بكين طوّرت ترسانة هائلة خلال 30 عاماً

    انسحاب أميركا من المعاهدة النووية فــــرصة لردع الصين

    صورة

    في أوائل أغسطس، انسحبت الولايات المتحدة رسمياً من معاهدة الأسلحة النووية المتوسطة المدى، وهي اتفاقية تاريخية في مجال الحد من انتشار الأسلحة مع روسيا. وبعد أسبوعين فقط، في جزيرة صغيرة قبالة ساحل كاليفورنيا، اختبرت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) صاروخاً أرضياً محظوراً بموجب الاتفاقية.

    كان انهيار المعاهدة متوقعاً منذ وقت طويل. لا يمكن أن ينجح أي اتفاق إذا التزم به طرف واحد فقط، وكانت موسكو، وهي الطرف الوحيد في المعاهدة، تنتهك قواعدها لسنوات. خلال فترة رئاسته، فكر الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما في الانسحاب من الاتفاقية، وهو السبب نفسه الذي ساعد الرئيس الأميركي دونالد ترامب في اتخاذ القرار. بالنسبة للعديد من المراقبين، لايزال قرار التخلي عن المعاهدة مضللاً وخطيراً، ويجادلون بأن إدارة ترامب تقوم بتفكيك الدرابزين الذي أقيم لمنع التوترات من التصعيد إلى سباق تسلح مزعزع للاستقرار. في الوقت الذي تتلاشى فيه عناصر عدة من البنية العالمية لمراقبة الأسلحة، فإن هذه التداعيات الأخيرة قد تزيد الأمور سوءاً.

    لكن هذا الخط من النقد يخطئ الهدف. إذا كان التزام الولايات المتحدة من جانب واحد بالمعاهدة عديم الجدوى في مواجهة الانتهاكات الروسية المتكررة، فقد أصبح الأمر خطيراً في مواجهة خصوم أكثر قوة (الصين). خلال عمر معاهدة «الوقود النووي المشع» التي استمرت 32 عاماً، طورت الصين القوة الصاروخية التقليدية الأولى في العالم، وفيها الكثير من الأسلحة ذاتها التي منعت المعاهدة الولايات المتحدة من تطويرها: الصواريخ الأرضية والبالستية التي يراوح مداها بين 500 و5500 كيلومتر.

    تستخدم الصين، اليوم، ترسانة الصواريخ هذه لتهديد الولايات المتحدة وحلفائها وشركائها في جميع أنحاء شرق آسيا. إن الخروج من معاهدة الأسلحة النووية متوسطة المدى، ليس حلاً سحرياً، لكنه يفتح إمكانات تشتد الحاجة إليها لواشنطن لإعادة التوازن العسكري مع بكين، لمصلحتها. ينبغي على واشنطن أن تغتنم هذه الفرصة لتطوير ونشر صواريخها الخاصة لمواجهة التهديد الصيني؛ أو المخاطرة بأن تُسحق في مواجهة مستقبلية.

    استفادة كبيرة

    كانت معاهدة الأسلحة متوسطة المدى، بتركيزها الضيق على الولايات المتحدة وروسيا، تعمل دائماً كخلفية مباشرة للاستراتيجية الأميركية في آسيا. من الناحية النظرية، كان من الممكن أن تضغط واشنطن على الصين للانضمام إلى المعاهدة؛ لكن الصين لن تفعل ذلك. وتستفيد بكين استفادة كبيرة من قوتها الصاروخية البرية الكبيرة، وأوضحت أنها لن تنضم إلى أي اتفاقيات جوهرية لتحديد الأسلحة في المستقبل المنظور. في جلسة طارئة لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في 22 أغسطس الماضي، على سبيل المثال، طلب الممثل الدائم للصين، تشانغ جون، من واشنطن «ضبط النفس والحفاظ على نظام مراقبة الأسلحة الحالي»، مع الإصرار على أن الصواريخ الصينية لا تشكل «أي تهديد لأي بلد».

    على مدار العقود الثلاثة الماضية، حققت الصين تقدماً عسكرياً هائلاً من خلال تقنيات تضع الخصوم جانباً. وكانت الصواريخ الباليستية، التي تسير بسرعة أعلى من سرعة الصوت وبالتالي يصعب اعتراضها، حجر الزاوية في هذا الجهد. تستطيع الصين تطوير هذه الأسلحة ونشرها وبفاعلية أكبر مما تستطيع الولايات المتحدة الوقوف ضدها، ما يجعل أي نزاع مستقبلي مع الصين عملية مكلفة للغاية ومحفوفة بالمخاطر.

    إجمالاً، «تسيطر بكين على أكبر وأكثر الصواريخ تنوعاً في العالم، من خلال جرد أكثر من 2000 صاروخ باليستي وبعيد المدى»، وفقاً لشهادة قائد قيادة المحيط الهادئ، الأدميرال هاري هاريس، في عام 2017. وفقاً لما ذكره هاريس، نحو 95% من هذه الصواريخ كانت محظورة بموجب معاهدة الوقود النووي المشع، لو كانت الصين من الدول الموقعة.

