رئيس الوزراء في طوكيو من أجل التصريح بأي شيء عن القرار الذي ستتخذه اليابان، وبما أن الحكومة اليابانية لم تتوصل إلى أي قرار رسمي في الحال، لجأ سوزوكي للرد السياسي المعتاد، وهو «لا تعليق»، ويقصد الوزير بذلك أنه «يمتنع عن التعليقات في الوقت الحالي»، وعبر عن ذلك بكلمة «موكوساتسو»، والتي يمكن ترجمتها بطرق مختلفة، ولكن الكلمة نفسها مشتقة من المصطلح الياباني «الصمت».

    وكما يتضح من القاموس الياباني - الإنجليزي، يمكن أن يكون للكلمة العديد من المعاني الأخرى المختلفة تماماً عن تلك التي يقصدها سوزوكي، لكن الترجمة اليابانية إلى الإنجليزية نقلت معنى واحداً فقط، حيث ترجمت وكالات الأنباء ووسائل الإعلام والمترجمون عبارة سوزوكي بمعنى «التعامل بازدراء وصمت» أو «نتجاهل»، ما يفيد أن عبارة رئيس الوزراء تعني رفضاً قاطعاً للاستسلام، ولذلك اعتقد الأميركيون أنه لن تكون هناك نهاية دبلوماسية للحرب أبداً، وأبدوا انزعاجاً لما اعتبروه نبرة متعجرفة في رد رئيس الوزراء، وأبلغت وكالات الأنباء الدولية العالم بأن الحكومة اليابانية ترى أن الإنذار «لا يستحق التعليق عليه».

    تم إطلاق القنبلة الذرية على هيروشيما بعد 10 أيام من ذلك، ولهذا تسبب خطأ في الترجمة في مقتل أكثر من 70 ألف شخص على الفور ونحو 100 ألف آخرين نتيجة للدمار والإشعاع، وكل من ترجم كلمة «موكوساتسو» لم يضع في الاعتبار المعاني الأخرى للكلمة، وأنها قد تعني أيضاً «لا تعليق»، ولهذا تسبب المترجم في القضاء على أناس أبرياء، وحول مجرى التاريخ، ولم يجتهد أبداً للبحث عن معانٍ أخرى للعبارة الغامضة، ومع ذلك، هناك وجهات نظر أخرى تشير إلى أن رئيس الوزراء نفسه قصد استخدام هذا المصطلح الغامض لأغراض سياسية.

    أخطاء غاية في الحساسية

    في عام 2010، أجرت وكالة «فرانس برس» مقابلة صحافية مع الأمين العام للأمم المتحدة في ذلك الوقت، بان كي مون، حول الاستفتاء في جنوب السودان بشأن الوحدة مع الشمال أو الانفصال عنه، ونقلت الوكالة عنه قوله «إننا نسعى جاهدين لتجنب انفصال محتمل» لجنوب السودان عن شماله، ما جعل قادة جنوب السودان يتهمون الأمين العام بالتدخل في تقرير مصير جنوب السودان، وكتب رئيس جنوب السودان، سلفا كير، رسالة شديدة اللهجة للأمين العام، مشيراً إلى أن تعليقاته تلك تفرغ دور الأمم المتحدة من محتواه كضامنة لاتفاقية 2005 الخاصة بالسلام الشامل في السودان، والتي منحت جنوب السودان الحق في تقرير مصيره.

    والحقيقة هي أن كي مون أخبر الصحافيين بأنه يفضل السودان الموحد، قائلاً «إننا نسعى جاهدين لنجعل هذه الوحدة جذابة»، ويبدو أن «فرانس برس» ارتكبت خطأ في ترجمة عبارات كي مون من الإنجليزية إلى الفرنسية، وكررت الخطأ مرة أخرى عندما ترجمت العبارات نفسها من الفرنسية للإنجليزية دون الرجوع للنص الإنجليزي الأصلي.

    أخطاء طبية

    رفعت امرأة بريطانية دعوى قضائية على أحد المستشفيات الإسبانية بسبب الإهمال بعد أن قادت الترجمة إلى استئصال أحد ثدييها بلا مبرر. تقول تيريزا تاري، البالغة من العمر 49 عاماً، إنها تشعر بأن حياتها تحولت إلى جحيم بعد إجراء عملية جراحية لاستئصال ورم حميد بحجم كرة الغولف اعتقد الجراح أنه خبيث.

    وقالت تيريزا التي ظلت نفسيتها محطمة جراء الندوب والإحساس باليأس بعد العملية، إن المستشفى جعلها تعتقد أنها مصابة بورم خبيث في صدرها الأيمن وأن العملية كانت ضرورية، ولكن بعد أسابيع اكتشفت أن الورم لم يكن سرطانياً، ويزعم الأطباء في مستشفى «أبنتي إي لاجو» في كورونا أنهم أساءوا تفسير سجلاتها الطبية عندما دخلت للعلاج في عام 2007.

