شكل من أشكال «الرشوة السياسية»

الأهداف المستترة وراء تمسّك تركيا بصفقة «إس 400»

صورة

تدخل العلاقات بين الولايات المتحدة وتركيا مرحلة جديدة من التوتر مع تسلّم الأخيرة شحنات منظومة الدفاع الجوي الروسية (إس 400)، إذ أعلنت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنها ستفرض عقوبات قاسية على أنقرة لتقاربها العسكري مع خصم ومنافس استراتيجي لواشنطن (روسيا)، منها إنهاء مشاركتها في برنامج الطائرات (إف 35) المتقدمة.

وفي محاولة للحد من هواجس الأميركيين من تسلّم تركيا منظومة الدفاع الروسية، أوضح عدد من المسؤولين الأتراك أن تلك الصفقة تهدف إلى توفير نظام دفاعي جوي وصاروخي جديد، لتعدد المخاطر الأمنية في منطقة الشرق الأوسط، والتي تؤثر في الأمن القومي لتركيا، ويضيفون أنه لا توجد أسباب لأي قلق أميركي.

وفي هذا الإطار، يحاول كريم هاس، الباحث السياسي المتخصص في شؤون آسيا وأوراسيا، في دراسة بعنوان «تركيا، وروسيا، وأزمة إس 400 التي تلوح في الأفق» نُشرت بمعهد الشرق الأوسط في العاشر من يوليو الماضي، كشف أسباب قيام أنقرة بحيازة قدرة عسكرية في حجم (إس 400) من خصم تاريخي لها في السابق، واحتمالات مواجهة تركيا مزيداً من التداعيات الدولية المؤثرة في توجهاتها الجيوسياسية في المستقبل نتيجة ذلك الإجراء.

تقارب وعقوبات

يوضح الباحث أنه في أعقاب الأزمة التي حدثت بين تركيا وروسيا في نوفمبر 2015، عندما قامت الأولى بإسقاط طائرة مقاتلة للثانية بالقرب من حدودها مع سورية، حدث تقارب بين البلدين بدءاً من يونيو 2016. ودخلت العلاقات الثنائية بينهما مرحلة جديدة، تصدرت فيها الشؤون الإقليمية، خصوصاً الأزمة السورية، جدول الأعمال. كما أصبحت المشكلات الإقليمية المعقدة (مثل: الإرهاب، والمسألة الكردية، ودولة العراق الهشة، ودور إيران المتنامي في المنطقة، وغيرها..) عوامل مهمة في العلاقات متعددة الأبعاد بين أنقرة وموسكو.

وقد برز قطاعا الأمن والدفاع كمجالين رئيسين للتعاون الثنائي بينهما، واتضح ذلك في قدرتهما على إدارة خلافاتهما في القضايا السابقة، وفي قيامهما بالتفاوض حول منظومة الدفاع (إس 400) في خريف عام 2016، والتي تقدر بنحو 5.2 مليارات دولار.

وأشار الباحث إلى أنه بمجرد إعلان الاتفاق بين الدولتين على شراء تركيا منظومة (إس 400) الروسية، تسارعت ردود الفعل الأميركية، إذ بدأت الولايات المتحدة في الضغط على حليفها الاستراتيجي في المنطقة، والعضو بحلف شمال الأطلنطي (الناتو) للتراجع عن شراء المنظومة الروسية. وأصرّت واشنطن على تعليق مشاركة الشركات التركية في مشروع الطائرات المقاتلة (إف 35)، وهو ما يُمثّل خسارة بمليارات الدولارات لها. وهددت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) أيضاً بمنع مبيعات تلك الطائرات إلى أنقرة، رغم أنه كان من المخطط شراؤها أكثر من 100 طائرة من الطراز ذاته خلال السنوات المقبلة.

وعلى صعيد آخر، هدّد الكونغرس الأميركي تركيا بفرض عقوبات اقتصادية إضافية عليها، وفق قانون «مكافحة أعداء أميركا من خلال العقوبات» «CAATSA» لعام 2017، وهي الخطوة التي من شأنها أن تلحق الضرر بصناعة الدفاع والقطاع المصرفي التركي.

تعارض المصالح

يرى الباحث أن إقدام تركيا على شراء منظومة الدفاع (إس 400) يتعارض مع مصالحها الخاصة، وأنه سيرتب ثلاث عواقب رئيسة، من شأنها أن تؤثر في توجهها الجيوسياسي، تتمثل في ما يلي:

أولاً- إن منظومة (إس 400) لا تتوافق مع أنظمة الأسلحة والرادار التابعة لحلف شمال الأطلنطي، والموجودة داخل تركيا. وتلك حقيقة يعترف بها المسؤولون الأتراك. ويشير كريم إلى أن موسكو رفضت طلب أنقرة بالوصول إلى الرموز الإلكترونية والبيانات الداخلية للمنظومة الدفاعية، ما يعني أن نظام تحديد هوية الأصدقاء أو العدو سيُظهر على الأرجح جميع الطائرات في المجال الجوي التركي كأشياء غير معروفة باستثناء الطائرات التركية الخاصة.

وعلى هذا المنوال، اعتبر كريم أن ذلك سيحد من قدرتها على القضاء على التهديدات الخارجية المحتملة، ما يزيد من خطر أن يؤدي التعرف الخاطئ إلى الطائرات إلى نزاع عسكري. ويضيف أنه مما لاشك فيه، أن منظومة (إس 400) لن تتعامل مع التهديدات المحتملة من روسيا وحلفائها في المنطقة، مثل أرمينيا وسورية وإيران.