    استفادت بكين من أشكال أخرى من قصر النظر الأميركي. وتميل مناقشات الحد من الأسلحة إلى التركيز على الأسلحة النووية، التي تمتلك منها الصين أقل بكثير من روسيا أو الولايات المتحدة. لكن مخزون الصين من الصواريخ التقليدية يتجاوز مخزونها النووي بنسبة لا تقل عن واحد من سبعة. في وقت سابق من هذا الصيف، أطلقت بكين ستة صواريخ باليستية مضادة للسفن في المياه المتنازع عليها في بحر الصين الجنوبي، في إشارة إلى الحزم ضد جيرانها، وواشنطن، والعالم بأسره. وهي الآن تمتلك العشرات من صواريخ «قاتلة الحاملات»، التي تحمل هذا الاسم لقدرتها المحتملة على تدمير السفن الحربية أو حاملات الطائرات، بعيداً عن السواحل الصينية.

    مشكلة إضافية

    الغالبية العظمى من صواريخ الصين موجودة على الأرض، بدلاً من نشرها على متن طائرات أو سفن أو غواصات. وهذا يعني مشكلة إضافية للولايات المتحدة. صواريخ كبيرة من النوع الذي تشملها معاهدة الأسلحة متوسطة المدى، هي أسهل بكثير وأرخص للتطوير وتشغيلها على الأرض. كما يصعب العثور عليها وتحييدها قبل إطلاقها. كان هذا صحيحاً بالنسبة لصواريخ «سكود» التي أطلقها الرئيس العراقي السابق صدام حسين خلال حرب الخليج الأولى، والتي وجد الجيش الأميركي صعوبة بالغة في تحديدها حتى في الصحراء المكشوفة؛ وهي أقل تطوراً من ترسانة الصين الباليستية، التي يتم إخفاؤها في التضاريس المتنوعة والمرافق الواسعة تحت الأرض، والتي أصبحت أكثر تمويهاً بفضل منصات إطلاق متنقلة وشبكة من كابلات الألياف البصرية الآمنة المصممة لضمان التواصل مع وحدات الإطلاق.

    عند وقوع أزمة، يمكن أن تشجع هذه الترسانة المدمرة بكين تحقيق «المصالح الجوهرية» التي تطالب بها دائماً، بما في ذلك مطالبتها بالسيادة على تايوان؛ وذلك من خلال محاولة فرض الأمر الواقع، وإجبار واشنطن وحلفائها الإقليميين على الرضوخ قبل بدء القتال. وتعد القواعد الجوية الأميركية وحاملات الطائرات متطورة تقنياً مقارنة بنظيراتها الصينية، لكنها معرضة لخطر الصواريخ الصينية. نتيجة لذلك، يجب على واشنطن أن تستفيد من تجارب ما بعد الحرب الباردة، وأن تبني ردعاً قائماً على الصواريخ الأرضية. لحسن الحظ، فإن نهاية معاهدة الأسلحة النووية متوسطة المدى تتيح فرصة مثالية للقيام بذلك.

    اللحاق بالركب

    بعد إزاحة القيود وخروجها من المعاهدة، ما الذي يمكن أن تفعله الولايات المتحدة لإعادة التوازن؟ بداية، يمكنها تطوير واختبار الصواريخ متوسطة المدى التي تطلق من الأرض.

    ومع توافر صواريخ جديدة، يتعين على الولايات المتحدة نشرها في منطقة آسيا والمحيط الهادئ. وفي الوقت الحالي، فإن الموقع الأكثر واقعية هو إقليم «غوام». مناطق في المحيط الهادئ وأستراليا واليابان والفلبين وكوريا الجنوبية هي أيضاً مواقع محتملة. من المؤكد أن الجزر الصغيرة مثل «غوام» لديها تضاريس خفية محدودة، بينما قد تواجه الحكومات في المنطقة معارضة شعبية لاستضافة الصواريخ الأميركية. لكن الرأي العام قد يتغير بسرعة، خصوصاً إذا استمرت القدرات العسكرية للصين والطموحات الإقليمية في التوسع. وإذا كانت سياسات وقت السلم تحول دون نشر دائم في هذه البلدان، فلايزال بإمكان واشنطن متابعة الاتفاقات التي تسمح لها بنشر صواريخ بسرعة لفترة محدودة في أوقات الأزمات.

    انسحاب الولايات المتحدة من المعاهدة لا يغلق الباب أمام مبادرات الحد من الأسلحة في المستقبل. على العكس من ذلك، فإنه يضع إمكانات جديدة على الطاولة. في الوقت الحالي على الأقل، يظل الزعماء الصينيون يعارضون صراحة أي تطوير لصواريخ «أي بي آر إم» من قبل الولايات المتحدة، ولكنهم غير مستعدين لتقديم أي تنازلات عندما يتعلق الأمر بمخزوناتهم التقليدية الأكبر حجماً. إذا جاء الصينيون في نهاية المطاف إلى طاولة المفاوضات الخاصة بتحديد الأسلحة، فذلك لأن واشنطن سعت وراء قدرات جديدة، وليس لأنها بقيت مكتوفة الأيدي من جانب واحد.

    أندرو إريكسون: باحث زائر في مركز هارفارد فيربانك للدراسات الصينية وأستاذ الاستراتيجية في الكلية البحرية.


    - بكين تسيطر

    على أكبر وأكثر

    الصواريخ تنوعاً في

    العالم، من خلال جرد

    أكثر من 2000 صاروخ

    باليستي وبعيد

    المدى.

     

    طباعة