لم تختفِ العقلية الطائفية في أعمدة دخان الإطارات المحترقة

    القادة الفاسدون في لبنان غير مستعدين للتضحية من أجل بلادهم

    صورة

    منذ 10 أو حتى 20 سنة، استقطبت الاحتجاجات في لبنان اهتمام منصات الأخبار في جميع أنحاء العالم، ما يتميز به سكان هذه الدولة الصغيرة هو الاستراتيجية الموحدة في التفاؤل، والوقوف سوية للإطاحة بعقود من الطائفية المفلسة أخلاقياً. في غضون الأيام الأخيرة، أعلن المحتجون الغاضبون، وهم يلوحون بعلم الأرز الذي كان يرمز ذات يوم لانقساماتنا (الحديث للكاتب)، عن إنهاء اتفاق الطائف الذي كرس الحكم الطائفي عام 1989. وبذلك انتهت الحرب الأهلية اللبنانية أخيراً في 17 أكتوبر 2019.

    لم تختفِ العقلية الطائفية في أعمدة الدخان الأسود من الإطارات المحترقة، لكن إذا كان السكان قد ابتعدوا عن الوفاق الوطني الذي عزز الانقسامات الطائفية، فإن المحرضين والمستفيدين من القادة السياسيين الفاسدين يواصلون تأكيد مصالحهم الشخصية بدرجات متفاوتة من المهارة والخداع. هناك القليل من الأبطال، إن وجدوا، أو القادة، من بين هؤلاء الرجال الرماديين. بعد كل شيء، يعرفون جميعاً في داخلهم أن مصير البطل هو الاستشهاد.

    بالتأكيد ليس هناك من هو مستعد للاستشهاد بين القادة السياسيين والعسكريين في لبنان. لا يوجد أمثال جورج واشنطن أو أبراهام لينكولن، أو شارلز ديغول، أو جورج مارشال، أو نيلسون مانديلا أو المهاتما غاندي. ولا يوجد حتى فؤاد شهاب، أو رشيد كرامي، أو كمال جنبلاط، وهم ثلاثة من قادة لبنان اكتسبوا بُعد نظر لا مثيل له، على مدى السنوات الـ70 الماضية؛ اثنان منهم استشهدا بالمعنى الحقيقي للكلمة.

    هذا هو عصر الرجال الرماديين الطموحين، الذين قاموا منذ فترة طويلة باستعراض أخطائهم على الساحة السياسية اللبنانية، بالطريقة نفسها مثل القادة الشعبويين الآخرين في جميع أنحاء العالم، بمن فيهم أولئك الذين يحتلون، الآن، أقوى المناصب السياسية في العالم.

    مزيج من الأمل والخوف

    كرئيس للجامعة الأميركية في بيروت، تابعت هذه الاحتجاجات بمزيج من الأمل والخوف. يجب أن يظل المتظاهرون في بيروت وطرابلس وفي صور وفي صيدا والنبطية، بمن فيهم نسبة كبيرة من طلابنا وأعضاء هيئة التدريس والموظفين، متحدين للتغلب على الوضع السيئ الذي أنتجه القادة السياسيون في لبنان. الآن، في الأسبوع الثالث من الاحتجاجات، بدأ الطموح والأنا في الظهور بشكل مؤسف، لكن ليس بشكل غير متوقع. يريد قادة لبنان السياسيون والأمنيون الآخرون أن يخوضوا معاركهم من أجلهم هم. إنهم جميعا يريدون من شخص آخر القضاء على المنافسين، حتى يتظاهروا، بعدها، بالحياد والنيات الحسنة. لهذا السبب نحن بحاجة إلى المساعدة في توجيه طلابنا وأعضاء هيئة التدريس والموظفين بعيداً عن هذه الفخاخ.

    مثال معاكس

    هذا هو السبب في أننا، بمؤسسات التعليم العالي القليلة الجودة في لبنان والعالم العربي، بحاجة إلى تقديم مثال معاكس للحفاظ على الأمل لدى شبابنا المثاليين، الذين ينزلون الآن ويحتلون ساحات المدن للحفاظ على أحلامهم بغد أفضل. نحن لسنا جزءاً من هذه الانتفاضة، لكننا نحتل مكانًا وسطًا، إذ يجب أن نساعدهم على إكمال دراساتهم أثناء مشاركتهم في المظاهرات. لكن يجب أن نقنعهم أن مصير القائد حسن النية ليس بالضرورة أن يكون هو مصير الشهيد، وأن الفاسدين لا يحالفهم النصر والمجد والنجاح دائماً. بغض النظر عن نتيجة الاحتجاجات الحالية في لبنان فإن هذا لن يكون الدرس النهائي الذي يتعلمه شبابنا.

    يجب أن تدعم الجامعة الأميركية في بيروت، أقدم وأرقى مؤسسات التعليم العالي في هذا الجزء من العالم، العديد من المبادئ في هذه الأوقات، لكن يجب علينا ألا ننحرف عن مهمتنا الأساسية، المتمثلة في تزويد الشباب بجودة عالية، والأخلاق ضمن وسائل لإيجاد مستقبل في مجتمعاتهم. ليس دور الجامعة هو توفير قادة بديلين فوريين، لكن القيام بما هو أفضل - التعليم. نحن نعلّم طلابنا في الجامعة الأميركية كي يتغلبوا على الخوف من الآخر، من خلال إنشاء صداقات جديدة في مجتمع دولي متنوع، وإثراء المعارف في العلوم الإنسانية والفنون والعلوم، وتزويدهم بفرص التعلم التجريبية من خلال المشاركة المدنية.

    القادة يولدون ويُصنعون، والجامعة هي حاضنة أساسية لنوع أفضل من القادة في العالم العربي. هذا يعني أنه يجب علينا تحديد كيفية استئناف الفصول الدراسية، التي تم تعليقها منذ 18 أكتوبر الماضي، حتى في الوقت الذي ندعم فيه ونحمي حرية التعبير لطلابنا وأعضاء هيئة التدريس، وحقنا في الاحتجاج.

    الوحدة من خلال الحوار

    يجب أن نتحد من خلال الحوار والتكيف، حتى نتمكن من توفير التعليم لألمع الشباب في المنطقة، قد تكون هناك حاجة إلى بعض التأمل الجاد لضمان أن نصبح حاضنة أفضل، لمعرفة ما فعلناه بشكل صحيح وأين أخطأنا.

    فضلو خوري رئيس الجامعة الأميركية في بيروت


    هذا عصر الرجال الرماديين الطموحين، الذين قاموا منذ فترة طويلة باستعراض أخطائهم على الساحة السياسية اللبنانية، بالطريقة نفسها مثل القادة الشعبويين في جميع أنحاء العالم.

    طباعة