مع تراجع الأحزاب التقليدية.. وصعود الحركات المتطرفة

انهيار المنظومة السياسية في أوروبــا وسط اضطراب اجتماعي وتراجع اقتصادي

صورة

كانت الانتخابات المحلية الأخيرة بمثابة عملية تسخين لمرشحين عن الحزب الاشتراكي الديمقراطي بألمانيا، والذي كان يحاول يائساً جذب أصوات الشباب في مقاطعة بريمن قبل الانتخابات العامة المثيرة للجدل. لكن الصراخ والتصفيق الفاتر الذي تلقاه مرشحو الحزب من حشد المئات من المتفرجين المسنين، لم يفسرا شيئاً، والجميع كان يحاول توقع ما سيحدث.

تزامنت انتخابات بريمن مع الانتخابات البرلمانية الأوروبية، التي جرت يوم الأحد. تسبب كلاهما في انتكاسات خطيرة للديمقراطيين الاجتماعيين، لكنهم لم يكونوا وحدهم في أحزانهم. إلى جانب بريمن وعبر أوروبا، فقدت أحزاب كبرى من الوسط قبضتها المحكمة بالسلطة، في حين حققت الأحزاب الأصغر التي تمثل اليمين المتطرف والبيئيين وليبراليي السوق الحرة، مكاسب كبيرة.

دوائر لم تستوعب التحولات

ويقول خبير السياسة الأوروبية في «صندوق مارشال الألماني»، وهو مركز أبحاث، سودا ديفيد فيليب: «الاتجاه هو أن الدوائر الانتخابية التقليدية في أوروبا لا تستوعب التحولات». وفي نواحٍ كثيرة، تُعد بريمن المنطقة الصناعية المتعثرة اقتصادياً في شمال غرب ألمانيا، نموذجاً مصغراً لانهيار المشهد السياسي في أوروبا، وسط موجة من الاضطراب الاجتماعي والتغيير السياسي.

وشهدت الانتخابات الأوروبية مكاسب للأحزاب الأصغر، إذ فشل الحزبان الوسطيان الكبيران في الوصول إلى الأغلبية لأول مرة. جماعياً، انتصرت القوات الموالية لأوروبا، وإن كانت منتشرة عبر مجموعات صغيرة من الفصائل السياسية.

واحتلت الأحزاب اليمينية المتطرفة المرتبة الأولى متقدمة على أحزاب الوسط، في فرنسا وإيطاليا، بينما ارتفع دعم أحزاب الخضر إلى المركز الثاني أو الثالث في ألمانيا وفرنسا وإيرلندا وفنلندا. ويكافح العديد من الناخبين الأوروبيين لفهم كيف يتلاءم البرلمان مع البنية المعقدة للاتحاد الأوروبي، لكنه يلعب دوراً مهماً؛ فهو يوافق على ميزانية الاتحاد الضخمة ويؤثر في سياسات الاتحاد بشأن الاتفاقيات التجارية والسياسات البيئية واللوائح الاقتصادية - جميع القضايا التي قد يكون من الصعب معالجتها مع برلمان أكثر انقساماً.

معقل تاريخي

بريمن، أصغر مقاطعات ألمانيا البالغ عددها 16، هي معقل تاريخي للحزب الديمقراطي الاشتراكي. وفي ذلك يقول عضو الحزب في البرلمان الأوروبي، أودو بولمان، وهو إحدى الشخصيات الفاعلة: «بريمن ليست أحد المعاقل، بل إنها معقل الاشتراكيين الديمقراطيين الرئيس». لقد احتاج الحزب الاشتراكي بشدة إلى الفوز هناك، بعد أن تعرض لصدمة بسبب التراجع البطيء في الدعم على مدى عقود. لكن في النهاية، لم يحصل ذلك.

لأول مرة، منذ أكثر من 70 عاماً، تغلب الاتحاد الديمقراطي المسيحي (يمين الوسط) على الحزب الديمقراطي الاشتراكي في بريمن، وهي ضربة تاريخية لما كان ذات يوم من أقوى أحزاب الوسط، وأكثرها استقراراً في أوروبا.

