ركّز على الاختلافات العرقية والحرب التجارية

ترامب نجح في تغيير مواقف الأميركيين لكنه خسر الدعم الشعبي

صورة

*

قبل عقود، وصف الرئيس الأميركي السابق تيدي روزفلت السلطة الرئاسية بأنها «منبر مُتنمر»، واستنتج أن قيمة المنصب الحقيقية لم تكن صلاحياته الدستورية، ولكن القدرة على التحدث وإقناع الناخبين. وبعد قرن من الزمان، عارض علماء السياسة روزفلت إلى حد كبير. لقد كتب عيزرا كلاين في مجلة «ذا نيويوركر»، في عام 2012، أن الرؤساء لا يملكون في الواقع الكثير من القوة للتأثير في الرأي العام.

ولكن ربما كان روزفلت على حق. يُظهر الاستطلاع الأخير أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب تمكن من إعادة تشكيل المواقف الأميركية إلى حد كبير في ما يتعلق بثلاث قضايا أساسية: العرق والهجرة والتجارة. ومع ذلك، فإن الجمهور ينقلب على آراء ترامب.

استطلاع لـ«رويترز» صدر قبل أيام، يحتوي على مجموعة من البيانات المثيرة للاهتمام، بشأن العرق. لقد سعى ترامب منذ فترة إلى استخدام التوتر العنصري لاكتساب نفوذ سياسي، لكن هذا الصيف أصبح صريحاً بشكل لافت باستغلال الانقسامات العنصرية والمبالغة في ذلك، مع سلسلة من الهجمات العنصرية على أربع نائبات من أعضاء الكونغرس الديمقراطيين، ثم على زميلهن إيليا كامينغز؛ كاستراتيجية قبل انتخابات 2020.

لكن استطلاع الوكالة يلقي بظلال من الشك على هذه الاستراتيجية؛ فقد وجد تحليل «رويترز»، أيضاً، أن الأميركيين كانت لديهم مشاعر أقل في ما يخص القلق العنصري هذا العام، وكانوا أكثر تعاطفاً مع الأميركيين من أصل إفريقي. وينطبق ذلك، أيضاً، على الأميركيين البيض، بمن فيهم الذين لم يحصلوا على شهادة جامعية، والذين ساندوا ترامب إلى حد كبير في عام 2016.

من بين التفاصيل، انخفاض نسبة البيض الذين يقولون «يجب على أميركا حماية تراثها الأوروبي الأبيض والحفاظ عليه»، بواقع تسع نقاط منذ أغسطس الماضي. وانخفضت النسب عند البيض عموماً والجمهوريين البيض، بشكل خاص، الذين يتفقون بشدة على أن «البيض يتعرضون للهجوم حالياً في هذا البلد» بمقدار 25 نقطة تقريباً عن الوقت نفسه قبل عامين.

تحامل عنصري

ليس من الواضح تماماً ما الذي يحفز هذه التغييرات. وترى الخبيرة السياسية في جامعة «ديوك»، آشلي غاردينا، أن هناك انخفاضاً بنسبة 10% في عدد الأميركيين الذين يتبنون سياسات الهوية البيضاء منذ تولي ترامب منصبه. وفسر العديد من أعضاء تلك المجموعة انتخاب باراك أوباما، أول رئيس أسود، «باعتباره تهديداً لمجموعتهم، ومع خروج أوباما من منصبه، بدأوا يشعرون بأنهم أقل تهديداً»، تقول غاردينا، التي تلاحظ، مع ذلك، أن الخطاب العنصري الأكثر وضوحاً لترامب يُنفر الناخبين الذين قد يشعرون بالتهديد، لكنهم لا يظهرون تحاملاً عنصرياً كلاسيكياً.

لكن عهد ترامب أدى إلى تطرف الديمقراطيين، خصوصاً البيض منهم، الذين يعتبرون في بعض الأحيان أكثر ليبرالية من زملائهم الديمقراطيين من الأقليات. وجدت «رويترز» أن عدداً أكبر من الديمقراطيين يقولون إن السود يُعاملون بشكل غير عادل في العمل، ومن قبل الشرطة، مقارنة بعام 2016 - وهو أمر ملحوظ بالنظر إلى كيف تراجعت تغطية عنف الشرطة تجاه الأميركيين الأفارقة في السنوات القليلة الماضية - في حين بقيت المواقف الجمهورية دون تغيير.

التركيز على العرق

في الوقت نفسه، تحول الرأي إزاء العرق، على سبيل المثال، يظهر في مكان آخر. الهجرة، وهي موضوع ترامب المفضل، لا يمكن فصلها عن العرق، خصوصاً في ضوء تركيز ترامب على الهجرة القادمة من أميركا اللاتينية.

وجدت «رويترز» أن الأميركيين البيض أكثر تأييداً، بنسبة 19% لطريقة ما لمنح الجنسية للمهاجرين غير المستحقين، عما كانوا عليه قبل أربع سنوات، وأقل تأييداً، أيضاً، للزيادة في عمليات الترحيل. استطلاعات أخرى تجد نتائج ذات صلة. قال عدد كبير من الأميركيين (75%) في عام 2018 إن الهجرة جيدة للولايات المتحدة. على الرغم من أن إدارة ترامب اتخذت خطوات للحد من الهجرة القانونية، إلا أن رئاسة ترامب شهدت زيادة في عدد الأميركيين الذين يدعمون المزيد من الهجرة القانونية، ليس فقط بين الديمقراطيين، ولكن حتى بين الجمهوريين.

