سياسة الاحتواء لن تنجح مع بكين

    الولايات المتحدة تحتاج إلى نفس طويل للتغلب على الصين

    صورة

    في فبراير 1946، عندما بدأت الحرب الباردة، أرسل القائم بالأعمال في السفارة الأميركية في موسكو، جورج كينان، برقية من 5000 كلمة، إلى وزارة الخارجية في واشنطن، حاول خلالها شرح السلوك السوفييتي، ووضع الخطوط العريضة للرد على ذلك. بعد مرور عام، تم توسيع نص رسالته الشهية التي عرفت لاحقاً باسم «البرقية الطويلة»، ليصبح مقالاً في مجلة «فورين أفيرز» بعنوان «مصادر السلوك السوفييتي». وكتب كينان باسم مستعار «أكس»، يقول إن الأيديولوجية الماركسية اللينينية للسوفييت كانت حقيقية، وإن هذه النظرة للعالم، بالإضافة إلى شعور عميق بعدم الأمان، هي التي دفعت التوسع السوفييتي. وأشار إلى أن هذا لم يكن يعني أن المواجهة الصريحة ليست حتمية، لأن «الكرملين لا يريد التراجع في مواجهة القوة العليا». ما كان على الولايات المتحدة فعله لضمان أمنها على المدى الطويل، هو احتواء التهديد السوفييتي. إذا فعلت ذلك، فإن القوة السوفييتية ستنهار في النهاية. الاحتواء، بمعنى آخر، كان ضرورياً وكافياً.

    أصبحت رسالة كينان النص المرجعي لأولئك الذين حاولوا فهم الصراع بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي. طالما كانت استراتيجية الاحتواء التي وضعها كينان، مثيرة للجدل، والتي ستحدد سياسة الولايات المتحدة حتى نهاية الحرب الباردة. وكما تنبأ كينان، عندما جاءت النهاية، لم يكن ذلك بسبب قوة وصمود الولايات المتحدة وحلفائها فحسب، بل بسبب نقاط الضعف والتناقضات في النظام السوفييتي نفسه.

    الثروة والسلطة

    هناك حقيقتان رئيستان حول الصين اليوم: الأولى، هي أن هذا البلد شهد للتو فترة من النمو الاقتصادي لم يشهدها العالم من قبل. والثانية، هي أنه يُحكم من قبل حزب شيوعي غير منتخب، ولكن في ظل تشي جين بينغ، هناك إصرار متزايد على أن نموذج التنمية في الصين متفوق على الغرب. وفي خطاب ألقاه عام 2017، قال بينغ إن بكين «تمهد طريقاً جديداً للبلدان النامية الأخرى لتحقيق التحديث»، و«تقدم خياراً جديداً للدول الأخرى التي ترغب في تسريع تنميتها مع الحفاظ على استقلالها». بالنسبة للحزب الشيوعي، فإن الحديث الغربي عن الديمقراطية هو ببساطة ذريعة لسرقة الدول الفقيرة من سيادتها وإمكاناتها الاقتصادية. ومثلما احتاجت الصين إلى الديكتاتورية لتحقيق النمو الاقتصادي السريع، فقد تحتاج إليها بلدان أخرى أيضاً. على الرغم من أن مثل هذه القناعات كانت بطيئة في العثور على تأييد في الخارج، إلا أن العديد من الصينيين اقتنعوا بأنه بفضل قيادة الحزب الشيوعي، فإن «الأمة الصينية في وضع جديد تماماً، وهي تقف الآن في مكانة ثابتة».

    ترى القيادة الصينية الحالية أن تاريخ الصين من منتصف القرن التاسع عشر وحتى وصول الشيوعيين إلى السلطة في عام 1949، هو سلسلة لا نهائية من الإذلال على أيدي القوى الأجنبية. وفي حين أن هناك بعض الحقيقة في هذا الطرح، يرى الحزب الشيوعي الصيني، أيضاً، أن الحزب هو الحصن الوحيد الذي يقف بين الصينيين ومزيد من الاستغلال.

    جانب مقلق

    هناك جانب آخر مقلق للقومية في الصين، اليوم، وهو أن البلد عبارة عن إمبراطورية فعلية تحاول أن تتصرف كما لو كانت دولة قومية. أكثر من 40% من أراضي الصين - منغوليا الداخلية، والتبت، وشينجيانغ - كان يسكنها في الأصل سكان لا يرون أنفسهم صينيين. على الرغم من أن الحكومة الصينية تمنح حقوقاً خاصة للأقليات، فقد تم دمج أوطانهم في مفهوم جديد للأمة الصينية، وتم الاستيلاء عليها تدريجياً من قِبل السكان الصينيين عرقياً الـ«هان».

    خارج حدودها، تحافظ الحكومة الصينية على حالة من التناقض مع جارتها المشاكسة، كوريا الشمالية، وتُهدد جيرانها بشكل روتيني، بما في ذلك الحكومة الديمقراطية في تايوان، التي تعتبرها بكين مقاطعة انفصالية. الكثير من هذا لا يخدم مصلحة الصين سياسياً أو دبلوماسياً. إن عسكرة الجزر الصغيرة البعيدة في بحر الصين الجنوبي، ومنافستها مع اليابان على جزر سينكاكو ودياويو، ومحاولاتها لمعاقبة كوريا الجنوبية على امتلاكها لدفاعات صاروخية أميركية متطورة، جاءت كلها بنتائج عكسية.

    وعلى الرغم من هذا الانخفاض في شعبية الصين، يعتقد الناس في جميع أنحاء المنطقة بأغلبية ساحقة أن الصين ستكون القوة الإقليمية المهيمنة في المستقبل، وأنه من الأفضل لهم الاستعداد.

