سواء كان عبر حل الدولة أو الدولتين

حلّ الصــراع الإسرائيلي - الفلسطـــيني سيفجّر حرباً أهلية داخل إسرائيل

صورة

النقاش المحتدم بين مؤيدي حل الدولتين وبين المدافعين عن دولة واحدة، يطرح تساؤلاً بشأن هذا الهدف: هل يبدو أي من هذين الحلين مثالياً أم أن كليهما براغماتي؟ وإذا كان الأمر خلافاً لذلك فما الحل؟ في الثمانينات والتسعينات، كانت الإجابة عن هذه الأسئلة واضحة، فقد استطاع حل الدولتين أن يحصل على دعم دولي، وكان دعمه، من قبل أغلبية الإسرائيليين والفلسطينيين على حد سواء، يتزايد، وكان الطريق إلى تحقيق ذلك هو المفاوضات المباشرة القائمة على حدود الرابع من يونيو 1967، مع تعديلات حدودية متبادلة. أما اليوم فإن ما يسمى «صفقة القرن»، التي تبناها الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، تتجاهل الإجماع الدولي، وتهدف إلى فرض شروط مختلفة على الفلسطينيين، وهي مصممة خصيصاً لمصلحة اليمين الإسرائيلي.

فشل المفاوضات القائمة على اتفاقات أوسلو، والتوسع الاستيطاني الذي استمر خلال المحادثات، هما العاملان اللذان زادا دعم حل الدولة الواحدة من قبل الإسرائيليين والفلسطينيين على حد سواء، وفي هذه الأثناء، يبدو أن الحكومة الإسرائيلية قد تخلت عن البحث عن حل.

وعلى الرغم من أهمية النقاش حول الهدف، إلا أن ذلك النقاش يظل يتجاهل كيفية تحقيق ذلك الهدف. ولا أشير هنا إلى ما إذا كانت الوسيلة الوحيدة هي «العملية الدبلوماسية»، أو أن يفرض المجتمع الدولي حلاً، كما أنني لا أشير إلى مسألة ما إذا كانت حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات والعقوبات، هي وسيلة فعالة للحصول على حل، ولكني أفترض من خلال النقاش في هذا الموضوع أن الطرفين، إذا لم يكونا قادرين على ردم الهوة بين موقفيهما التفاوضي، فإن المجتمع الدولي سيجبرهما على ذلك.

قبول الحل

ومع ذلك، لايزال يتعين علينا أن نسأل ما إذا كان الشعبان سيقبلان بأي حل يتوصل إليه قادتهما، إما بمبادرة من تلك القيادة، أو نتيجة لضغوط دولية شديدة عليها. حتى إن لم يكن هناك اتفاق عبر الضغط الدولي يلوح في الأفق، فمن المفيد أن نكرس بعض التفكير لهذه المسألة، فقد يكون مثل هذا التفكير مفيداً في يوم ما. وأود أن أشير هنا إلى فرضية تقول إن أي حل للصراع الإسرائيلي - الفلسطيني، من المرجح أن يؤدي إلى تمرد مسلح ضد الحكومة الشرعية، أو حتى حرب أهلية بطريقة أو بأخرى. ومع أنني لست مؤمناً بالحتمية التاريخية، فمن المحتمل ألا يندلع مثل هذا التمرد الخطير، إذا وجد كل طرف طريقة مناسبة للتغلب على متطرفيه وقمع التمرد، قبل أن يتحول إلى حرب أهلية.

ولكي يتحقق ذلك، من الضروري أن نطرح مثل هذه الفرضية ونستكشف طرق تفاديها من أجل تقليل الضرر المحتمل إذا حدثت مثل هذه الاحتمالات.

سأركز على الجانب الإسرائيلي، لأن الظروف التي قد تؤدي إلى ثورة أو حرب أهلية في إسرائيل تختلف عن تلك التي قد تتطور على الجانب الفلسطيني. إن المعارضة الفلسطينية لاتفاقية دائمة وفقاً لمبادرة السلام العربية، ستستند إلى حجج دينية ورمزية وطنية، ومعارضة إسرائيل لعودة لاجئي 1948 بأكملهم، وإضفاء الشرعية على الصهيونية وإسرائيل، والتخلي التام عن أرض فلسطين التي توجد عليها إسرائيل. ومن الناحية الأخرى فإن المعارضة في إسرائيل لن تكون فقط لأسباب رمزية، لكن أيضاً بسبب المصالح المادية. بالإضافة إلى ذلك، فإن إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وتحقيق الاستقلال الكامل من شأنهما أن يشكلا إنجازاً تاريخياً فلسطينياً يقلل من آلام التنازلات المستمرة.

