تواجه عوائق عند التطبيق

برامج أوروبا للوقاية من التطرف.. ما بين تفكيك الأيديولوجيا ورفع المظالم

صورة

مع تزايد التهديدات الأمنية التي تواجهها الدول الأوروبية في الوقت الراهن، التي يأتي في مقدمتها تزايد حالات عودة الأوروبيين الذين شاركوا في القتال مع تنظيم «داعش» الإرهابي، بعد خسارته مناطق سيطرته في العراق وسورية، إلى أوطانهم، تبرز أهمية بحث الإجراءات التي تتبناها تلك الدول لمعالجة العوامل التي تؤدي إلى التطرف والإرهاب بين مواطنيها، وتلك التي تدفع بعضهم إلى التعاطف مع التنظيمات المتطرفة داخل القارة وخارجها.

وفي هذا السياق، تأتي دراسة «روبن سيمكوكس»، المعنونة بـ«تقييم جهود أوروبا لمعارضة التطرف الإسلامي»، التي أصدرها معهد هدسون في مارس 2019، والتي تناقش البرامج الوقائية التي اتّبعتها أربع دول أوروبية (المملكة المتحدة، وألمانيا، والسويد، وفرنسا)، تعرضت لهجمات إرهابية خلال السنوات الماضية لمعالجة العوامل التي تؤدي إلى التطرف، وتسهيل اندماج اللاجئين داخل المجتمعات الأوروبية.

تقييم الاستراتيجية البريطانية

بداية يشير «روبن» إلى أن المملكة المتحدة شهدت خلال الفترة بين يناير 2014 وديسمبر الماضي 37 حادثاً ما بين هجمات إرهابية أو أعمال عنف، تسببت في عدد كبير من الوفيات والإصابات. ويضيف أن المخابرات البريطانية ألقت القبض على 3000 شخص للتحقيق معهم بخصوص تلك الأحداث. وتذكر الدراسة أن لندن وضعت استراتيجية للتصدي للتهديدات الإرهابية، ركزت بصورة كبيرة على آلية الوقاية من الهجمات الإرهابية أو منعها، والتي تقع على عاتق مؤسسات الحكم المحلي، التي كان لها الدور المركزي في منع تمويل التنظيمات الإرهابية.

لكن الباحث يتحدث عن أنه بعد وصول تحالف حزبي المحافظين والليبرالي الديمقراطي إلى السلطة في مايو 2010، لم تعد الحكومة البريطانية تعتمد على المجالس المحلية، بل اعتمدت على وزارة الداخلية لوضع استراتيجية لمعالجة جميع أشكال التطرف الأيديولوجي، بما فيها الإرهاب والتطرف غير العنيف. وتتضمن استراتيجية المملكة المتحدة لمكافحة الإرهاب التعاون مع المنظمات الإسلامية، وعدم معارضة القيم الخاصة بحقوق الإنسان والمساواة أمام القانون والديمقراطية والمشاركة الكاملة في المجتمع، وإصدار عدد من التشريعات التي تلزم السجون والمستشفيات والمدارس والجامعات بتوفير البرامج التدريبية اللازمة للمساعدة في تحديد الأشخاص المعرضين لخطر التطرف.

وقد أصدرت الحكومة البريطانية عدداً من المبادرات التي تهدف إلى التركيز على التطرف العنيف وغير العنيف ومن ضمنها كانت المراجعة الرسمية لجماعة الإخوان التي بدأت في عام 2014، والتي خلُصت إلى أن أيديولوجيتها داخل المملكة المتحدة وخارجها تتعارض مع القيم التي تؤسس عليها المملكة، وبالتالي فهي مخالفة للمصالح الوطنية والأمن القومي البريطاني.

وينتقد «روبن» استراتيجية مكافحة التطرف لعام 2015، لكونها لم تصل إلى نهج حازم لهزيمة المتطرفين وتحدي أيديولوجيتهم، لذا أوصت اللجنة المسؤولة عن مراجعتها بضرورة التركيز بشكل أكبر على القيم البريطانية، واندماج المهاجرين الوافدين. كما أطلقت الحكومة البريطانية لجنة مكافحة التطرف في عام 2018، برئاسة سارة خاني (الناقدة للأيديولوجيات المتطرفة)، التي خلُصت إلى أن خروج لندن من الاتحاد الأوروبي سيؤثر في أجندة مكافحة التطرف ودمج المهاجرين.

