المحتجون صامدون «حتى إسقاط الحكومة»

    وسط بغداد ساحة حرب بين القوات الأمنية والمتظاهرين

    صورة

    «لسنا مندسين».. يرددها (سيد) مراراً في طريقه إلى ساحة التحرير وسط العاصمة بغداد، في رد على اتهامات رئيس الوزراء العراقي، عادل عبدالمهدي، للمحتجين الذين أكدوا الاستمرار في حراكهم، ضاربين عرض الحائط بوعود رئيس الوزراء «حتى إسقاط الحكومة».

    لم يكن يوم الجمعة الأول للاحتجاجات في بغداد كأي يوم جمعة في المدينة.

    فرغم أن الازدحام يخف عادة في أول أيام العطلة الأسبوعية، بدت العاصمة مقسومة.

    كانت أحياء أطراف بغداد كمدينة أشباح، حتى إن بعض الحواجز الأمنية الروتينية خلت من جنودها، غير أن وسطها بات ساحة حرب بين القوات الأمنية، والمتظاهرين الذين بدأوا التوافد منذ الصباح الباكر، كمن يتجهون إلى عملهم.

    أغلقت الشرطة الشوارع الرئيسة والفرعية بالكتل الإسمنتية والآليات المدرعة. كان أزيز الرصاص كثيفاً في الشوارع المؤدية إلى ساحة التجمع، بالتزامن مع وصول شاحنات وحافلات تقل متظاهرين ملثمين يرفعون أعلام العراق، ويتخذون من الأرصفة المظللة بالرايات الحسينية ملجأ، قبل الخوض في المواجهة.

    وبين الفينة والأخرى، تمرّ شاحنة ذهاباً وإياباً تحمل تابوتاً، لم يتسنّ لوكالة «فرانس برس» التأكد من أنها كان تنقل قتلى.

    يقول (سيد - 32 عاماً) العاطل عن العمل، لوكالة «فرانس برس»: «نحن لسنا مندسين، لكن أتينا للمطالبة بحقوقنا، ولا شيء نخسره».

    «حتى لو قتلت»

    وكانت الحكومة اتهمت «مندسين» و«معتدين غير سلميين» بالتسبب في سقوط ضحايا خلال الاحتجاجات.

    ويضيف (سيد): «ماذا يفعل من يسكن بالإيجار ولديه أطفال؟ أنا من الناس التي لا تعرف مصيرها، لا وظيفة لدي، لا أملك بيتاً، وأحار كيف سأؤمّن لقمة العيش لأطفالي، نريد تغييراً جذرياً، إما نغيّر فعلياً وإما لن أنسحب حتى لو قتلت».

    ودخلت موجة الاحتجاجات المطلبية، التي انطلقت الثلاثاء، في العراق يومها الخامس، في اختبار يبدو حتى الآن صعباً على حكومة، عادل عبدالمهدي، التي مر نحو عام على تشكيلها.

    ولم يكن خطاب رئيس الوزراء، الذي توجه فيه إلى الشعب العراقي، ليل الخميس الجمعة، مقنعاً للمتظاهرين، حتى إن بعضهم انتقد توقيته بالقول «حتى السكارى تنام في ذلك الوقت».

    إدارة الحكومة للأزمة، والتعامل القاسي ضد المتظاهرين من قبل القوات الأمنية التي استخدمت الرصاص الحي، صعّدا من حدة المواجهة في الشارع.

    يقول متظاهر ملثم رفض الكشف عن اسم: «أنا في التظاهرات منذ ثلاثة أيام، لا أحد يريد مصلحتنا، وإلا لما كانوا يقتلوننا في الساحات».

    ذلك العنف استدعى تعليقاً من المرجعية الدينية الشيعية العليا، التي أعلنت، أول من أمس، دعمها لمطالب المتظاهرين، لكنها في الوقت نفسه لفتت إلى وجود «أعمال شغب»، وتركت الباب مفتوحاً أمام السلطة لاغتنام فرصة امتصاص غضب الشارع بالإصلاح «قبل فوات الأوان».

    في هذا السياق، يقول (سيد): «مع احترامي للمرجعية، لكنها لم تفعل لنا شيئاً، ماذا فعلت المرجعية؟ في عام 2014 عندما وصل تنظيم داعش الإرهابي إلى أطراف بغداد نحن الذين قاتلنا بعد الفتوى، واليوم تركونا».

    ويتابع «هذا بلد النفط والخيرات، أحفر هنا بعمق ثلاثة أمتار ترى نفطاً ونحن جياع!».

    «التوك توك» عنصر حاسم

    إلى جانب ذلك، قطعت السلطات الإنترنت في البلاد، وحجبت أي إمكانية للتواصل بين المعتصمين والخارج. هؤلاء كانوا ينتظرون أياً من يأتيهم ليسحبوا هواتفهم ويظهروا ما صوروه من عنف في ساحة الاحتجاج.

    فمن إطارات مشتعلة، إلى طلقات نارية عشوائية وفرار جماعي للمتظاهرين أمامها، وصولاً إلى عمليات نقل الجرحى والمصابين.

    وبذلك، يشير المحتجون إلى نقص في سيارات الإسعاف بالمكان، حتى بات «التوك توك» عاملاً حاسماً في الأحداث.

    يقول سائق التوك توك، علي عبدالرضا (20 عاماً)، إن «التوك توك بات أساسياً، ننقل به المتظاهرين إلى ما قبل الحواجز الأمنية» التي تحول ضد تقدم المحتجين.

    ويضيف عبدالرضا، الذي يعمل يومياً في «موسم التظاهر» من السادسة صباحاً وحتى الثامنة مساء: «نقوم أيضاً بنقل الجرحى الذي يصابون داخل ساحات التظاهر إلى المستشفيات القريبة، نفعل ذلك مجاناً ولا نعتبره مصدر رزق من أجل البلد».


    الحكومة العراقية اتهمت «مندسين» و«معتدين غير سلميين» بالتسبب في سقوط ضحايا خلال الاحتجاجات.

    طباعة