كان الاستقبال الفاتر الذي حظي به مسؤولو الحزب في بريمن، من قبل حشود الناخبين، مثل زعيم الحزب الاشتراكي الديمقراطي، أندريا ناليس، ووزير الخارجية هيكو ماس، ووزير المالية أولاف شولز، أحدث علامة على أن أحزاب الوسط التقليدية لم تعد قادرة على إيصال الرسالة التي يريد الناخبون سماعها.

دفع تراجع هذه الأحزاب إلى جولات لا نهاية لها من البحث السياسي عن النفس، ومحاولات يائسة لجذب الناخبين الجدد والأصغر سناً. عدد قليل من الأحزاب توصل إلى كيفية عكس تراجعها.

على الرغم من أن نتائج الانتخابات في بريمن كانت بمثابة ضربة واضحة للحزب الاشتراكي الديمقراطي، فإنه من الصعب للغاية استخلاص استنتاجات أكثر وضوحاً من انتخابات الاتحاد الأوروبي، وهي ثاني أكبر تمرين في العالم للديمقراطية بعد انتخابات الهند، مع أكثر من 400 مليون ناخب مؤهل في 28 دولة من دول الاتحاد الأوروبي.

وارتفعت نسبة الإقبال على التصويت في جميع دول الاتحاد الأوروبي تقريباً ولكن إلى ما يزيد قليلاً على 50%. أحزاب الوسط الكبيرة بالكاد تمسكت بالسلطة، ولم يحصل أي حزب على تفويض شعبي حاسم. في حين فازت الأحزاب اليمينية المتطرفة في جميع أنحاء أوروبا، خصوصاً في فرنسا وإيطاليا.

تجديد القيادة

قدم أحد السياسيين في الحزب الاشتراكي الديمقراطي، وهو عضو في البرلمان الوطني الألماني، تقييماً صريحاً للمشكلات التي يواجهها حزبه وأحزاب التيار الرئيس الأخرى، سواء في انتخابات بريمن أو الاتحاد الأوروبي: لديها عدد قليل من القادة الشباب والكاريزميين ليحلوا محل كبار السن في الحزب، والذين يبدو أنهم مترددون في ترك الساحة بقواعدها التقليدية للتصويت. النقابات العمالية تتراجع مع اختفاء وظائف التصنيع، ما يفسح المجال لاقتصاد أكثر رقمنةً قائم على الخدمات. وجميع الأحزاب في جميع أنحاء أوروبا، باستثناء الأحزاب اليمينية المتطرفة، تبنت حملات انتخابية تركز على البرامج المؤيدة للاتحاد الأوروبي. وذلك بعد الملحمة الفوضوية في المملكة المتحدة، حيث قلصت حتى الأحزاب اليمينية المتطرفة حملتها للخروج من الاتحاد الأوروبي. في وقت لعب فيه العديد من الأحزاب الصغيرة على وتر التغيير والأفكار الجديدة.

احتكار عفى عليه الزمن

أشارت مرشحة البرلمان الأوروبي، سفينجا هان، 29 عاماً، عن الحزب الديمقراطي الحر، وهو حزب ليبرالي صغير في ألمانيا، إلى أن احتكار ائتلاف يمين الوسط واليسار الوسطي المستمر منذ فترة طويلة قد عفى عليه الزمن، ما أعطى حزبها الفرصة. وأعربت عن أملها أن يؤدي ظهور أحزاب صغيرة مؤيدة لأوروبا إلى «جلب بعض الرياح الجديدة» إلى النظام السياسي.

على مر السنين، تجذرت الأحزاب اليمينية المتطرفة في بروكسل وبرلين وعواصم أوروبية أخرى ذات أقليات كبيرة. وتعتقد المحللة السياسية البارزة في مركز السياسة الأوروبية بمركز بروكسل، كورينا ستراتولات، أن الأحزاب اليمينية المتطرفة موجودة لتبقى «مادامت الأحزاب الوسطية تكافح من أجل إيجاد طرق لاستعادة الناخبين الساخطين».

