خسرت التصويت البرلماني على اتفاقيتها 3 مرات

تيريزا ماي عاشت وهم الـ «بريكست» بأفضل الشروط

صورة

كانت عملية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست) هي التي أوصلت رئيسة الوزراء البريطانية المستقيلة تيريزا ماي إلى منصبها، كما أنها هي التي قضت عليها. ولقد وصلت ماي الى منصب رئيسة الحكومة بالمصادفة، وفشلت في البقاء، في حين أن أحداً لن يتذكر أي مأثرة مشرقة إبان وجودها في السلطة حتى أقرب الناس إليها.

وكانت ماي ألقت خطاب استقالتها خارج مقر إقامتها في «10 داوننغ ستريت» صباح يوم الجمعة الماضي (24 مايو)، وكانت تذرف الدموع، وحاولت أن توضح أنها كانت ضحية الظروف التي كانت أكبر منها، وأنها فعلت ما بوسعها، لكنها فشلت. وأنها حاولت الحصول على اتفاق خروج من الاتحاد الأوروبي من شأنه أن يحقق وعودها، بيد أن خصومها في البرلمان خذلوها، على الرغم من أن بعضهم كان من حزبها.

وحتى لو كان هناك بعض الحقيقة في ما ذكرت، إلا أنه يمثل إعادة غير مقبولة لكتابة التاريخ الحالي. وفي واقع الأمر فإن الوصول إلى منصب رئيس الوزراء يعني قيادة الدولة، والقيادة تعني أن تستمع وتلهم، وتحقق وعودك للشعب، ولكن ماي فشلت في كل شيء. وقد غادرت السلطة وهي محرومة حتى من المواساة الاعتيادية، التي تخفف عادة من صدمة مغادرة المنصب. لقد كانت لديها مهمة واحدة، لكنها فشلت بها.

لقد كانت هذه المهمة، كما دأبت على القول، هي احترام نتائج الاستفتاء المتعلق بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وعلى الرغم من أن ماي صوتت للبقاء في الاتحاد الأوروبي، إلا أنها فعلت ذلك دون حماس، حيث كانت تلعب دوراً تافهاً خلال حملة الاستفتاء ذاتها. وبخلاف منافسيها على منصب رئاسة الحكومة وأشهرهم بوريس جونسون، لم تكن ماي تكشف عن آرائها بشأن الوصول إلى رئاسة الحكومة. وكانت تحفظاتها، وافتقارها لقاعدة ضخمة في الحزب، وشخصيتها غير المعروفة أصلاًَ، تعتبر سمات إيجابية لمصلحتها. ولو أنه كان لها عدد قليل من الأنصار إلا انه كان لها عدد قليل من الأعداء أيضاً. ولقد أرادت ماي أن لا تكون رئيسة وزراء لقضية البريكست فقط، ففي خطاب تسلمها السلطة تحدثت أنها تريد أن تقود بريطانيا في وضعها الصعب الذي ستعانيه الكثير من العائلات.

التفكير في الفقراء

وقالت ماي: «عندما سنتخذ أي قرار لن نفكر بالأطراف القوية فقط وانما بكم أنتم الفقراء، وسنستمع إلى معاناتكم. وعندما نحقق الازدهار أنتم أول من سيستفيد منه» وان هذه الحكومة ستكون للفقراء والعمال وليس للقلة الأثرياء، مؤكدة أن التصويت على البريكست ليس للخروج من الاتحاد الأوروبي، وإنما هو التصويت الذي يشكل أكبر احتجاج على السياسة البريطانية منذ الحرب العالمية الثانية.

وبغض النظر عن مدى جمالية هذه الكلمات والوعود، إلا انها تبدو الآن بعيدة كل البعد عن التحقيق. وقد استهلكت البريكست حكومة ماي أكثر من أي شيء آخر. وكانت ماي هي التي قررت بدء العملية الرسمية بمغادرة الاتحاد الأوروبي، قبل أن تكون المملكة المتحدة مستعدة لذلك، أو حتى قبل أن يكون لديها أي فكرة واضحة عن أهداف ذلك. وكانت ماي هي التي حددت المعنى الحقيقي للبريكست، حيث رسمت الخطوط الحمراء التي لم تتمكن من الابتعاد عنها، بل إنها حبست نفسها في متاهة هذه الخطوط ولم تتمكن من الخروج منها.

ومن ضمن الخطوط الحمراء الأساسية هو إصرار رئيسة الحكومة على أن مغادرة الاتحاد الأوروبي يعني نهاية عهد التنقلات الحرة للأشخاص، وهو واحد من المبادئ الجوهرية التأسيسية للاتحاد الأوروبي الحديث. وفي الوقت ذاته، كافحت ماي كي تصنع اتفاقية للخروج من الاتحاد الأوروبي من شأنها أن تقلل إلى أدنى حد التداعيات الاقتصادية التي يمكن أن تحدث بلا ريب، بعد مغادرة السوق الموحدة للاتحاد الأوروبي. ويمكن أن تحتفظ بريطانيا بالعديد من الأشياء التي تعجبها في الاتحاد الأوروبي، وفي الوقت ذاته تستقيل من النادي الأوروبي. وكان من الواضح أن تحقيق ذلك لا يمكن أن تقبل به بروكسل.

