رغم الدمار الهائل الذي حلّ بالدولة

    لا شكوك حول حتمية انتصار الرئيس الأسد في سورية

    صورة

    بينما كنا في طريقنا، نحن الصحافيين الثلاثة، بين ركام المباني في مدينة دوما التابعة لدمشق، أدركنا ما المفقود فيها، لقد شاهدنا نساءً يحملن بعض المؤن، ورجالاً كبار السن يركبون على دراجات آلية، إضافة الى أطفال يحملون جرار المياه الى منازلهم. ولكن أين الشبان؟ لقد قضوا نحبهم في الحرب، أو أنهم في السجون، أو هربوا إلى خارج حدود سورية. ويمكن أن تخبرنا (أم خليل - 59 عاماً)، وهي إحدى الناجيات من هذه الحرب، أين اختفى هؤلاء الشباب.

    لقد قتل ثلاثة من أبنائها، في حين توفي آخر تحت التعذيب في سجون المعارضة، والخامس اختفى في معتقلات الحكومة. وتعيّن على كنّتها أن تعمل لكسب العيش، في حين أنها كانت تعيل خمسة أحفاد رغم غياب زوجها الذي قضى نتيجة غارة جوية. وقالت (أم خليل)، وهي في شقة لأحد أقربائها تقيم فيها: «أحياناً أفكر وأنا جالسة كيف حدث هذا؟ كان لدي أبناء يعملون، كما أن كل شيء كان طبيعياً. وفجأة حدث كل هذا، وفقدت كل شيء. وليس لدي جواب على ذلك. الله يسامح المتسبب في ذلك. ولكن أتمنى لو أني عرفت من دمّر هذه المدينة لقتلته».

    وبعد ثماني سنوات من الحرب الأهلية في سورية، باتت الحكومة السورية تسيطر على معظم الدولة، وهي على وشك السيطرة على إدلب آخر معاقل المعارضة. ولم يعد فوز الرئيس بشار الأسد في هذه الحرب موضع شك. ولكن الموضوع المهم يتركز الآن على الوضع المعيشي لمن بقي حياً.

    متناقضات

    ولدى زيارة خمس مدن وقرى تحت سيطرة الحكومة خلال ثمانية ايام في شهر يونيو الماضي، شاهدنا الكثير من المتناقضات. فهناك الركام والمباني الحديثة، ومن يعيشون في حزن مرير، إضافة الى آخرين يعيشون حياتهم حتى الثمالة. لقد انتشرت المعاناة بصورة متباينة على الناس، حيث تركزت على الفقراء والمناطق التي سيطرت عليها المعارضة، وحتى إعادة البناء لم تكن متساوية.

    وفي مدينة دوما، التي سيطرت عليها المعارضة طيلة الحرب، باتت مياه الشرب طموحاً بعيداً عن الواقع. وفي اللاذقية على البحر المتوسط كانت النساء يبكين على أبنائهن. وبعد مرور عامين على استعادة مدينة حلب بدأت المصانع والأسواق القديمة بالظهور من جديد، لكن الكهرباء لاتزال في حالة سيئة. وفي الحقيقة ليست البنية التحتية هي التي تحتاج الى إعادة بناء، بل سورية التي شهدناها تفتقر الى الطبقة الوسطى، حيث هرب معظم أفرادها أو أصبحوا في عداد الطبقة الفقيرة، وتشير تقديرات الأمم المتحدة الى أن 80% من الشعب يعيشون حياة الفقر أي بأقل من 3.10 دولارات يومياً.

    وعلى الرغم من أن بعض الهاربين يعودون إلى الوطن، إلا أنهم يجبرون على الانضمام الى الخدمة العسكرية أو يتم اعتقالهم لأسباب أمنية. ولايزال هناك من يهربون من البلد، لكن عددهم قليل جداً الآن.

    وأينما توجهنا كانت صور الرئيس الأسد منتشرة في كل مكان، وكتب عليها «الأسد إلى الأبد»، وكانت بعض الملصقات تضم الأسد، ويحيط به حليفاه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ورئيس حزب الله، حسن نصرالله. وكانت السلطات السورية تمنع الصحافيين ووسائل الإعلام من الاقتراب من أي مكان تعتبره مهماً. واستغرق حصولنا نحن الثلاثة، أنا المراسلة ومقري في بيروت، والمترجم اللبناني، والمصورة الأميركية ميرديث كوت، نحو نصف عام حتى حصلنا على تأشيرة دخول الى سورية. ولكن ذلك لا يعني أننا نستطيع التجول في البلد كما نريد. وكنا نشعر بأننا مراقبون من قبل المخابرات السورية القوية في معظم تنقلاتنا، خصوصاً إذا تحدثنا مع الناس.

