بعد زيارته إلى المنطقة منزوعة السلاح

ترامب يقدّم لكوريا الشمالية أكثر مما كان يحلم به آباؤها المؤسسون

صورة

بعد أن أصبح أول رئيس أميركي في منصبه تطأ قدماه تراب كوريا الشمالية، غير الرئيس دونالد ترامب اللعبة، ونجح في خفض التوترات بشكل كبير، ولكن يتعين عليه عمل الكثير لحث بيونغ يانغ على التخلي عن السلاح النووي. عبر ترامب إلى كوريا الشمالية في الساعة 3:45 مساءً بالتوقيت المحلي يوم الأحد، وابتسم الرجل الذي كان بجانبه وصفق، وهو الرئيس الكوري الشمالي، كيم جونغ أون. لم يكن ذلك مفاجأة، فقد قدم ترامب لزعيم كوريا الشمالية درجة من الاعتراف والقبول العالميين لم يكن ليحلم بهما والد كيم وجده.

والسؤال هو: ما الذي قد يحصل عليه ترامب في المقابل؟ ففي الوقت الذي يتجه فيه إلى حملته لإعادة انتخابه عام 2020، يدرك الرئيس أنه بحاجة إلى مهاراته في عقد الصفقات. استأنف يوم السبت المحادثات التجارية المتعثرة بين الولايات المتحدة والصين في اجتماع مع الرئيس الصيني، شي جين بينغ، في قمة مجموعة العشرين في اليابان، وفي وقت لاحق من ذلك اليوم نفسه، وكما لو أنه ينزل ضيفاً على صديق قديم في البلدة، قال ترامب «لقد تحققت صداقات عظيمة»، وقال في ما بعد إنه أرسل تغريدة على هيئة طلب غير رسمي إلى كيم لمقابلته في قرية بانمونجوم، المسيجة بأسلاك شائكة، التي أصبحت رمزاً للتوتر الشديد بين الكوريتين منذ أن وضعت الحرب الكورية أوزارها قبل 66 سنة، وظهر كيم هناك في بدلة الزعيم الصيني الراحل، ماو تسي تونغ، تبدو عليه الحيرة بعض الشيء.

وبصراحة، يريد ترامب أن يقدم إنجازاً، فبعد كل شيء كان سيتعرض للإهانة إذا لم يستجب كيم لطلبه العلني، «من الناحية الدبلوماسية كان ينبغي استخدام قناة خلفية سرية حتى لا يخاطر الرئيس بفقدان ماء وجهه في حالة الرفض». في عام 2016، وعد ترامب الناخبين الأميركيين قائلاً: «سننتصر بشدة، سوف تسأمون من شدة الفوز»، ولكن بعد اللقاء الدراماتيكي في سنغافورة قبل عام، لم يتمخض لقاء ترامب - كيم عن أي شيء يشبه الصفقة النووية.

ولاتزال علاقة ترامب بالصين معلقة بعد عامين ونصف العام من انسحاب ترامب من «الشراكة عبر المحيط الهادئ»، ما يشير إلى أنه كان من المفترض أن يقوم بعمل أفضل في تغيير سلوك بكين إن ظل في تلك الاتفاقية، كما أن اتفاقية ترامب البديلة للتجارة الحرة لأميركا الشمالية، ليس من المرجح أن يمررها الكونغرس هذا العام، إن كان سيوافق عليها أصلاً، كما لم يتم إحراز الكثير من التقدم في المحادثات التجارية مع اليابان.

وكما قال مراراً وتكراراً عن الصين وإيران، أعلن ترامب مرة أخرى في نهاية الأسبوع أنه ليس في عجلة من أمره لاتفاق مع كوريا الشمالية، وقال خلال مؤتمر صحافي مع رئيس كوريا الجنوبية، مون جاي إن، قبل زيارته إلى المنطقة منزوعة السلاح: «إذا كان الشخص في عجلة من أمره، فسيجد نفسه في مأزق»، وأضاف «السرعة ليست هي الهدف»، وأعلن ترامب أن الجانبين يعملان على تشكيل فرق جديدة لمتابعة صفقة «شاملة».

