بعد مخاوف أبدتها الولايات المتحدة

العراق يلجم نفوذ ميليشيات الحشد الشعبي الموالية لإيران

صورة

أصدر رئيس الوزراء العراقي، عادل عبدالمهدي، مرسوماً يوم الإثنين الماضي، يكبح بموجبه جماح ميليشيات قوات الحشد الشعبي، في محاولة منه للحد من نفوذها المتزايد في بعض المجالات الاقتصادية، وسيطرتها على نقاط التفتيش في بعض المحافظات. ونظراً لارتباط هذه الجماعات المسلحة بإيران، فقد مارست الولايات المتحدة ضغوطاً على عبدالمهدي، لوضع حد لنفوذها. في مارس 2018، حاول رئيس الوزراء السابق، حيدر العبادي، الحد من استقلالية الميليشيات، بجعلها جزءاً من قوات الأمن في البلاد، لكنها ظلت مستقلة إلى حد كبير. ويعيد مرسوم عبدالمهدي تأكيد الأمر الصادر من العبادي، ويذهب لأبعد من ذلك بإصداره أوامر صارمة وصريحة لهذه الميليشيات بمغادرة مقارها العسكرية المحلية، وإغلاق ما تطلق عليه مكاتبها الاقتصادية.

ويجيء هذا المرسوم بعد أسبوعين من هجوم ضمن سلسلة من الهجمات على قواعد في العراق، تستضيف قوات أميركية، وعلى موقع لشركة طاقة أميركية. ويلقى مسؤولون محليون اللوم بشأن هذه الهجمات على هذه الميليشيات. وكان وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، قد أخبر الزعماء العراقيين، خلال اجتماع مفاجئ له في مايو بالعراق، وسط خضم التوتر الحاد بين أميركا وإيران، بأنهم إن لم يلجموا هذه الميليشيات فإن القوات الأميركية سترد بقوة.

الطريقة غامضة

ولم تتأكد بَعْدُ الطريقة التي يستطيع بها عبدالمهدي تنفيذ هذا المرسوم، أو حتى ما إذا كان يستطيع تنفيذه. وقد حدد الأمر مهلة زمنية صارمة، تلتزم بها الميليشيات وتنتهي في 31 يوليو. ووجد هذا المرسوم ترحيباً من قبل العديد من مجموعات الحشد الشعبي، بما في ذلك أكبر المجموعات وأكثرها قوة، وهي كتائب السلام، المرتبطة بالزعيم الشيعي، ذي النفوذ الواسع، مقتدى الصدر، الذي أكد أنهم يضعون بالفعل القواعد الجديدة موضع التنفيذ.

ويقول المتحدث باسم كتائب السلام، صفاء التميمي: «بدءاً من هذا اليوم فقد قمنا بتفكيك كتائب السلام، وهم الآن منفصلون عن مقتدى الصدر». ويمضي قائلاً «من الآن فصاعداً سنُعرف باسم اللواء 313 و314 و315، لقد تنازلنا عن اسم كتائب السلام، على الرغم من أننا نحب هذا الاسم، لكننا سنلتزم بالإجراءات، وسنكون تحت سيطرة رئيس الوزراء».

السياسي الشيعي، عمار الحكيم، تحدث، أيضاً لصالح مبادرة رئيس الوزراء. وقال الحكيم، على موقع «تويتر»، يوم الثلاثاء: «نحن نؤيد تأييداً تاماً قرار رئيس الوزراء العراقي، عادل عبدالمهدي، بتطبيق استراتيجية تضع جميع الأسلحة في أيدي الحكومة». ويتخذ الحكيم حالياً موقع المعارضة في حكومة عبدالمهدي.

وحاول العبادي توحيد قوى الأمن الداخلي، والحصول على نفوذ أكبر على قوات الدفاع الشعبي العام الماضي. ومع ذلك، فشلت المحاولات فشلاً ذريعاً لأن إيران لها تأثير هائل في العديد من قادة الوحدات. وفي الوقت نفسه، تعرضت بغداد لضغوط من واشنطن لتوحيد قيادة قواتها المسلحة. وبغض النظر عن هذه اللغة الرسمية، يحاول عبدالمهدي معالجة مشكلة متعددة الجوانب، ابتلي بها العراق منذ أن بدأ تنظيم داعش الاستيلاء على الأراضي العراقية عام 2014، والتي تتمثل في تشكيل مجموعات مسلحة غير رسمية للمساعدة في محاربة المتطرفين. وفي البداية رعت إيران ومولت ودعمت بعض هذه الميليشيات، وسرعان ما تضاعفت أعدادها، وكان الكثير منها على صلة بطهران.