خطاب عدواني

ترامب، كبقية الرؤساء الآخرين، ولكن بشكل أكثر جدلاً، يمارس نوعاً خاصاً من التأثير بحكم قدرته على تحديد موضوع النقاش. فبينما لم تتحقق أهداف الإدارة الأميركية بفرض قيود أكبر على الهجرة، تشير بيانات الاستطلاع إلى وجود رغبة شعبية كبيرة في المزيد من الهجرة، وذلك بفضل خطاب ترامب العدواني. علاوة على ذلك، كان هناك دليل على رد فعل عنيف ضد مراسيم الرئيس منذ الأشهر الأولى من ولايته. فقد نجح ترامب في فرض نقاش وطني حول الهجرة، ولكن بدلاً من جلب الناس إلى جانبه، أقنعهم بأنه مخطئ.

إحدى المشكلات الكبيرة التي واجهها ترامب هي أن الناخبين حصلوا على فرصة لرؤيته ينفذ أفكاراً تبدو جديدة أو على الأقل كانت مثيرة للاهتمام خلال الحملة السابقة، وهم لا يحبون ما يرونه في الواقع العملي. ربما بدت الحرب التجارية مع الصين جديرة بالاهتمام في صيف عام 2016، ولكن الآن بعد أن خاضت الولايات المتحدة حرباً فعلية، أصبح لدى الجمهور أفكار أخرى، مع زيادة المخاوف من الركود. وجد استطلاع للرأي أجرته شبكة «إن بي سي نيوز» بالتعاون مع «وول ستريت جورنال»، قبل أيام، أن 64% من الأميركيين يعتقدون أن التجارة الحرة جيدة، مقارنة مع 57% عام 2017، و55% في 2016، و51% عام 2015. وفي الوقت نفسه، انخفضت النسبة التي تقول إن التجارة الحرة سيئة 10 نقاط منذ عام 2017.

الدعم المتزايد للتجارة الحرة مثير للاهتمام في ضوء مواقف المتقدمين للترشيح الديمقراطي، تجاه التجارة. كان باراك أوباما يدعم التجارة الحرة وأنشأ شراكة عبر المحيط الهادئ، وهي اتفاقية تجارية كبرى نسفها ترامب في وقت مبكر من ولايته. كان لدى الحزب الديمقراطي شكوك إزاء التجارة. وفي بعض الحالات، رأت شخصيات مثل السناتور بيرني ساندرز وإليزابيث وارين، أن هذا التشكيك له جذوره في الآراء الاقتصادية القائمة منذ فترة طويلة. ولكن الديمقراطيين الآخرين الذين كانوا إلى جانب الصفقات التجارية غير واضحين، أيضاً. من الممكن أن يكونوا قد انجذبوا إلى حقل الجاذبية الذي تكون في عهد ترامب، بالمبالغة في تقدير المعارضة العامة للتجارة الحرة.

صلة مباشرة

يمكن أن يكون الاستطلاع الأخير مضللاً إلى حد ما. ويقدم استطلاع «رويترز» سبباً للاعتقاد بأن هذه التحولات ذات صلة مباشرة بالانتخابات المقبلة. ووجد سبر الآراء أن «الأشخاص الذين رفضوا الصور النمطية العنصرية كانوا أكثر اهتماماً بالتصويت في الانتخابات العامة لعام 2020 من أولئك الذين عبروا عن مستويات أقوى من التحيز المعادي للسود أو المناهضين للاتينيين». لم يكن هذا هو الحال في عام 2016، عندما كان الأميركيون الذين لديهم وجهات النظر المضادة للسود أكثر انخراطاً سياسياً.

من خلال تركيزه على زيادة الانقسامات العرقية، وتعزيز المخاوف المتعلقة بالهجرة، وخوض حرب تجارية، يستعد ترامب للمشاركة في إعادة انتخابه على الخروج بالقاعدة نفسها التي تبناها في عام 2016، على أمل أن هؤلاء الناخبين الذين انتخبوا باراك أوباما ولكن بقوا في منازلهم بدلاً من الإدلاء بأصواتهم لمصلحة هيلاري كلينتون؛ سيفعلونها مرة أخرى. لكن هامش فوز ترامب في عام 2016 كان ضعيفاً للغاية، لأنه فقد التصويت الشعبي وفاز بالولايات الرئيسة في الغرب الأوسط بفارق ضئيل. إذا ظل الناخبون المناهضون للعنصرية أكثر حماسة من الناخبين ذوي الأحكام المُسبقة، فمن الصعب أن نرى كيف يتكرر هذا السيناريو.

ديفيد غراهام كاتب سياسي


ترامب نجح في فرض نقاش وطني حول الهجرة، ولكن بدلاً من جلب الناس إلى جانبه، أقنعهم  بأنه مخطئ.

75 %

من الأميركيين يرون أن الهجرة جيدة للولايات المتحدة، في عام 2018.

10%

من الأميركيين تراجعوا عن التعصب للهوية البيضاء منذ تولي ترامب منصبه.

طباعة