الطرفان بحاجة إلى بعضهما

    التطبيع الغربي مع روسيا يخدم أوروبا بأكملها

    صورة

    قبل يوم من قمة مجموعة السبع في فرنسا، خلال أغسطس الماضي، ألمح الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى إمكانية إعادة روسيا إلى النادي الغربي المعروف باسم مجموعة الثمانية، والذي تم طرد موسكو منه بعد ضم شبه جزيرة القرم. حصل ترامب على دعم من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، مضيف القمة.

    كما قيل إن رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي يؤيد عودة روسيا إلى هذا النادي. وستستضيف الولايات المتحدة قمة مجموعة السبع في 2020، وإذا تم قبولها في مجموعة السبع (مثل مجموعة الثماني)، فهذا يعني أن روسيا عادت إلى النادي الغربي.

    إلى ذلك، أعرب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن استعداده لاستضافة قمة مجموعة الثماني، بالإضافة إلى الصين والهند وتركيا. ومن غير المرجح أن توافق مجموعة السبع على اقتراحه. ومع ذلك، فإنه يفتح الباب أمام إمكانية أن تكون روسيا قادرة على العودة إلى صفوف العالم المتقدم.

    ومن التطورات المهمة الأخرى قبول ماكرون دعوة بوتين لحضور احتفالات الذكرى الخامسة والسبعين لانتهاء الحرب العالمية الثانية، في 9 مايو 2020، في موسكو. كما تمت دعوة ترامب لحضور هذا الحدث، إضافة إلى دعوة المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل ورئيس الصين شي جين بينغ أيضاً إلى هذا الحدث.

    يوم النصر، كما يوصف هذا الاحتفال السنوي في روسيا، هو يوم مهم للغاية في تاريخ روسيا ما بعد الاتحاد السوفييتي، لذلك فإن حضور أي زعيم غربي في هذا الحدث سيكون بمثابة تعزيز رمزي كبير لموقف بوتين مع شعبه ولهيبة روسيا، وسيُنظر إليه على أنه نهاية العزلة الروسية.

    عقبة رئيسة

    قبل خمس سنوات حضر الاحتفال زعماء غير غربيين مثل بينغ، وبراناب موهيرجي الهندي، ونيكولاس مادورو، فقد اختار العديد من القادة الغربيين عدم حضور هذا الحدث احتجاجاً على ما يجري في القرم وشرق أوكرانيا.

    أخيراً، يُنظر إلى تبادل الأسرى بين روسيا وأوكرانيا، في أوائل سبتمبر، والإبلاغ عن موافقة أوكرانيا على إجراء انتخابات في المنطقتين الانفصاليتين في أوكرانيا، كخطوات مهمة في العلاقات الصعبة والمتوترة بين البلدين.

    لطالما كان بوتين يدرك أن الوضع الحالي للعلاقات الروسية الأوكرانية يشكل عقبة رئيسة أمام تطبيع علاقات روسيا مع الاتحاد الأوروبي، ولا تعني هذه التطورات الثلاثة أن العلاقات السياسية بين روسيا والاتحاد الأوروبي ستعود بسرعة إلى طبيعتها، أو أن العقوبات الأوروبية ستُرفع قريباً. ومع ذلك، فإن عملية تطبيع العلاقات مع موسكو جارية.

    بالنسبة إلى الدول الغربية الكبرى، أصبحت الصين عاملاً رئيساً في حساباتها تجاه روسيا. مثل ترامب، أو ربما بدرجة أقل، فإن ماكرون لديه تحفظاته على الصين.

    وقد نُقل عنه قوله إن «دفع روسيا بعيداً عن أوروبا يُعد خطأً استراتيجياً عميقاً لأننا سندفعها إما إلى عزلة تزيد التوترات، أو إلى تحالفات مع قوى كبرى أخرى مثل الصين». وشدد على الدور الرئيس لروسيا في أمن أوروبا، بحجة أن «القارة الأوروبية لن تكون مستقرة أبداً، ولن تكون أبداً في أمان، إذا لم تهدأ ونوضح علاقاتنا مع روسيا».

    قرارات مستدامة

    من الواضح أن العلاقات الروسية الصينية المتنامية أصبحت جيدة جداً، مع ما تتمتع به روسيا من ثروات طبيعية هائلة وتقنية عسكرية متطورة، فضلاً عن أنها سوق كبيرة. إن تدهور العلاقات بين الولايات المتحدة وكل من الصين وروسيا لا يخدم مصلحة الاتحاد الأوروبي بشكل عام، لاسيما من الناحية الاقتصادية. العقوبات الأميركية ضد موسكو والتعريفات الجمركية على بكين أثرتا سلباً على الاتحاد الأوروبي. لا يمكن تجاهل هذه الحقائق من قبل السياسيين.