    من الناحية العسكرية والاستراتيجية، يصعب قياس المنافسة بين الولايات المتحدة والصين. تتمتع الولايات المتحدة اليوم بمزايا عسكرية هائلة على الصين: أكثر من 20 ضعف عدد الرؤوس النووية، وقوة جوية متفوقة، وميزانيات دفاع تصل إلى ثلاثة أضعاف ما يُنفق في الصين. كما أن لديها حلفاء (اليابان وكوريا الجنوبية) وحلفاء محتملين (الهند وفيتنام) في جوار الصين، ويتمتع الحلفاء بقدرات عسكرية كبيرة. الصين ليس لها ما يعادلها في نصف الكرة الغربي.

    البقاء في السلطة

    قد تبدو أوجه التشابه بين الصين اليوم والاتحاد السوفييتي لافتة للنظر، بدءاً بالطبع من الحكم الشيوعي. منذ نحو 40 عاماً، اعتاد الغرب على التقليل من حقيقة أن الصين، التي كانت تشهد تقدماً اقتصادياً، كانت تديرها ديكتاتورية شيوعية. على الرغم من التذكير العرضي بقسوة الزعماء الصينيين، مثل مذبحة ميدان «تيانانمين» عام 1989، فقد أكد الإجماع الغربي على أن الصين تتحرر وقد تصبح أكثر تعددية. اليوم، تبدو مثل هذه التنبؤات حمقاء؛ إذ يقوم الحزب الشيوعي الصيني بتعزيز حكمه، ويعتزم البقاء في السلطة إلى الأبد.

    تشابه آخر هو أنه مثلما سعى الاتحاد السوفييتي إلى السيطرة على أوروبا، فإن الصين تسعى أيضاً للسيطرة على شرق آسيا، وهي منطقة تهم الولايات المتحدة اليوم بقدر أهمية أوروبا في بداية الحرب الباردة، وقدرات بكين في الواقع أكبر. ما لم تعمل الولايات المتحدة على مواجهتها، فمن المرجح أن تصبح الصين قوة بلا منازع في شرق آسيا، من اليابان إلى إندونيسيا، بحلول أواخر عام 2020.

    عقيدة مختلفة

    لكن الصين ليست الاتحاد السوفييتي. لسبب واحد، كانت الأيديولوجية السوفييتية تعارض بطبيعتها أي تعايش طويل الأمد مع الولايات المتحدة. من لينين وما بعده، رأى القادة السوفييت العالم بعبارات لا يساويها أي شيء: كان يجب أن تخسر الديمقراطية البرجوازية والرأسمالية من أجل أن تفوز الشيوعية. قد تكون هناك تحالفات للراحة، وحتى فترات من الانفراج، ولكن في النهاية، يجب أن يكون شكل الشيوعية منتصراً في كل مكان، حتى يكون الاتحاد السوفييتي آمناً. لا يشاطر الحزب الشيوعي الصيني مثل هذه المعتقدات. إنها قومية وليست دولية في النظرة المستقبلية.

    يشير السلوك الصيني والدور العالمي الحالي للولايات المتحدة، إلى تنافس من نوع مختلف عن الذي شهده جورج كينان في عامي 1946 و1947. خطر الحرب الفورية أقل، واحتمالات التعاون المحدود أعلى. لكن الخطر من أن تغذي القومية دوائر الصراع المتسعة، قد يكون أكبر، وعزم الصين على اختراق موقع أميركا في آسيا يبدو أكثر إصراراً من محاولة ستالين في أوروبا، على الإطلاق. إذا أرادت الولايات المتحدة التنافس، فيجب عليها الاستعداد لحملة طويلة من أجل التأثير واختبار قدرتها على تحديد الأولويات الاستراتيجية والتخطيط طويل الأجل. هذا صحيح بشكل خاص بالنظر إلى أن التغيرات الاقتصادية والتكنولوجية السريعة ستجعل سياسة الاحتواء التقليدية مستحيلة.

    تحتاج الولايات المتحدة، أيضاً، إلى تهيئة بيئة أكثر حميمية خارج آسيا. في الوقت الذي تواصل فيه الصين صعودها، ليس من المنطقي أن تترك روسيا كخصم غير راضٍ على هامش النظام الدولي. ينبغي على واشنطن أن تحاول ضم موسكو إلى علاقة تعاون أكبر مع الغرب من خلال فتح المزيد من الفرص للشراكة، والمساعدة على تسوية النزاع في شرق أوكرانيا.

    إذا رفضت واشنطن القيام بذلك، فإن الكابوس الاستراتيجي الذي كان يطارد المسؤولين الأميركيين خلال الحرب الباردة ولم يتحقق بعدُ بالكامل، قد يصبح حقيقة: تحالف حقيقي بين الصين وروسيا. واليوم، يمكن أن يمثل مزيج موارد روسيا وسكان الصين تحدياً أكبر بكثير للغرب ممّا كان قبل 70 عاماً. كما لاحظ كينان، فإن الخطر الحقيقي الوحيد على الأميركيين سيأتي من خلال «ربط الجزء المهيمن من الموارد المادية في أوروبا وآسيا بسلطة سياسية معادية لـلولايات المتحدة».

    أود أرن ويساد أستاذ التاريخ والشؤون الدولية في جامعة «يايل».


    السلوك الصيني والدور العالمي الحالي للولايات المتحدة، يشيران إلى تنافس من نوع مختلف، فخطر الحرب الفورية أقل، واحتمالات التعاون المحدود أعلى، وإذا أرادت الولايات المتحدة التنافس، فيجب عليها الاستعداد لحملة طويلة من أجل التأثير واختبار قدرتها على تحديد الأولويات الاستراتيجية والتخطيط طويل الأجل.

    طباعة