    قصص حزينة

    كان مرافقونا حريصين جداً على أن يثبتوا لنا بأن الحياة عادت الى طبيعتها. وكان هذا واضحاً في دمشق التي لم تتعرض لأضرار كبيرة. ولكن بعد دقيقتين على خروجنا من دمشق نحو دوما بدأنا نرى مشاهد الدمار وأكوام التراب والمنازل المدمرة، التي استمرت لأميال طويلة، نتيجة قصف المدافع والطائرات.

    وفي دوما، ورغم مرور نحو عام على تحرير المدينة، إلا أن معظم المدينة لايزال غير قابل للسكن، وان كانت هناك أعداد قليلة من الناس تعود الى المدينة للعيش بين الركام. وقادنا أحد الأطفال الذين كانوا يلعبون بين الركام إلى جدّيه علي حمود تهمي وزوجته (أم فارس). وكان الجدان قد عادا الى شقتهما في شهر مايو الماضي ووجداها منهوبة ومدمرة. وفي الوقت الذي عاد به الجدان كان 20 فرداً من العائلة قد لقوا حتفهم، ولذلك كان الجدان يعيلان 11 حفيداً يتيماً في مبنى مهجور. وقالت الجدة (أم فارس): «نتجنب مشاهدة العدد القليل من الجيران الموجودين».

    شرف التضحية

    تضاعف تعداد المخبرين الحكوميين علينا عندما توجهنا الى اللاذقية، التي تعج بالسكان العلويين من طائفة الرئيس الأسد. وفي بلدة بيت ياشوط شاهدنا الكثير من صور الشهداء. ورافقنا مجموعة من الأشخاص، من بينهم جنرال عسكري، ونحن نتنقل من بيت إلى آخر، وسألت أحد الآباء الذي فقد ابنه في الحرب، عما إذا كان الأمر يستحق هذه التضحية بابنه، فقال: «أي شيء في سبيل سورية يهون»، وكان ينظر إلى الجنرال، الذي هز رأسه موافقاً على ما يقول. وقالت إحدى الأمهات، التي تحدثت لنا كيف كانت تجلس مع ابنها وتغني له ويشربان القهوة «إنه شرف لنا أن نضحي به، لقد كان يدافع عن البلد». ويقول الكثير من غير العلويين إنه تتم مكافأة أفراد الرئيس الأسد بسخاء على ولائهم، ولكن في واقع الأمر فإنهم بالكاد يتمكنون من إيجاد قوت يومهم، وهم يتحدثون عن عدم قدرتهم على جلب الحليب لأطفالهم، هذا عدا عن ارتفاع أسعار المواد الغذائية بصورة جنونية.

    وكان محافظ مدينة اللاذقية، إبراهيم خطر السالم، متلهفاً في التأكيد على أن الحكومة تكرس الكثير من الموارد لعائلات الجنود، وهم يمثلون أولوية بالنسبة للحكومة. وأضاف «السيد الرئيس شخصياً يضع في قمة أولوياته قضية عائلات الشهداء».

    نهار مزدحم وليل بلا ضوء

    قبل الحرب الأهلية في سورية كانت حلب هي المنافس الأكبر لدمشق، فهي أكبر مدينة في الدولة، كما أنها محركها الاقتصادي، في حين أن شعبها لا ينام، وفق ما قالت (رنا) المرافقة لنا. ولكن حصار قوات الحكومة السورية أدى إلى تحطيم السوق الذي بلغ عمره 14 قرناً، في حين قطعت الكهرباء في معظم أنحاء المدينة. وبعد عامين ونصف العام على تحرير المدينة من المعارضة لايزال جلّ الكهرباء من المولدات. ومن دون تمويل حكومي فإن إعادة التمويل ستنصب على أفراد الشعب أنفسهم وهم يعانون الفقر.

    والمشافي الخاصة هي التي بدأت بالعمل من جديد، وربما لأن المستشفيات العامة التي تعرضت لقصف الطيران لاتزال مدمرة. ولكن خلال النهار تكون الشوارع مزدحمة ببائعي البطيخ وحركة المرور. والتقينا مع امرأة في أحد الصالونات، وقالت لنا إنها تمكنت من قص شعرها في صالون محترف للمرة الأولى منذ بدء الحرب، وتمت إعادة فتح المدارس. وشاهدنا لوحة معلقة على جدار كتب عليها «الأمن عاد من جديد»، ولكن الأمن مفهوم مراوغ بالنسبة لـ(أم أحمد - 28 عاماً)، التي كانت تجلس في منزلها مع أختها. وكان زوجا المرأتين مفقودين، وهما تقولان إن قوات الحكومة اعتقلتهما بعد دخولها إلى شرق حلب عام 2015. لكن مرافقتنا (رنا) قالت لـ(أم أحمد) إن الوضع أعقد مما تعتقدين، ولا يجوز أن تتكلمي عن مثل هذه الموضوعات للصحافيين، فقالت لها (أم احمد): «هل نكذب عليهم؟ هذا ما حدث»، وعندها اقتربت (رنا) من (أم أحمد) وأخذتها إلى المطبخ، ومن ثم عادتا وكانت (أم أحمد) هادئة.

