لأنه يرى في وضعها شذوذاً دستورياً وانحرافاً أيديولوجياً

    حزب مودي يسعى لضم ولاية كشمير إلى الهند

    صورة

    كشمير، التي بسببها انخرطت الهند وباكستان في أربع حروب منذ انقسام الأخيرة عن شبه القارة الهندية عام 1947، أصبحت الآن ميدان معركة للتنافس والصراع الأيديولوجي. وبالنسبة لباكستان كانت جامو وكشمير ذات الأغلبية المسلمة، تمثل قطعة مفقودة ومهمة بالنسبة لموقعها كوطن المسلمين في جنوب آسيا. أما بالنسبة للهند، فقد أصبحت رمز العلمانية في مشروع بناء الدولة في مرحلة ما بعد الاستعمار. لكن مع ارتفاع حدة التعصب القومي الهندي، تتم الآن إعادة تعريف الهند وتغيير أهدافها. ولتأكيد إعادة التعريف كدولة علمانية، كما أنها دولة تفوق الأغلبية، كانت كشمير هي المكان الأمثل لتحقيق ذلك: فهي منطقة مقبولة دولياً، ومن قبل الأمم المتحدة تقطنها أغلبية مسلمة وقامت بتمرد مسلح ضد الهند، خلال العقود الثلاثة الماضية.

    ولطالما نظر الحزب الحاكم في الهند «بهراتيا جناتا» المتطرف قومياً، وفروعه الأخرى وأنصاره، إلى كشمير ومكانتها في الهند باعتبارها شذوذاً دستورياً وانحرافاً أيديولوجياً، إذ إنها تمثل سيادة ضمن سيادة، وهي جزيرة تقطنها أغلبية مسلمة وغنية بمواردها الطبيعية، ومتميزة دستورياً في منطقة الهيمالايا. وكانت كشمير بالنسبة لهذا الحزب هي المكان الجغرافي الأمثل الذي يعلنون منه سيطرة القومية الهندية الجديدة وأغلبيتها الساحقة.

    وقبل أسبوعين، أي بعد شهرين على إعادة انتخاب رئيس الوزراء نارندرا مودي، وحزبه مرة ثانية لحكم الهند، اتخذت حكومته قرارها الأحادي وغير المتوقع لإلغاء الوضع الدستوري الخاص بولاية جامو وكشمير. وتم تشويه سلامتها الإقليمية عن طريق تقسيمها إلى منطقتين تداران بصورة فيدرالية، في حين تم تجريد مجلس حكمها من سلطته وتعرض شعبها للحرمان.

    وقبل إعلان هذه الخطوة الكارثية، تم نقل عشرات الآلاف من الجنود الهنود إلى كشمير لضمان الإغلاق الكامل لها، وقطع جميع اتصالاتها مع العالم الخارجي. ووافق البرلمان الهندي على هذه الخطوة التي تقضي بتحويل شعب كشمير إلى مواطنين من الدرجة الثانية، حيث أصبح هؤلاء سجناء داخل بيوتهم.

    خطيئة دستورية

    وعلى الرغم من أنه تم تنفيذ هذه العملية بسرية ودقة عملية عسكرية، فإن الخطيئة الدستورية التي تم ارتكابها حظيت بقبول الشعب الهندي، نتيجة الدعاية التي سبقتها على شاشات التلفزة والصحافة ومواقع التواصل الاجتماعي. والمادة 370 من الدستور الهندي واضحة في توصيف العلاقة بين كشمير والهند، وهي تنص على أنه لا يجب إجراء أي تغيير لهذه العلاقة دون موافقة المجلس الدستوري لكشمير، الذي انعقد عام 1951، وتم حله عام 1954.

    وترجع عملية إضعاف شخصية الحكم الذاتي لكشمير إلى خمسينات القرن الماضي. وحتى بعد انفصالها عن الهند كان لكشمير قانون خاص بها ولها علمها الوطني ورئيس حكومتها ورئيسها. وكانت هي الولاية الوحيدة التي تملك خيار عدم تنفيذ التشريعات الفيدرالية عن طريق عدم تمريرها للمجلس التشريعي للولاية. ولم يصبح سكان كشمير مواطنين هنوداً إلا بعد عام 1954، كما أن الهنود كانوا بحاجة للحصول على إذن لدخول كشمير حتى عام 1959. ومع مرور الزمان، تم سحب الضمانات الدستورية أو تخفيفها لتقليص وضع الحكم الذاتي الأصلي لكشمير، لكن لم يتم تغيير هيكلية إدارة الولاية.

    ولكن حكومة حزب بهراتيا جاناتا تجرأت على القيام لتعديل الفقرة الأساسية في المادة رقم 367 من الدستور الهندي، وتم استبدال تسمية «الجمعية التأسيسية» بـ«المجلس التشريعي»، وتمت صياغة دستور للولاية يوافق على العلاقة مع الهند. وكان المجلس الأول يعبر عن سلطة سيادة، في حين أن المجلس الجديد يجسد سلطة تمثيلية.

