مواجهتهما معاً مسألة صعبة

التوتر بين واشنطن وطهران يُظهر دور الميليشيات «الوكيلة»

صورة

تتصاعد حدة التوتر بين الولايات المتحدة الأميركية والميليشيات المنضوية تحت مظلة «الحشد الشعبي» في العراق و«حزب الله» في لبنان، بموازاة التصعيد الجاري بين الأولى وإيران، على خلفية العقوبات التي تواصل فرضها عليها عقب انسحابها من الاتفاق النووي في الثامن من مايو 2018، والتي ردت عليها إيران بخفض مستوى التزاماتها في الاتفاق النووي مع حلول الذكرى الأولى للانسحاب الأميركي في الثامن من مايو 2019.

وتشير تقارير أميركية عدة في هذا الصدد إلى تنامي خطر «وكلاء إيران» على مصالح واشنطن في الشرق الأوسط، بما يتجاوز التهديد المباشر من جانب إيران ذاتها، وهو ما يفسر تغير الاستراتيجية الأميركية التي باتت تربط بشكل مباشر بين إيران ووكلائها الإقليميين. وقد تزايد اهتمام دوائر الأمن الأميركية بالميليشيات العراقية، خصوصاً الموالية لإيران، في ضوء الحذر من تداعيات العلاقات بين تلك الميليشيات وإيران على الوجود الأميركي في العراق وسورية، حيث تنشط تلك الميليشيات بكثافة على خطوط التماس في بعض المواقع التي توجد فيها القوات الأميركية، وهو ما يتوازى أيضاً مع الإجراءات التي تواصل واشنطن اتخاذها إزاء «حزب الله» في لبنان.

متغيرات طارئة

اتخذت الولايات المتحدة الأميركية، خلال الفترة الأخيرة، سلسلة إجراءات ضد «وكلاء إيران» الإقليميين، وبعضها استبق القرارات التي تبنتها ضد إيران ذاتها، وبدا ذلك جلياً في العراق تحديداً، التي مثلت، في مرحلة سابقة، محوراً لتفاهمات بين واشنطن وطهران، سواء كانت تتعلق بالعراق أو بدول أخرى مثل أفغانستان، وهي المرحلة التي يبدو أنها انتهت مع اتساع نطاق الخلاف بين واشنطن وطهران في العامين الأخيرين.

وقد تعددت مظاهر هذا التصعيد بتعدد مواقع الحلفاء التي تشكل بدورها ساحات نفوذ لإيران في المنطقة. ففي العراق، وعلى الرغم من احتواء جولة التصعيد التي اندلعت بين الولايات المتحدة الأميركية وميليشيا «الحشد الشعبي» في الثالث من فبراير 2019، على خلفية التصريحات التي أدلى بها الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، وقال فيها إن «هدف القوات الأميركية في العراق هو مراقبة إيران»، إلا أن الارتدادات التي فرضتها لم تتراجع، حيث كشف ثلاثة مسؤولين أميركيين، طبقاً لتقارير عدة، عن رصد الاستخبارات لتهديدات عدة وجادة من جانب إيران وقوات تابعة لها في المقام الأول ضد القوات الأميركية في العراق، وهو ما لا يمكن فصله عن قرار واشنطن إرسال حاملة الطائرات الأميركية «إبراهام لينكولن» وقاذفات قنابل إلى منطقة الشرق الأوسط.

وبمواكبة ذلك، توالت تحذيرات الإدارة الأميركية التي وضعت إيران ووكلاءها في سلة واحدة كمصدر للتهديد، حيث قال جون بولتون، مستشار الأمن القومي، في بيان له في السادس من مايو 2019، إن «الولايات المتحدة الأميركية لا تسعى إلى حرب مع النظام الإيراني في الوقت الراهن، لكنها مستعدة تماماً للرد على أي هجوم، سواء من وكلاء إيران أو من الحرس الثوري أو القوات النظامية الإيرانية».