    وتدعي أن الأطباء اعتقدوا من خلال الترجمة السيئة أن والدتها وشقيقتها قد عانتا من سرطان الثدي، لكنها في الواقع لم يكن لديها تاريخ عائلي للسرطان، لذلك لم يكن من الضروري إزالة ثديها. وأضافت: «العملية تركتني محطمة تماماً، لقد دمرت ثقتي بالنفس، ولا يمكنني حتى النظر إلى نفسي في المرآة، ناهيك بترك شخص آخر يمسني». تيريزا نصف إسبانية لكنها نشأت في بريطانيا، وتتحدث اللغة الإسبانية بشكل محدود، وتقول إن المستشفى لم يوفر لها مترجماً.

    أخطاء محرجة للغاية

    أحست وزارة الخارجية الكورية الجنوبية بالحرج الشديد بعد أن اضطرت لسحب اتفاق بينها وبين الولايات المتحدة لأشهر عدة لتصحيحه بسبب الترجمة الخاطئة، فقد احتوت وثيقة الاتفاقية على عدد مذهل من الأخطاء بلغ 207 أخطاء، وشعر وزير التجارة الكوري الجنوبي بالخجل واضطر للاعتذار بسبب «عدم إيلائه اهتماماً كافياً وتفصيلياً»، لتلك الاتفاقية، لكن الإحراج الأكبر هو أن الحكومة اعترفت بأنها دفعت 27 ألف دولار إلى «أخصائي ترجمة» لمراجعة المعاهدة.


    كارتر والمترجمون البولنديون

    لم يستطع الرئيس الأميركي السابق جيمي كارتر إيصال رسالته بالشكل الذي كان يريده خلال زيارته لبولندا عام 1977، بسبب عدم كفاءة المترجمين الفوريين، ففي إحدى فقرات خطابه ذكر كارتر أنه غادر الولايات المتحدة هذا الصباح، إلا أن المترجم البولندي ترجمها للغة البولندية بمعنى «غادرت الولايات المتحدة ولن أعود أبداً»، ولكي يرفع بعضاً من الحرج استخدم كارتر مترجماً آخر خلال إحدى الحفلات المقامة على شرفه في بولندا، إلا أنه واجه مزيداً من الحرج، فبعد أن ألقى الفقرة الأولى من خطابه توقف ليدع الفرصة للمترجم لترجمتها إلى الغة البولندية، إلا أن المترجم لم ينطق بشيء، وعندما تابع كارتر خطابه لم ينطق المترجم بأي حرف، ويبدو أن المترجم البولندي لم يستطع أن يفهم لغة كارتر الإنجليزية فآثر الصمت، وعندما غادر كارتر البلاد كان مصدراً للكثير من النكات البولندية.

    كشفت وكالة الأمن القومي الأميركي عن وثيقة سرية تتضمن ما يعتقد أنه أسوأ ترجمة في التاريخ، والتي أدت إلى ضرب مدينة هيروشيما في اليابان بالقنبلة النووية في الحرب العالمية الثانية.

     

    كارتر لم يجد من يسعفه في ترجمة خطاباته لدى زيارته لبولندا. غيتي

    ترجمة خاطئة لوثيقة لـ«بريكست»

    واجه السياسي البريطاني، دومينيك راب، عندما كان وزيراً لـ«بريكست» انتقادات حادة من مسؤولي الاتحاد الأوروبي بعد أن تبين أن ترجمة بريطانيا للورقة البيضاء والخاصة بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بلغات دول الاتحاد مليئة بالأخطاء. وقام الوزير بأول زيارة له إلى بروكسل عقب استقالة سلفه ديفيد ديفيس، لكنه واجه معارضة قوية من مفاوضي الاتحاد.

    وأورد موقع «ايرو آكتف» الإخباري أن صيغ الترجمة للغتين الفنلندية والإستونية لمقترح الخروج أخطأت في كتابة أسماء إستونيا وفنلندا، وانطبق الشيء نفسه على النسخة البولندية. وعلق المستشار التجاري أكسل أنتوني، لوسائل إعلامية حول النسخة الألمانية، قائلاً: «إنها تجعل أي لغوي مهني يتقيأ على قهوته».

    كما ترجمت الوزارة مصطلح «الخروج المنظم» إلى اللغة الفرنسية على أنه «un Brexit vertueux»، ما يعني أن رحيل بريطانيا عن الاتحاد هو أمر جيد أو أخلاقي.

     

    الترجمة حرفت عبارات الأمين العام السابق للأمم المتحدة. أ.ف.ب


    ترجمة «غوغل» تقود لخطأ غير مقصود

    استخدام طهاة الفريق الأولمبي النرويجي خلال الألعاب الأولمبية الشتوية التي أقيمت في بيونغتشانغ بكوريا الجنوبية ترجمة «غوغل» لتجهيز 1500 بيضة، لينتهي بهم المطاف إلى تجهيز 15 ألف بيضة. والذي حدث هو أنهم استخدموا ترجمة «غوغل» لطلب البقالة من محال السوبر ماركت المحلية، ليصل إليهم عدد كبير من البيض محملاً على شاحنة، لكن لحسن حظهم أن فريقهم كان جيداً في الألعاب أكثر من إجادة طهاتهم اللغة المحلية، وكان محل البقالة المحلي متعاوناً بشكل كبير عندما قبل باستعادة البيض الفائض عن الحاجة.

     

    تيريزا فقدت ثديها بسبب خطأ في الترجمة. من المصدر

    طباعة