سياسات الوقاية الألمانية

تتحدث الدراسة عن أن ألمانيا شهدت في الفترة ما بين يناير 2014 وديسمبر من العام الماضي 34 عملاً عنيفاً، نتجت عنها تسع إصابات. وتضيف أنه حسب إحصاءات وزارة الداخلية الألمانية فبحلول أوائل عام 2017 غادر أكثر من 1000 ألماني إلى سورية، وقد عاد نحو 300 منهم ضمن اللاجئين الذين فروا إليها. ويرى «روبن» أن التهديد الإرهابي لبرلين لايزال في ارتفاع شديد، حيث ترتبط المشكلات الأمنية ارتباطاً مباشراً بسياسات اللجوء الخاصة بها، إذ استقبلت الحكومة ما يقرب من 1,5 مليون طالب لجوء، معظمها من الدول ذات الأغلبية المسلمة، إلا أنه مع استمرار هذه التهديدات، قررت الحكومة الألمانية ترحيل أولئك الذين ليس لهم حق قانوني في البقاء بالبلاد، خصوصاً مع ارتكاب طالبي اللجوء عدداً من الجرائم، ومنها جرائم الاغتصاب.

ويؤكد الباحث أن سياسات اللجوء التي تتبعها الحكومة الألمانية أدت إلى خلاف كبير داخل المجتمع. فقد أظهر استطلاع للرأي أجرته مؤسسة «تشاتام هاوس» في فبراير 2017، أن 53% من الألمان يوافقون على أن الهجرة الإضافية من الدول ذات الأغلبية المسلمة يجب إيقافها.

وتذكر الدراسة أن ألمانيا تركز على سياسات الوقاية، حيث تتبنى عدداً من البرامج الخاصة بالوقاية من الإرهاب منذ عام 1992، على عكس البلدان الأوروبية الأخرى. ولا تركز أنشطة الوقاية على عنف بعض المواطنين المسلمين فقط، ولكنها تمتد إلى اليمين المتطرف، وما يقوم به من عمليات القتل التي يرتكبها النازيون الجدد.

ويُضيف الباحث أن الحكومة الألمانية تركز جهودها في الوقت الراهن على مواجهة جميع أشكال التطرف، من خلال استراتيجية شاملة لمنع التطرف وتعزيز الديمقراطية نشرت في يوليو 2016، كما أنفقت الحكومة المزيد من الأموال على برامج الوقاية خلال عام 2017.

سياسة أكثر تطوراً

تشير الدراسة إلى أن استراتيجية السويد لمواجهة التطرف العنيف والإرهاب هي الأكثر تطوراً بين الدول الأوروبية، حيث يركز نهجها في مجال الوقاية على منع الجريمة، ووقف أعمال العنف، ومعالجة المظالم، بدلاً من التركيز على المعالجة الأيديولوجية غير العنيفة من خلال الالتزام بحرية التعبير.

وتقع أعمال الوقاية على عاتق وزارة الثقافة والديمقراطية. وهذا يعكس حقيقة أن السويد ترى أن تعزيز حقوق الإنسان والديمقراطية أفضل عائق أمام العنف والإرهاب. وفي مرحلة تالية، وُضعت تحت رعاية وزارة العدل. ففي يناير 2018، تم إنشاء مركز لمنع التطرف العنيف، يعمل تحت إشراف المجلس الوطني لمنع الجريمة بالوزارة، التي أضحت مكلفة بتطوير العمل القائم على المعرفة والعمل المشترك بين القطاعات في منع التطرف العنيف على المستويات الوطنية والإقليمية والمحلية في الدولة.

ويذكر الباحث أن التحدي الكبير لجهود الوقاية يتمثل في افتقار الحكومة المركزية إلى السلطة، حيث يوضح أن هناك 290 بلدية في السويد (فروع للحكومة المحلية) تتمتع باستقلالية في تقديم الخدمات الاجتماعية والتعليم. ورغم تعيين منسق وطني، تتمثل مهمته الرئيسة في تطوير وتعزيز العمل الجاري على المستوى المحلي، وضمان وجود تعاون بين السلطات الحكومية والبلديات ومنظمات المجتمع المدني، إلا أن الدولة لاتزال تواجه تحدياً كبيراً في دمج العدد الكبير من طالبي اللجوء والمهاجرين الذين قبلتهم بعد عام 2015، حيث استقبلت 163 ألف طالب لجوء في ذلك العام، معظمهم من أفغانستان والعراق وسورية.

وفي سبيل مكافحة هذه الظاهرة، اقترحت الحكومة ترحيل الذين ليست لديهم أوراق هوية، أو الذين يأتون من مناطق الحروب. لكن هذا الاقتراح واجهته بعض الإشكاليات، لاسيما بعد قيام أحد طالبي اللجوء من أوزبكستان بتنفيذ هجوم في أبريل 2017.

وتشير الدراسة إلى أن هناك أدلة كثيرة على عدم نجاح اندماج هؤلاء اللاجئين في المجتمع، فنحو 23% من المهاجرين غير الأوروبيين في السويد عاطلون عن العمل، مقارنة بـ4% من المواطنين السويديين، ما يتسبب في تزايد معدلات عنف داخل مجتمعات المهاجرين، مع ارتفاع جرائم القتل بالأسلحة النارية المرتبطة بالعصابات بصورة حادة.