    يدرك الغرب، أيضاً، أنه لا يمكن التوصل إلى قرارات مستدامة وطويلة المدى لقضايا سورية وإيران دون دعم روسي. أصبحت روسيا عاملاً حاسماً في الشرق الأوسط بتدخلها إلى جانب الرئيس السوري بشار الأسد. في حين يبدو أن الدولة الرئيسة في الاتحاد الأوروبي - ألمانيا، ملتزمة بضمان عدم إضعاف موقف الاتحاد الأوروبي الحالي بشأن العلاقات مع روسيا. يبقى السؤال مفتوحاً: إلى متى يمكن للحكومة الحالية الحفاظ على هذا الموقف؟ قد تشهد القوى السياسية في البلاد بعض التغيير في المستقبل، بالنظر إلى ازدهار اليمين، الذي يشغل الآن 94 مقعداً في البرلمان الذي يضم 709 مقاعد.

    حقق اليمين، الذي يمثله «البديل من أجل ألمانيا»، مكاسب انتخابية مثيرة للإعجاب في الانتخابات الإقليمية في سبتمبر 2019 في ولايتين شرق البلاد. لقد عبر قادتها بلا خجل عن المشاعر التي تم تفسيرها على أنها مؤيدة لروسيا.

    يمكن توقع طرح الإجماع السياسي الحالي تجاه روسيا في الأشهر والسنوات المقبلة. لا يمكن لقيادة ألمانيا الحالية أن تتجاهل موقف اليمين تماماً. لا بد أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي يحول انتباه لندن وطاقاتها ومواردها عن موقفها القوي الحالي تجاه روسيا، ولا يمكن أن يكون لذلك تأثير على الموقف الأوروبي العام تجاه روسيا.

    رفع العقوبات

    وأخيراً، بوتين لديه أسباب سياسية داخلية للنظر في السعي للتطبيع مع الغرب، وسيؤدي ذلك إلى رفع العقوبات والمساعدة في تقوية الاقتصاد، وشعبيته تضعف، إذ أظهر استطلاع للرأي أجراه مركز ليفادا، وهو مؤسسة استطلاع روسية مستقلة، أن 38٪ من الروس لا يرغبون في استمرار بوتين في منصبه بعد انتهاء ولايته في عام 2024، بينما أراد 54٪ أن يبقى رئيساً في ما لم يحسم 8٪ أمرهم.

    لم تؤد نتائج الانتخابات المحلية والإقليمية الأخيرة في البلاد، بما في ذلك في موسكو، إلى أي تغيير حاسم متوقع في النظام السياسي، على الرغم من أن التظاهرات في موسكو، خلال الأسابيع القليلة الماضية التي سبقت انتخابات مجلس مدينة موسكو في 8 سبتمبر، كانت كبيرة نسبياً. لقد عارض المتظاهرون قرار السلطات بعدم السماح لمرشحي المعارضة بالترشح في الانتخابات، ومع ذلك لا يمكن للرئيس الروسي ومؤيديه تجاهل هذه التطورات تماماً، وبالنظر إلى أن موسكو هي المدينة الأكبر والأكثر نمواً في البلاد، سيكون للتطورات هناك تداعيات اجتماعية سياسية وتأثير في جميع أنحاء البلاد. إن تطبيع العلاقات بين روسيا والغرب سيكون في مصلحة رابطة دول جنوب شرق آسيا المعروف اختصارا باسم «آسيان»، وسيمهد الطريق للانخراط الكامل مع روسيا دون الحاجة إلى النظر في تداعيات أفعالها على علاقاتها مع الغرب، كونها شريكاً مهماً للغاية. مع الوضع الحالي للعلاقات بين الولايات المتحدة والصين والمنافسة في رابطة دول جنوب شرق آسيا، فإن زيادة الاهتمام التجاري (والسياسي) الروسي في «آسيان»، يمكن أن تعود بالنفع على المنطقة. إن روسيا التي تتركز طاقتها واهتمامها بشكل أقل على تنافسها مع الغرب، ستكون أكثر ميلاً لتكريس جزء منها لبناء روابطها مع الآسيان، كجزء من محورها نحو الشرق.

    كريس شانغ زميل كلية «راجارتنام» للدراسات الدولية بجامعة نانيانغ، سنغافورة، دبلوماسي سنغافوري سابق في ألمانيا وروسيا والولايات المتحدة.


    لطالما كان بوتين يدرك أن الوضع الحالي للعلاقات الروسية الأوكرانية يشكل عقبة رئيسة أمام تطبيع علاقات روسيا مع الاتحاد الأوروبي.

    تطبيع العلاقات بين روسيا والغرب سيكون في مصلحة رابطة دول جنوب شرق آسيا.

    طباعة