لا وقت لإنجاز الوعد

لكن المناظرات الرئاسية الديمقراطية الافتتاحية الأسبوع الماضي، تعكس أن ترامب قد لا يكون لديه وقت لإنجاز ما وعد به، إذ تشير شعبيته المتدنية باستمرار إلى أنه قد يكون لديه مشوار شاق للفوز بفترة ولاية ثانية، وسيحتاج إلى بعض الإنجازات الصغيرة لاستقطاب الناخبين. ويشير لقاء ترامب الودي لكل من شي وكيم إلى أنه ربما بدأ في فهم الديناميات المعقدة لشرق آسيا بشكل أفضل. بكين هي شريان الحياة لكيم، وتمثل له أكثر من 90% من تجارة بلاده، وربما يحتاج ترامب إلى شي إذا أراد أن يعقد اتفاقاً مع كيم، ولكن بعد معاداة واشنطن له لمدة عامين، لم يمارس شي سوى قليل جداً من الضغط على كيم لنزع السلاح النووي، وفي الواقع فإنه ساعد كيم في بعض الأحيان على تجنب العقوبات الأميركية وعقوبات الأمم المتحدة.

ما لا يمكن إنكاره هو أن ترامب يتخذ نهجاً جديداً تجاه كوريا الشمالية، ففي خريف عام 2017 وصف كيم بـ«الرجل النووي الصغير» ووعد بـ«تدمير كوريا الشمالية تدميراً تاماً» إذا لم تتوقف عن تطوير صواريخ باليستية عابرة للقارات تهدد الشواطئ الأميركية، وردت بيونغ يانغ بوصفه بأنه «مختل عقلياً»، لكن كل ذلك لم يمنع لقاء الزعيمين في ما بعد.

وبينما حصل ترامب على ما هو أكثر قليلاً من مجرد تعهد من بيونغ يانغ بتعليق التجارب النووية والصاروخية بعيدة المدى، عبر كيم عن إحباطه بعد قمة هانوي الفاشلة في فبراير، وأطلق أخيراً بعض الصواريخ قصيرة المدى، ربما كان ترامب محقاً في القول إن الجهود الأميركية السابقة في التفاوض مع بيونغ يانغ دفعت هذه البلاد إلى جنون العظمة النووية لمدى أعمق.

من المفارقات بالطبع أن يبذل ترامب قصارى جهده الآن لجذب كيم لطاولة المفاوضات، لأن ترامب كان هو من رفض الجلوس معه في عام 2017، وفي خريف ذلك العام، انتقد ترامب علانيةً وزير خارجيته آنذاك، ريكس تيلرسون، قائلاً إنه «يضيّع وقته» في محاولة للتحدث مع كوريا الشمالية حول برنامجها النووي والصاروخي. وأرسل تغريدة لتيلرسون يقول له فيها «لم نحقق نجاحاً منذ 25 عاماً، رغم كوننا لطفاء مع الرجل النووي الصغير، فلماذا نفعل ذلك الآن؟ لقد فشل كلينتون، وفشل بوش، وفشل أوباما».

ربع قرن من المفاوضات

وفي الواقع، لم يحقق ربع قرن من المفاوضات أي تقدم تقريباً بين الإدارات الجمهورية والديمقراطية مع كيم ووالده كيم جونغ إيل، والتي استخدمت خلالها كوريا الشمالية برنامجها النووي كورقة مساومة للحصول على مساعدات غربية.

إلا أن كيم جونغ أون شعر بالرجفة بعد شعوره بأنه ذاهب للحرب، وفي أوائل عام 2018 بدأ تواصله مع كوريا الجنوبية. وعكس ترامب المسار، وربما كان يراهن على أن مخاطبة غرور كيم قد تكون الطريق لكسر هذا الجمود، ولسنوات، كان نظام كيم يتوق إلى أي اعتراف من واشنطن، أي نوع من الاعتراف العالمي الذي منحه ترامب لكوريا الشمالية في لقاء سنغافورة. في تلك القمة، التقى ترامب مع كيم وظهر أمامه بمثابة الند، وكان يقف معه أمام مجموعة من وسائل الإعلام الأميركية والكورية الشمالية، وأنتج البيت الأبيض فيديو يصور الزعيمين على أنهما رجلا مصير، وأن كيم إذا نزع الأسلحة النووية، فيمكن لبلاده أن تكون غنية.