وعلى الرغم من كل هذا، فإن المسؤولين السويديين - بحسب الدراسة - لديهم موقف إيجابي بشكل عام تجاه اللجوء، ويرون استعدادهم لاستقبال عدد كبير من طالبي اللجوء كالتزام عالمي، وترحيبهم باللاجئين كدعم للاقتصاد. وكان للدولة نجاح ملحوظ في دمج أولئك الفارين من البلقان في التسعينات، وعلى الرغم من ذلك فقد أظهر استطلاع للرأي أجرته المفوضية الأوروبية في أبريل 2018 أن 73% من المستطلعين لا يعتقدون أن دمج المهاجرين كان ناجحاً في السويد.

التجربة الفرنسية

على الرغم من أن مؤسسة التراث الفرنسية كشفت في تقرير لها أن باريس هي الدولة الأوروبية التي تتعرض لهجمات إرهابية كثيرة، إلا أن لديها نمطاً ناجحاً بشكل مدهش لاندماج المسلمين في المجتمع الفرنسي. ففي الفترة ما بين يناير 2014 وديسمبر 2018، واجهت الدولة 87 حادثاً، ما أدى إلى وقوع 30 مصاباً ووفاة 57 آخرين. وتتحدث الدراسة عن نمو التيار السلفي بوتيرة سريعة في المجتمع الفرنسي، حيث تقدر وكالة الاستخبارات الإقليمية المركزية التابعة للحكومة الفرنسية أن هناك نحو 50 ألف سلفي في فرنسا اليوم.

ويُشير الباحث إلى أن التطرف ينتشر في فرنسا لأسباب عدة، منها: التزام الدولة الشديد بالعلمانية، والمواقف العنصرية تجاه المهاجرين من شمال إفريقيا، والعداء العام تجاه المسلمين. وتنقل الدراسة عن مقال نُشر في يناير 2015 أن العلمانية الراديكالية لباريس قد وضعتها في مسار تصادمي مع الممارسات الإسلامية.

ويوضح «روبن» أنه على الرغم من أن فرنسا انتهجت نهجاً مختلفاً عن الدول الأوروبية الأخرى في الدخول إلى المناطق الإسلامية، كان هناك اتجاه داخل الدولة يتحدث عن أنها مستعدة لاتخاذ بعض السياسات التي تثير حفيظة المسلمين، مثل: إغلاق المساجد، وحظر النقاب في الأماكن العامة، ومحاولة إيقاف التمويل الأجنبي للمساجد الفرنسية. ويتحدث عن أن العديد من المسلمين الفرنسيين اندمجوا بنجاح في المجتمع، وهناك ما يقرب من 20% من الجيش الفرنسي مسلم، وهذا يعني أن ما يقرب من 26 ألفاً و500 إلى 53 ألف مسلم يخدمون في القوات المسلحة الفرنسية. وهناك ما يقرب من ستة ملايين مسلم يعيشون في فرنسا، يمثلون نحو 8.8% من إجمالي السكان، وهذا ما يعكس عدد المسلمين بالدولة الراغبين في خدمة بلادهم أيضاً.

وتختلف مواجهة فرنسا للتطرف عن الدول الأوروبية الأخرى، فكانت سياستها أقل اعتماداً على قيادة المجتمع، وأكثر اعتماداً على علم النفس والرعاية الاجتماعية. ولكن هذا النهج أثبت فشله، وهو الأمر الذي دفع الحكومة الفرنسية إلى اتباع نهج استباقي للوقاية. ففي فبراير 2018، أطلقت فرنسا خطة وطنية لمنع التطرف، تتبنى مقاربة واسعة النطاق، حيث تتعمق في كل شيء، مثل: التعليم، والرياضة، والحكومة المحلية، والمؤسسات الخاصة، إضافة إلى تطوير الدعم للعلمانية، واستخدام الروايات المضادة، وزيادة الرقابة الحكومية على التعليم الخاص، وإزالة المحتوى الإرهابي غير القانوني على الإنترنت بشكل أسرع، وتدريب المعلمين على اكتشاف علامات التطرف، ومشاركة أكبر من المتخصصين في الصحة العقلية.

مجموعة من التحديات

خلُصت الدراسة إلى أن أوروبا تواجه مجموعة من التحديات الأمنية المرتبطة بتزايد معدلات العنف والتطرف. وتحذر من أنه إذا لم يحدث اندماج للمهاجرين في المجتمع فستتزايد معدلات الهجمات الإرهابية، وسيتدهور التماسك الاجتماعي، ما سيدفع المواطن الأوروبي إلى التصويت للأحزاب السياسية الراديكالية التي تعد بإصلاح هذه الإشكاليات.

• استراتيجية السويد لمواجهة التطرف والإرهاب هي الأكثر تطوراً بين الدول الأوروبية، ويركز نهجها على منع الجريمة، ووقف أعمال العنف، ومعالجة المظالم، بدلاً من التركيز على المعالجة الأيديولوجية غير العنيفة من خلال الالتزام بحرية التعبير.

طباعة