في مقابل ذلك، أعلنت ميليشيات عراقية عدة دعمها لإيران في مواجهة رفع مستوى العقوبات الأميركية ضدها، حيث لوح بعضها باستخدام القوة ضد الوجود الأميركي في العراق. ويعد موقف ميليشيا «عصائب أهل الحق» أحد المواقف الأكثر تشدداً في هذا السياق، حيث أكدت دعمها لموقف إيران في مواجهة الضغوط الأميركية، وإن كان ذلك لا ينفي أن أحد أسباب هذا التشدد يعود إلى توجه واشنطن نحو إدراج الميليشيا على لائحة الإرهاب، على النحو الذي دفعها إلى تهديد الأخيرة بأنها «ستدفع ثمن ذلك».

اللافت للانتباه في هذا السياق أيضاً، أن واشنطن استبقت قرار تصنيف الحرس الثوري منظمة إرهابية بإدراج حركة «النجباء» في هذه القائمة، قبل أكثر من شهر، في مؤشر إلى أن واشنطن تعاملت مع تلك الميليشيات كأولوية للتهديد، قبل أن تتعامل مع مصدر التهديد ذاته لاحقاً، ثم أصبحت تساوي بين الطرفين في ضوء العلاقة العضوية بين الحرس الثوري وهذه المليشيات.

أما في لبنان، فرغم أن الخطاب العدائي تاريخي بين «حزب الله» والولايات المتحدة الأميركية، ومن خلفها إسرائيل، إلا أن رفع مستوى العقوبات المفروضة على الحزب أخيراً، في إطار العلاقة مع إيران، والدور الذي مارسه على الساحة السورية، فضلاً عن تنامي مخزونه الصاروخي بدعم من جانب الأخيرة، ضاعف من حدة التصعيد من الجانبين، لاسيما أن ذلك توازى مع فرض إجراءات مالية ضد الحزب، من خلال آليات الرقابة المالية الأميركية، وإعلان واشنطن جوائز مليونية لمن يدلي بمعلومات عن تمويل الحزب.

ما بعد التصعيد

تظل احتمالات المواجهة بين الولايات المتحدة الأميركية والميليشيات في العديد من الساحات قائمة، لاسيما في العراق، مع استمرار خطاب التصعيد من جانب الزعامات الدينية والميليشياوية ضد واشنطن. لكن في مقابل ذلك، ترجح اتجاهات عدة أن تواصل واشنطن، كخطوة أولى، عملية إدراج الميليشيات العراقية على لائحة الإرهاب، خصوصاً «عصائب أهل الحق» التي ينتظرها هذا القرار، وهو ما سيزيد من مستوى التوتر على الجانبين، وقد يتصاعد الموقف إلى حد اندلاع مواجهة بين الطرفين في شكل عمليات محدودة لاستهداف مواقع عسكرية أو مستشارين أو مصالح.

لكن تظل هناك تحديات عدة في هذا الصدد، منها أنه سيكون من الصعب على الولايات المتحدة الأميركية الدخول في مواجهة غير نمطية مع الميليشيات في ساحات عدة، وفي وقت متزامن، على النحو الذي أشارت إليه العديد من التقارير الأميركية، بما يعني أن واشنطن قد ترى أن من الأفضل العمل على تعزيز أمن مصالحها، بشكل يبدو جلياً في اتجاهها خلال الفترة الأخيرة، وإظهار القوة كعامل للردع من أجل منع إيران والميليشيات الموالية لها من الإقدام على أي خطوة محتملة في هذا السياق.

• سيكون من الصعب على الولايات المتحدة الأميركية الدخول في مواجهة غير نمطية مع الميليشيات في ساحات عدة وفي وقت متزامن، على النحو الذي أشارت إليه العديد من التقارير الأميركية.

• توالت تحذيرات الإدارة الأميركية التي وضعت إيران ووكلاءهافي سلة واحدة كمصدر للتهديد، حيث قال جون بولتون، مستشار الأمن القومي، في بيان له في السادس من مايو 2019، إن «أميركا لا تسعى إلى حرب مع النظام الإيراني في الوقت الراهن، لكنها مستعدة تماماً للرد على أي هجوم من قبل وكلاء إيران، أو من الحرس الثوري، أو القوات النظامية الإيرانية».

طباعة