    وساعد هذا التغيير الحكومة الهندية على إلغاء المادة 370، التي تجسد حالة الحكم الذاتي للولاية بموافقة المجلس التشريعي لجامو وكشمير. وعلى الرغم من إلغاء تأثير المادة 370، فإنها لاتزال في الكتب كبقايا من الماضي. والآن بدأت عملية إلغائها. وتملك المحكمة العليا في الهند سلطة مراجعة ورفض أي تعديل دستوري سنه البرلمان، إذا كان يغير الهيكلية الأساسية للدستور كما فعل هذا التعديل السابق، لكن في الهند الجديدة ليس هناك أي أمل بتحقيق العدالة.

    عام بلا حكومة

    ولأكثر من عام بقيت جامو وكشمير بلا حكومة منتخبة، حيث كانت تحكم من قبل الرئيس الهندي من خلال حاكم عينته حكومة مودي. وفي يوم الإثنين الماضي، ساوى الرئيس الهندي بين الحاكم المعين فيدرالياً مع ممثلي جامو وكشمير المنتخبين، وصادر كل سلطاتها الدستورية والتشريعية، وأصبحت رهن يديه. وهذا يعتبر دفناً دستورياً للحقوق الديمقراطية لشعب كشمير.

    وزادت التعديلات التي قامت بها حكومة مودي إلى تقليص وضع جامو وكشمير السابق، لتصبح ملحقة بالحكومة الفيدرالية، كي تتم إدارتها فعلياً من قبل نيودلهي. وأسهمت هذه الإجراءات في إلغاء حقوق المواطنين التي سنها مهراجا كاشمير عام 1927، وتم دمجها بالمادة 35 من القانون الهندي لعام 1954، الذي منح شعب كشمير حقوقاً حصرية في العقارات ضمن الولاية. ولم يكن مسموحا للمواطنين الهنود غير المقيمين في الولاية بشراء أراضٍ في كشمير.

    وأدى محو حقوق الإقامة إلى تغيير اتجاه تغيير الهوية الديموغرافي للولاية الوحيدة ذات الأغلبية المسلمة في الهند، وهي رغبة قديمة للقوميين الهندوس، أو النسخة الهندية من سياسة المستوطنات الإسرائيلية، أو ما فعله الصينيون في التبت، حيث عملوا على تدفق الصينيين إليها. ويهدف حزب مودي إلى السيطرة على الجمعية التشريعية في كشمير التي يتم حكمها الآن فيدرالياً. ويمكن أن يحدث هذا سريعاً في غضون الأشهر الستة المقبلة، وعندها سيتم طمس ما تبقى من هوية كشمير. وبذلك، تستطيع الحكومة الفيدرالية الحصول على أي اتفاق من شأنه أن يشرعن المخالفات الدستورية التي تم ارتكابها. وفي الوقت ذاته، في كشمير، سيكون للمقاتلين الذين يحاربون من أجل رفع المظالم، والخيانات التاريخية، سبب جديد للقتال. وسيكون هؤلاء المقاتلون مدعومين معنوياً حتى من قبل الأحزاب المؤيدة للهند في الولاية. وسيصبح الفضاء السياسي المزدحم في كشمير محدداً في فرعين، هما: الأذلاء المؤيدون لنيودلهي والانفصاليون، ولن يكون هناك أحد في المنتصف.

    كارثة

    إن ما حدث لكشمير يعتبر كارثة، بيد أنه يهدد تأثير الحكومة الهندية الفيدرالية أيضاً في الولايات الأخرى، كما أنه سيغير الاتفاق الاجتماعي مع الشعب في شتى أنحاء الدولة.

    إن طبيعة وأسلوب التغيير الذي فرض على كشمير، يجعلان الهند تبدو كجمهورية ديمقراطية مقابل الهند كديمقراطية تفوق الأغلبية. وإثر الهجوم على ما تبقى من حكم ذاتي وحالة خاصة لكشمير، يكون دستور الهند قد تخلى عن مهمته كحامٍ في مواجهة السلطة المتوحشة لتفوق الأغلبية.

    حسيب درابو وزير المالية السابق في جامو وكشمير


    على الرغم من أنه تم تنفيذ خطة إلغاء الوضع الخاص بولاية جامو وكشمير بسرية ودقة عملية عسكرية، فإن الخطيئة الدستورية التي تم ارتكابها حظيت بقبول الشعب الهندي.

    عملية إضعاف شخصية الحكم الذاتي لكشمير ترجع إلى خمسينات القرن الماضي. وحتى بعد انفصالها عن الهند كان لكشمير قانون خاص بها، ولها علمها الوطني، ورئيس حكومتها، ورئيسها.

    طباعة