تصلب المواقف

إن احتمال اندلاع حرب أهلية أو تمرد ليس افتراضياً، وإنما هو موجود في الهواء وفي وعي صناع القرار. هذا «الفيل الموجود في الغرفة»، الذي يعني أن هناك مشكلة لا يريد الناس التحدث عنها، قد يقود إلى تصلب المواقف. ولأسباب مختلفة، ولعدم الرغبة في تجنب مواجهة داخلية، يفضل الجانب الإسرائيلي أن يدعي أنه لا يوجد شريك، أو أن يعرض مواقف تفاوضية غير ثابتة. وفي الوقت نفسه هناك تشاؤم كبير في كلا الجانبين بشأن استعداد الطرف الآخر للموافقة على الترتيبات الخاصة بذلك. وهناك أصوات أكثر وأكثر تقف إلى جانب حل الدولة الواحدة، بناءً على حجة أنه لا توجد إمكانية لإجلاء المستوطنين.

والسؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا يشكل إخلاء المستوطنين عقبة خطيرة؟ أولاً لأن مشروع التوسع الإقليمي لإسرائيل وسيطرتها على السكان الفلسطينيين، هو أكبر مشروع قامت به إسرائيل على الإطلاق، حيث إن نطاقه، من حيث الوقت والأرض وكلفة المشروع، لم يسبق له مثيل في تاريخ إسرائيل. وأستطيع أن أقول إن إقامة الدولة كلفت أقل من توسعها بعد عام 1967.

وتستثمر الدولة بأكملها تقريباً في هذا المشروع، ولا يتمثل ذلك فقط في الاستثمار الأيديولوجي ونقل المستوطنين إلى الأراضي الفلسطينية، وإنما يتعلق الأمر أيضاً بخلق وظائف لمئات الآلاف أو ملايين الإسرائيليين، وكذلك الأرباح الناتجة عن تصدير المعرفة التقنية والمنتجات الأمنية التي تؤمن سيطرة إسرائيل على السكان والأراضي الفلسطينية. ويتطلب إقامة دولة فلسطينية مستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة، أكثر من مجرد قرار سياسي أو إجلاء نحو 100 ألف مستوطن، وإنما يتطلب الأمر تغييراً كاملاً في ما يتعلق باتجاه دولة إسرائيل.

زاد الاستثمار الإسرائيلي في السيطرة على السكان الفلسطينيين مع زيادة التوسع الإسرائيلي. في عام 2002 احتلت إسرائيل الضفة الغربية وحولت السلطة الفلسطينية إلى مقاول من الباطن عن طريق التعاون الأمني، ومنذ ذلك الحين تم إنشاء واقع لنظام واحد بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط. وتحت هذا النظام تحتفظ المجموعة العرقية اليهودية بالسيطرة على المجموعة الفلسطينية. وعلى الرغم من الفجوات العميقة بين المجموعتين العرقيتين المتنافستين في ما يتعلق بميزان القوى وحقوق الإنسان والوصول إلى الموارد، هناك تكافؤ ديموغرافي.

إلا أن هذا التوازن الديموغرافي لا يصبّ في مصلحة اليهود، وهذا ما يجعلهم يحكمون سيطرتهم على الفلسطينيين. ولا يمثل ضم المستوطنات ضماً فعلياً للأرض فحسب، بل يشكل أيضاً أداة للسيطرة على الفلسطينيين. ومع نمو الاستثمارات يصبح من الصعب على الطرف الإسرائيلي اليهودي أن يخسر كل ذلك، ويتخلى عن مثل هذه الامتيازات التي توفرها له السيطرة على الطرف الفلسطيني.

وتحشد الأغلبية اليهودية سلسلة من الحجج لتبرير مثل هذا السلوك الأحمق، ويأتي الأمن على رأس هذه المزاعم. ويشعر الجانب اليهودي بأن تفوقه وقدرته على السيطرة على الموقف يتعرضان للتهديد. وفي حين أن التهديد الأمني له أساس في الواقع، فإن الكثيرين من الجانب اليهودي يفسرونه، عن طريق الخطأ، بأنه تهديد وجودي، وهذا يزيد من صعوبة تغيير الاتجاه.