في الماضي، فشلت محاولات الأحزاب المتطرفة الصغيرة في تشكيل كتل تصويت دائمة ومتماسكة. وفي الانتخابات الأوروبية التي تضم 751 مقعداً، أظهرت النتائج المؤقتة أنه من المتوقع أن يحتفظ حزب الشعب الأوروبي بالأكثرية بـ177 مقعداً، بينما يخسر 40 مقعداً. ومن المتوقع أن يحتفظ الاشتراكيون والديمقراطيون بـ149 مقعداً من أصل 186 مقعداً، بينما سينمو الخضر من 52 إلى 69 مقعداً، وستنمو مجموعة «ألدي» الليبرالية إلى 107 مقاعد. بشكل جماعي، سيشمل خليط الأحزاب اليمينية المتطرفة والمناهضة للاتحاد الأوروبي، بما في ذلك أحزاب «بركسيت» في المملكة المتحدة، نحو ربع البرلمان.

في ألمانيا، كانت خسائر الحزب الاشتراكي الديمقراطي في الانتخابات الأوروبية مؤلمة بشكل خاص؛ فقد أظهرت النتائج أنها حصلت على 15.8% فقط من الأصوات - ما يقرب من نصف ما حصلت عليه في الانتخابات البرلمانية للاتحاد الأوروبي لعام 2014 - والتي تترجم إلى 16 مقعداً في البرلمان الأوروبي. وحصل الخضر على 20.5% من الأصوات، بمنحهم 21 مقعداً، في حين حصل حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي وحزبه الشقيق في بافاريا - الاتحاد الاجتماعي المسيحي، على 28.9% من الأصوات - بانخفاض أكثر من 6% عن عام 2014 - بمنحه 29 مقعداً.

وقت عصيب

يكافح حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي، منذ فترة طويلة، تماماً مثلما تفعل زعيمته المستشارة أنغيلا ميركل، التي تستعد للتقاعد. أنجريت كرامب - كارنباور، خليفتها كزعيمة للحزب، قد واجهت وقتاً عصيباً بعد اقتراح نقاشات حول اللوائح المتعلقة بالمناقشات السياسية عبر الإنترنت خلال الانتخابات، ما أثار اتهامات بالدفع نحو الرقابة. وجاءت هذه التعليقات بعد أن قام أحد مشاهير «يوتيوب»، في ألمانيا، بنشر مقطع فيديو ينتقد سياسة الحزب.

ويعتقد العديد من أعضاء الحزب الديمقراطي الاشتراكي أن سبب تراجع شعبية حزبهم، يرجع إلى الائتلافات التي شكلها مع الأحزاب الأخرى، وهو اتجاه متقطع على مدار عقود.

وكان هناك صراع في اليسار لتحديد ما الذي يفعله، وما هو برنامجه، وفقاً لأحد أنصار الحزب الديمقراطي الاشتراكي، يدعى جانيس، 20 عاماً. كان الأخير وهو أحد الشباب القليلين الذين شاركوا في تجمع بريمن، يأمل أن يعود الحزب إلى جذوره، ويبدأ في تجديد مخزون الناخبين الموالين له من الشباب. وقال: «آمل أن يتمكن الحزب من التغيير».

في الوقت الحالي، قام العديد من سياسيي الوسط، في ألمانيا، بتشخيص المشكلة على الأقل، حتى أثناء كفاحهم من أجل إيجاد علاج. صعد بولمان - عضو الحزب في البرلمان الأوروبي، أمام الحشد في بريمن للحصول على المصافحات وصور تذكارية، مستخدماً لهجة متفائلة للحزب الاشتراكي الديمقراطي بمنهجه التقليدي لتعزيز شبكات الأمان الاجتماعي والدفاع عن الطبقة العاملة. لكن بدا أنه يعترف بالمشكلات عميقة الجذور.

وقال: «سنحاول خطوة بخطوة لإعادة بناء الثقة وتبني سياسات تقدمية، حتى نتمكن من إقناع مؤيدينا مرة أخرى بأن هذا هو الخيار الصحيح». متابعاً: «لا يمكننا أن نرث الأغلبية بعد الآن. علينا الفوز بها مرة أخرى».

روبي غرامر: مراسل الشؤون الدبلوماسية والأمن القومي


- احتلت الأحزاب اليمينية

المتطرفة المرتبة

الأولى متقدمة

على أحزاب الوسط،

في فرنسا وإيطاليا،

بينما ارتفع دعم

أحزاب الخضر إلى

المركز الثاني أو الثالث

في ألمانيا وفرنسا

وإيرلندا وفنلندا.

طباعة