وتأتي هذه الخطوة وسط تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران في المنطقة، والمخاوف من أن يصبح العراق ساحة معركة بالوكالة في أعقاب سلسلة من الهجمات غير المعلنة بالقرب من القوات الأميركية أو مصالحها في العراق في الأسابيع الأخيرة. وحثت الولايات المتحدة العراق على كبح جماح الميليشيات، وحذرت من أنها سترد بقوة إذا تعرضت المصالح الأميركية لهجوم. ويأتي ذلك أيضاً بعد أن ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال أن المسؤولين الأميركيين خلصوا إلى أن هجوماً بطائرة بدون طيار على خط أنابيب نفط سعودي في مايو جاء من العراق، وليس من اليمن. ونفى عبدالمهدي أن تكون أراضي بلاده قد استخدمت لشن أي هجمات على السعودية.

وأصبحت الولايات المتحدة تشك بشكل متزايد في دور الميليشيات، وصنفت اثنتين منها (حركة النجباء، وحزب الله) كمنظمتين إرهابيتين أجنبيتين. وعندما زار وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، العراق في يونيو، عبر عن قلق بلاده من بعض الجماعات المرتبطة بإيران، والتي تشكل تهديداً للقوات الأميركية في العراق. ويقول مسؤولون يعملون عن قرب مع عبدالمهدي إنه أصدر أمراً بتقليص سلطة الميليشيات المسلحة، تحت ضغط من الولايات المتحدة. وستبقى هذه المجموعات تحت السيطرة المباشرة لرئيس الوزراء، بدلاً من دمجها بالكامل في وزارة الدفاع أو وزارة الداخلية التي تسيطر على الشرطة.

زيادة العدد

وبعد أن حاول العبادي، العام الماضي، فرض مزيد من النفوذ على قيادة الميليشيات وتقليص قوتها، زادت أعدادها بالفعل، ويوجد الآن نحو 30 مجموعة مسلحة، تضم ما بين 130 و150 ألف عنصر. ويقول الخبير الأمني المقيم في بغداد، هشام الهاشمي، الذي يقدم المشورة للحكومة العراقية، إن «أي هجوم على الميليشيات سيشكل هجوماً على العراق، كونها أصبحت جزءاً رسمياً من الجيش العراقي». ويضيف «في هذا الوقت أعتقد أن عبدالمهدي تم تحفيزه بسبب الضغط الأميركي، لوضعهم جميعاً في صندوق واحد لحمايتهم، لكن هل سيتقيدون بهذه الأوامر؟ إن التزامهم يتوقف على قبول إيران لهذه الأوامر». كما أن هذه الخطوة محفوفة بالمشكلات المحتملة، لأن قادة الميليشيات ربما يحصلون ببساطة على ترقيات ليصلوا إلى مرتبة قيادة الجيش من خلال التسلسل الرسمي، وربما لا تقطع هذه الميليشيات علاقاتها السياسية بالكامل مع وحداتها الأم، ويعتبر حل 140 ألف رجل مسلح مقاتل مع عدم وجود احتمالات اقتصادية بديلة لهم بشكل عام أمراً غير واقعي وخطيراً.

وكان من الصعب في الماضي السيطرة على المجموعات، لأنها نجحت في الدفاع عن البلاد عندما اكتسح «داعش» الجيش العراقي عام 2014، وأصبح العراقيون ينظرون إليهم كأبطال محررين. وعندما انتهت الحرب ضد «داعش»، لم تبدِ هذه الميليشيات استعدادها لنزع السلاح والعودة للحياة الطبيعية سوى القليل منها. ومع وجود عدد أقل من المتطرفين لقتالهم، بدأت هذه الجماعات تتفرغ لكسب المال مستخدمة في ذلك نقاط تفتيش تابعة لها، لابتزاز سائقي الشاحنات. وفي بعض المحافظات، أصبحت مكاتبها الاقتصادية تشارك في الأعمال التجارية القائمة. ففي نينوى، على سبيل المثال، استحوذت مجموعتان أو ثلاث من الحشد الشعبي على تجارة الخردة المعدنية، وربحت ملايين الدولارات، إلى أن أغلقت الحكومة العراقية مكاتبها. واستاء رجال الأعمال المحليون للغاية من هذا النوع من النشاط، والذين يرون أن بعض المجموعات تتصرف مثل المافيا المحلية.


بعد أن حاول العبادي، العام الماضي، فرض مزيد من النفوذ على قيادة الميليشيات وتقليص قوتها، زادت أعدادها بالفعل، ويوجد الآن نحو 30 مجموعة مسلحة، تضم ما بين 130 و150 ألف عنصر.

المخاوف من أن يصبح العراق ساحة معركة بالوكالة، في أعقاب سلسلة هجمات بالقرب من القوات الأميركية. بدأت هذه الميليشيات تتفرغ لكسب المال، مستخدمة في ذلك نقاط تفتيش تابعة لها، لابتزاز سائقي الشاحنات.

طباعة