مَن المستوطن

من الخطأ الاعتقاد أن المشكلة التي أثيرها تنبع بشكل رئيس من عدد المستوطنين. صحيح أن هناك عدداً متزايداً منهم، أكثر من نصف مليون تقريباً، لكن ليس كلهم متطرفون مثل قتلة عائلة الدوابشة بقرية دوما في الضفة الغربية عام 2015. بعضهم يؤمن بصدق بالتعايش مع جيرانهم الفلسطينيين، أو بضرورة قبول قرار الأغلبية الديمقراطية.

لكن علينا أن نتذكر أن المستوطنين كمجموعة سياسية دينية اجتماعية، لا يقتصرون على منطقة الضفة الغربية. بمعنى آخر، ليس المكان الذي يقيم فيه المتطرفون منهم هو الذي يحدد من «المستوطن المتطرف». وفي هذا الصدد، هناك «مستوطنون متطرفون» أيضاً داخل دولة إسرائيل، وهذا يعني أولئك الذين يتطابق أمنهم الديني - السياسي ورؤيتهم الوطنية العالمية مع المستوطنين المتطرفين. قد يحمل بعضهم السلاح في محاولة معارضة قرار ديمقراطي يبسط السيادة الفلسطينية الكاملة على الضفة الغربية وقطاع غزة، بما في ذلك القدس الشرقية والحرم القدسي.

وعند ذلك ستصطدم الديمقراطية الإسرائيلية مع شرعيتها، وهذه المواجهة ليست مع عدو خارجي لكن مع بعض مواطني إسرائيل وجنودها. فباسم قدسية أرض إسرائيل وانعدام الثقة العميق بنيات الفلسطينيين، فإن هذه المجموعة ستكون مسؤولة عن استخدام الأسلحة الموجودة تحت تصرفها، ومعرفتها العسكرية ضد الجيش والأجهزة الأمنية التي ستنفذ قرار أغلب مواطني البلاد. وسيتبع ذلك نقاش داخلي مرير وصراع ديمقراطي شرعي من جانب معارضي الاتفاق.

في منتصف الستينات اضطرت فرنسا إلى مواجهة ثورة المستوطنين ووحداتها العسكرية، عندما قررت، في استفتاء، إخلاء الجزائر. وعندما تم ضم الجزائر إلى فرنسا كان بها مليون مستوطن ونصف مليون جندي فرنسي. وتجدر الإشارة إلى أن فرنسا قررت الإجلاء في سياق الاستعمار العالمي، وهو سياق غير موجود اليوم. ومن شأن ذلك أن يزيد من صعوبة تنفيذ عملية إجلاء إسرائيلية.

إن التعايش الوثيق بين المستوطنين والمؤسسة العسكرية والأمنية التي تحميهم في الضفة الغربية، يمكن أن يخلق وضعاً في إسرائيل على غرار الوضع الذي كان قائماً في فرنسا. المستوطنون من النوع الذي وصفته هنا يمكن أن يوجد ليس فقط في المستوطنات، لكن أيضاً في الوحدات القتالية الإسرائيلية (بعض هذه الوحدات متجانسة)، وفي الإدارة المدنية وأجهزة الأمن.

بلغ عدد اليهود تحت الأرض في الثمانينات نحو 20 عضواً، ومع ذلك تشير الدلائل إلى أن مجموعة من النشطاء ذوي الخبرة العسكرية والقدرة على التنظيم تحت الأرض، يمكنها أن تنجح في مسعاها بدعم من السلطات الأيديولوجية، وتحقق تغييراً استراتيجياً. ومنذ ذلك الحين، زاد احتمال تكرار مثل هذا الموقف. ومنذ إخلاء المستوطنات في قطاع غزة عام 2005، لم تتقلص المجموعة التي تدعم المستوطنين المتطرفين، بل توسعت. وعلى عكس الانطباع الذي خلقته التقارير حول عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين، فإن التهديد الرئيس لاتفاقية الوضع الدائم لا يأتي من مجموعة صغيرة عنيفة من الخارجين على القانون والمراهقين، بل من جماعة منظمة تحت الأرض تحظى بدعم واسع من مؤسسة اجتماعية وسياسية.