    وفي ما بعد اشتكيت لوزير الإعلام من كثرة المرافقين، فقال لي: «نحن لسنا كالأميركيين، فنحن مختلفون عنهم، إذ إن الجميع يفترض بأنكم جواسيس». وعندما حان وقت مغادرة سورية رافقتنا المخابرات العسكرية الى الحدود اللبنانية. وتعيّن علينا التوقف أربع مرات في الطريق، لأن سيارتنا كانت تتعطل، وعلى ما يبدو أن السيارة كانت بحاجة الى صيانة جذرية.

    بعد 8 سنوات من الحرب

    كيف يبدو شكل الانتصار؟ قتل نصف مليون شخص على الأقل نتيجة هذه الحرب، وهرب نحو 11 مليون شخص من منازلهم، وتحولت مدن بأكملها الى ركام، تسكنها الأشباح، ولاتزال هناك قلة من الأشخاص يستطيعون دخول مراكز التسوق، في حين أن الغالبية يعيشون في فقر مدقع. ومعظم الأشخاص الذين التقينا بهم كانوا متحفظين في ما يقولون، كما أن كسب العيش يشغلهم عن أي شيء آخر. وعند وقت العشاء في ليلتنا الأولى في حلب، قال سائقنا (أبوعبده) إنه كان يعرف بضعة أماكن كي نتناول فيها الطعام بالقرب من الفندق الذي نقيم فيه، عندما كان يعمل قبل الحرب في نقل السياح بالمدينة. وكان أول مطعم تذكر مكانه قد دمّر، وكذلك الثاني. وبعد ذلك وصلنا الى مطعم نزل سائقنا اليه، وقال لصاحبه إنه يعرفه، وإنه يقدم أفضل الأطعمة.

    وكان المطعم فارغاً إلا من الطباخ الذي وقف في الزاوية. وكان غطاء الطاولة متسخاً وكذلك اللوحة الجدارية لحلب، في حين انتشر الذباب داخل المطعم، والشيء الوحيد الذي بدا أنه جديد في هذا المطعم هو كميات الخيار والبندورة والفجل والنعناع التي قدمها لنا. وعندما طلب (أبوعبده) مشروباً مثلجاً اعتذر مالك المطعم، وقال إن المولد لا يعمل، ولذلك ليس هناك ثلج. وقال المترجم لنا إننا سنتناول اللحم اليوم. وفي البداية تم تقديم الخضراوات، ومن ثم الحمص، والمتبل، والباذنجان المدخن، ومن ثم أطباق من الدجاج المشوي وكباب الغنم. وبدأت بالأكل ونسيت أمر البراد، وكنت قد تناولت مثل هذه الاطباق مرات عدة في لبنان، والآن في سورية، وكانت هي الأفضل. وعندما غادرنا كان الشارع فارغاً ومظلماً. وكان الوقت لايزال مبكراً، ولكن مرت سنوات عدة لم يتمكن سكان حلب من السهر طيلة الليل.

    فيفان وي مراسلة لـ«نيويورك تايمز» مقيمة في بيروت


    كيف يبدو شكل انتصار الأسد؟ قتل نصف مليون شخص على الأقل نتيجة هذه الحرب، وهرب نحو 11 مليون شخص من منازلهم، وتحولت مدن بأكملها إلى ركام، تسكنها الأشباح، معظمهم يعيشون في فقر مدقع.

    لدى زيارة خمس مدن وقرى تحت سيطرة الحكومة، خلال ثمانية أيام في شهر يونيو الماضي، شاهدنا الكثير من المتناقضات. فهناك الركام والمباني الحديثة، ومن يعيشون في حزن مرير، إضافة إلى آخرين يعيشون حياتهم حتى الثمالة.

    على الرغم من مرور نحو عام على تحرير دوما إلا أن معظم المدينة لايزال غير قابل للسكن، وإن كانت هناك أعداد قليلة من الناس تعود إلى المدينة للعيش بين الركام.

    طباعة