ويذهب كريم إلى أنه رغم عرض تركيا على الولايات المتحدة إنشاء مجموعة عمل مشتركة لإزالة مخاوفها المتعلقة بالمخاطر المحتملة التي تُمثلها منظومة الدفاع الروسية على الطائرات (إف 35) الأميركية، فإن ذلك لن يجعل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أو أي شخص آخر في مأمن من تدخل عسكري أميركي محتمل.

ثانياً- تعتبر الدراسة أن المنظومة الدفاعية الجديدة لن تُسهم في تطوير صناعة الدفاع التركية، بل إنها قد تتركها في وضع أسوأ، حيث أعلنت روسيا بشكل متكرر أن صفقة (إس 400) لا تنص على نقل التكنولوجيا الحيوية إلى أنقرة، رغم أن تلك المزايا شكّلت كثيراً من المبررات التركية للتفاوض مع موسكو في البداية.

ومن ثم يرى الباحث أن انتقادات تركيا لمنظومة الدفاع الجوي الصاروخي الأميركي «باتريوت»، وتفضيلها (إس 400) بدلاً عنها، لا تستند إلى نقل التكنولوجيا والإنتاج المشترك، كما ادعت أنقرة. وهو ما يراه معياراً مزدوجاً في تقييم العروض الأميركية والروسية.

ثالثاً- يوضح كريم أن المستفيد الأول من الصفقة هي روسيا، التي تعمّدت إتمام الصفقة لإحداث خلاف حاد بين تركيا وحلف شمال الأطلنطي (الناتو)، حيث إن قيام موسكو ببيع صواريخ إلى دولة عضو في حلف «الناتو»، ولاعب رئيس في شؤون الشرق الأوسط، بمثابة فوز كبير للاستراتيجية الروسية، ويُسهم في تعزيز مكانة موسكو الدولية، وسلطاتها في المنطقة التي تعد منطقة نفوذ أميركية منذ عقود طويلة.

السيادة الوطنية أم ضرورات الواقع؟

يرى كريم أن صفقة (إس 400) ليست مسألة سيادة وطنية، كما يدّعي العديد من المسؤولين الأتراك، فهي لا تعدو كونها مجرد خيار عملي من دون أي أساس استراتيجي عقلاني.

واعتبر الباحث أن شراء تركيا منظومة (إس 400) يُمهد لسيناريو غير مُستبعد، حيث قد يتحول «الدعم الفني» للجيش الروسي ببطء إلى وجود عسكري دائم على أراضي تركيا. ويضيف أن تزايد اعتماد أنقرة على موسكو سيُعيق مساعيها لتحقيق مصالحها في مناطق متنوعة مثل القوقاز، والقرم، والبحر الأسود، والبلقان، والشرق الأوسط، وشرق البحر المتوسط.

المصالح الاستراتيجية مقابل الشخصية

حاول كريم في دراسته إيجاد تفسير دقيق لسبب تصميم تركيا على الحصول على منظومة (إس 400). وقد أرجع ذلك إلى عدد من العوامل، منها أزمة الحكم بدءاً من احتجاجات «متنزه غيزي» عام 2013، وانتهاءً بالانتخابات البلدية التي جرت بإسطنبول في يونيو الماضي. بالإضافة إلى الأزمة المالية الضخمة التي تواجهها الحكومة، وتهديدات التنظيمات الإرهابية المتواجدة على أراضي سورية، والمشكلة الكردية.

لذا يعتبر الباحث أن صفقة (إس 400) شكل من أشكال «الرشوة السياسية»، أو بمثابة دفعة مقدمة لضمان الدعم الروسي إذا واجه «أردوغان» تحدياً لحكمه على غرار ما حدث في فنزويلا أو سورية، برغم ما قد تؤدي إليه من فرض عقوبات أميركية، تُسبب مزيداً من التدهور في الاقتصاد التركي، وتسارع الاحتجاجات في الشارع.

وختاماً، يرى الباحث أن من الصعوبة بمكان أن تنسحب الحكومة التركية من صفقة (إس 400) لأسباب عدة، أولها: أنها لم تحصل على ضمانات من الولايات المتحدة وشركائها الغربيين بضمان بقائها السياسي على المدى الطويل. وثانيها: أنه لا يمكن للقيادة التركية الحالية أن تتوقع رد فعل روسيا إذا ما انهارت الصفقة. وثالثها: أن الفصائل المختلفة من القوميين والموالين لأردوغان، وغيرهم داخل النخبة الحاكمة في الوقت الحالي، لديهم مصالح متباينة من توقيع الصفقة، وبالتالي فإن الإلغاء المحتمل قد يطلق صراعاً داخلياً على السلطة.


صفقة «إس 400» ليست مسألة سيادة وطنية، كما يدّعي العديد من المسؤولين الأتراك، ولا تعدو كونها مجرد خيار عملي من دون أي أساس استراتيجي عقلاني.

في أعقاب الأزمة التي حدثت بين تركيا وروسيا في نوفمبر 2015، عندما قامت الأولى بإسقاط طائرة مقاتلة للثانية بالقرب من حدودها مع سورية، حدث تقارب بين البلدين بدءاً من يونيو 2016، ودخلت العلاقات الثنائية بينهما مرحلة جديدة، تصدرت فيها الشؤون الإقليمية، خصوصاً الأزمة السورية، جدول الأعمال.

طباعة