ومن أجل إقناع المجموعة اليهودية المستثمرة بعمق في مشروع التوسع، بالتخلي عن امتيازاتها، يجب أن تكون هناك أزمة بالغة الشدة أو ضغوط خارجية مكثفة، لأنه لم يحدث أن تخلت أي قوة استعمارية عن مستعمرة لأسباب تتعلق بالأخلاق أو الاعتراف بحقوق الإنسان. لكن إذا تفاقم الضغط وتصاعدت الأزمة، سواء كان ذلك من الجانب الفلسطيني، أو المجتمع الدولي أو كليهما، فسيصعب على إسرائيل الاستسلام. وسيُطلق على أعضاء معسكر السلام الإسرائيلي اسم الخونة والعملاء، وستتم إزاحتهم رمزياً عن الإجماع الإسرائيلي، كما اتضح من الأحداث التي سبقت اغتيال رئيس الوزراء، إسحق رابين.

في 1994-1995، كان الهجوم يستهدف شخصاً واحداً، وفي المستقبل قد تستهدف الأسلحة شريحة كاملة من السكان.

مناقشة المحرمات

حل الدولة الواحدة لا يلغي احتمال اندلاع حرب أهلية. وبدلاً من الصراع بين دولة إسرائيل ومجموعة يهودية متمردة، سيكون الصراع داخل دولة واحدة بين مجموعتين إثنيتين، دينية - لغوية. ولكل الأسباب التي ذكرتها، لن توافق المجموعة العرقية اليهودية على التنازل عن امتيازاتها من أجل إقامة نظام للمساواة بين اليهود والعرب الفلسطينيين.

بلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي لعام 2017 في إسرائيل 36 ألفاً و250 دولاراً، مقارنة بـ3000 دولار في الأراضي الفلسطينية. وحتى لو تم تقليص هذه الفجوة الضخمة فإن الكثير منها سيفصل اليهود الأثرياء والأقوياء عن العرب الفلسطينيين، ليس لأن هؤلاء هم الأقل تأهيلاً، لكن بسبب تمسك اليهود بالسيطرة العليا.

وبالنظر إلى التفوق اليهودي في كل النطاقات، باستثناء الديموغرافيا، لا توجد فرصة لكي يحصل اليهود على مناصب عليا في وضع الدولة الواحدة، ولن يستطيعوا إدارة مواردهم بشكل أكبر للحفاظ على وضعهم. وبشأن واقع المساواة الديموغرافية بين المجموعتين العرقيتين، لن يوافق الفلسطينيون على أن يكونوا في وضع أدنى. وباختصار فإن حل الدولة الواحدة وصفة مضمونة لحرب أهلية مستمرة، على غرار ما حدث في البلقان مع تفكك يوغوسلافيا، أو في لبنان.

النقاش حول الحرب الأهلية من المحرمات في المجتمع الإسرائيلي، الشعار السائد هو «يهودي لا يخلي يهودياً».

لاشك أن الأحداث التي سترافق تحرير الضفة الغربية وقطاع غزة وتحقيق السيادة الفلسطينية الكاملة عليهما مع القدس الشرقية، ومع عودة اللاجئين، ستكون صدمة للمجتمع الإسرائيلي.

• لا يتمثل الاستيطان فقط في الاستثمار الأيديولوجي ونقل المستوطنين إلى الأراضي الفلسطينية، وإنما يتعلق الأمر أيضاً بخلق وظائف لمئات الآلاف أو ملايين الإسرائيليين، وكذلك الأرباح الناتجة عن تصدير المعرفة التقنية والمنتجات الأمنية، التي تؤمّن سيطرة إسرائيل على السكان والأراضي الفلسطينية.

• لم يحدث أن تخلت أي قوة استعمارية عن مستعمرة لأسباب تتعلق بالأخلاق أو الاعتراف بحقوق الإنسان.

مناحيم كلاين - البروفيسور مناحيم كلاين يدرس العلوم السياسية في جامعة بار إيلان، ومؤلف كتاب «الحياة المشتركة - العرب واليهود في القدس ويافا والخليل» (2014). صدر كتابه الأخير «عرفات وعباس، صور القيادة في دولة مؤجلة» في أكتوبر.

طباعة