وأشاد الزعيم الكوري الشمالي، الذي سعى أيضاً إلى إجراء إصلاحات اقتصادية، بشجاعة ترامب يوم الأحد، وقال ترامب «أعتقد أن هذا تعبير عن استعداده للقضاء على كل الماضي البائس وبدء مستقبل جديد». ويعتقد معظم الخبراء أن بيونغ يانغ لن تتخلى أبداً عن برنامجها النووي، طالما أنها تحت تهديد واشنطن وسيؤول. وربما لن تتخلى عن كل ذلك في الوقت الراهن، على الرغم من أن كيم قدم بالفعل نصف تعهد، بما في ذلك تفكيك منشآته النووية في يونغبيون.

والجدير بالذكر أن ترامب عين يوم الأحد ستيفن بيغون مفاوضاً رئيساً للولايات المتحدة بشأن المحادثات المتجددة مع كوريا الشمالية، وكان بيغون يفضل في الماضي اتباع نهج تدريجي مع كوريا الشمالية خلافاً لمستشار الأمن القومي، جون بولتون وغيره من الصقور.

ويعترف بيغون بأن الجانبين لايزالان غير قادرين على الاتفاق على تعريف معنى «نزع السلاح النووي»، وعلى الرغم من ذلك، أعلن بيغون هذا الشهر أن المحادثات لاتزال «تراوح مكانها» لأن الجانبين لم يتوصلا بعد إلى تعريف مشترك للمصطلح الرئيس في اتفاقهما المبدئي للمضي قدماً: وهو «نزع السلاح النووي». وقد فسرت بيونغ يانغ تاريخياً هذا المفهوم على «إن إخلاء شبه الجزيرة الكورية من الأسلحة النووية بالكامل، يعني أيضاً تنازلات من جانب الولايات المتحدة».

ويعتقد بعض الخبراء في الشؤون النووية الكورية الشمالية، مثل المدير السابق لمختبر لوس ألاموس الوطني، سيغفريد هيكر، وهو إحدى المؤسسات البارزة المعنية ببرنامج بيونغ يانغ النووي، أن مقاربة ترامب الجديدة مازالت قادرة على استيعاب العمل، خصوصاً إذا وافق على اتفاق جزئي. وإن أعظم خطر سيظل باقياً هو الصاروخ بعيد المدى المسلح نووياً، والذي تحتاج بيونغ يانغ إلى تحسينه من خلال المزيد من التجارب. وقال هيكر لصحيفة «فورين بوليسي» في وقت سابق من هذا العام: إن «الأثر الذي أحدثه عدم إجراء التجارب حتى الآن على إبطاء البرنامج النووي لكوريا الشمالية، لم يكن موضع تقدير من الجانب الأميركي». لكن مع اقتراب إعادة انتخابه، ربما يحسب الرئيس الأميركي أنه يحتاج إلى أكثر من مجرد توقف مؤقت، إنه يحتاج إلى النصر.

مايكل هيرش كبير المراسلين ونائب رئيس تحرير الأخبار في «فورين بوليسي»


كما قال مراراً وتكراراً عن الصين وإيران، أعلن ترامب مرة أخرى في نهاية الأسبوع أنه ليس في عجلة من أمره لاتفاق مع كوريا الشمالية.

لم يحقق ربع قرن من المفاوضات أي تقدم تقريباً بين الإدارات الجمهورية والديمقراطية مع كيم ووالده كيم جونغ إيل، والتي استخدمت خلالها كوريا الشمالية برنامجها النووي كورقة مساومة للحصول على مساعدات غربية.

طباعة