مشكلة عويصة

ومن ضمن المشكلات العويصة التي واجهتها ماي أن حكومتها كانت تفتقر الى القوة البرلمانية، فقد ورثت عن سلفها ديفيد كاميرون أغلبية بسيطة في البرلمان، وعلى الرغم من أنها استبعدت سابقاً اجراء انتخابات مبكرة، إلا أنها قررت لاحقاً أن بداية جديدة وتجديد التفويض بالحكم مسألة ضرورية. وكانت الانتخابات العامة التي دعت اليها في نهاية ربيع عام 2017 بمثابة الكارثة على الحزب، إذ خسر حزب المحافظين أغلبيته في البرلمان، وخسر معها قدرة ماي على السيطرة على عملية البريكست. وأصبحت الآن تحت رحمة أعضاء البرلمان المستقلين وغيرهم، الذين كان بعضهم ينظر بصورة متزايدة الى اقتراحاتها باعتبارها خيانة للمعنى الحقيقي للبريكست.

وإثر ذلك أصبحت ماي في وضع صعب جداً، فقد أصبحت تفتقر إلى السلطة ضمن حزبها ذاته، في حين أنها تفتقر الى التخيل السياسي، وربما الذكاء العاطفي، الذي تحتاجه كي تكسب الدعم من الأطراف الاخرين في مجلس اللوردات.

وفي غضون ذلك، أصبحت الحقيقة الشاملة والمعقدة للبريكست أكثر وضوحاً بصورة مؤلمة، وأصبح الحلم الذي كان يراود أنصار البريكست في تحقيق المغادرة السريعة للاتحاد الأوروبي دون خسارة، بعيداً جداً عن الواقع. وبالرغم من ذلك فإن احتمالات التوصل إلى حل وسط للبريكست تتناقص بصورة متسارعة.

وكانت ماي قالت إن «البريكست يعني البريكست»، وإن كان هذا لم يحل أو يوضح أي شيء. وأمضت شهوراً عدة وهي تقول إن «عدم التوصل إلى اتفاق أفضل من الاتفاق السيئ». ويعترف أنصارها بأن اتفاق الانسحاب من الاتحاد الأوروبي الذي توصلت اليه والذي تفاوضت مع الاتحاد الأوروبي بشأنه، هي صفقة أقل من المطلوب، وإنه كان بالإمكان تحقيق أفضل من ذلك.

وجلبت ماي اتفاقيتها إلى البرلمان ثلاث مرات، وتم رفضها في المرات الثلاث أيضاً. ورفضت وبكل عناد وإصرار تصديق أنها أصبحت ميتة. وحتى هذا الأسبوع ظلت ترفض تصديق ذلك، وأنه مع بعض التعديلات التجميلية يمكنها حمل الاتفاقية إلى البرلمان للمرة الرابعة. وكان الإصرار والتصميم اللذان كانا يعتبران أقوى ميزات ماي، أصبحا الان شيئاً من الوهم. والآن انتهى كل شيء.

أنقاض

وتركت ماي الأنقاض لدى مغادرتها منصبها. وفي انتخابات البرلمان الأوروبي يوم الأحد الماضي (26 مايو) تعرض حزبها المحافظ لانتكاسة تاريخية. وغادر كثيرون حزب المحافظين وانتقلوا إلى حزب بريكست الذي أسسه السياسي البريطاني اليميني نيجل فرج، وهناك منهم من سيصوت لبقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي.

والآن يبدو المستقبل أكثر ضبابية من أي وقت مضى، إذ إن حزب المحافظين يمتلك البريكست وتعرض للاستهلاك بسببها. وإرث ماي أصبح حزباً محطماً في برلمان محكم في دولة منقسمة بصورة سيئة. وأصبحت سمعة حزبها في حالة يرثى لها، والأمر الوحيد الإيجابي لمصلحة حزب ماي هو عدم تحمس البريطانيين لحكومة عمالية يقودها جيرمي كوربين.

- ماي قررت بدء

العملية الرسمية

بمغادرة الاتحاد

الأوروبي قبل أن تكون

بريطانيا مستعدة لذلك،

أو حتى قبل أن يكون

لديها أي فكرة واضحة

عن أهداف ذلك.

- كافحت ماي كي تصنع

اتفاقية للخروج من الاتحاد

الأوروبي من شأنها أن تقلل

إلى أدنى حد التداعيات

الاقتصادية التي يمكن

أن تحدث بلا ريب، بعد

مغادرة السوق الموحدة

للاتحاد الأوروبي.

أليكس ماسي : صحافي بريطاني

 

طباعة