لسهولة التفاف إيران عليها

استراتيجية واشنطن الحالية لن تردع طهران في الشرق الأوسط

صورة

منذ وصول الرئيس دونالد ترامب للسلطة عام 2017، كان الموضوع الثابت في سياسته الخارجية هو موقفه الثابت نحو إيران. وفي تغير أساسي عن سلفه قوض ترامب الاتفاق النووي مع إيران، واستبدله بالاستراتيجية الإيرانية. وكان العنصر الأول الجوهري في هذه الاستراتيجية «يركز على تحييد التأثير الإيراني المزعزع ولجم عدوانه»، وتحدث وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، في خطاب له عن أن النظام الإيراني استخدم المال، الذي حصل عليه عبر الاتفاقية النووية لتمويل «حروب بالوكالة في الشرق الأوسط»، ولمواجهة إيران، أكد بومبيو أن الولايات المتحدة «ستمارس ضغطاً مالياً غير مسبوق على النظام الإيراني»، وعلى الرغم من أن الضغوط المالية ضرورية لمنع قدرات إيران على دعم الإرهاب، فإنها ليست بحد ذاتها استراتيجية شاملة لإخراج إيران من العراق وسورية، واليمن، ولبنان.

وفي هذه الأيام، تتجاوز نشاطات إيران الشريرة مجرد الدعم المالي لبعض المجموعات الإرهابية السرية، إذ إنها ترسخ نفسها الآن في العراق وسورية، وتشن حرباً بالوكالة في اليمن، وتسلح وتدرب مجموعات شيعية في لبنان، وأجزاء أخرى في المنطقة. وفي الحقيقة، لا يمكن التعامل مع خطر إيران المتزايد بمعزل عن عاملين مهمين، هما: طبيعة التفكير الجيو-أيديولوجي الإيراني، والسياق الأمني الإقليمي الذي تتمدد فيه إيران. ولفهم السلوك الإيراني التوسعي، ينبغي على المرء أن يفهم أولاً المنطق الإيراني في التوسع.

منذ ثورة عام 1979، اعتقد النظام الإيراني أن تصدير ثورته السياسية الدينية مسألة ضرورية، من أجل استمراره. وخلال حسابات إيران، يكون النمو الاقتصادي والازدهار القومي خاضعاً لأيديولوجية التوسع. وبناء عليه من الخطأ الافتراض أن النظام الإيراني سيستجيب للعقوبات الاقتصادية بصورة عقلانية. والحقيقة أن إيران كانت قادرة على توسيع نفوذها وبناء برنامجها النووي، على الرغم من العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها منذ عام 1979، ما يعطي مؤشراً إلى أولوياتها الأساسية، إضافة إلى سلوكها في ظل هذه العقوبات.

عوامل إقليمية

ولكن على الرغم من ثباتها الأيديولوجي، فإن معظم التوسع الإيراني كانت له علاقة بالعوامل الإقليمية أكثر من جاذبية أيديولوجية النظام الإيراني. واستغلت إيران آليتين متداخلتين في المنطقة، هما: الآلية الداخلية للدول الفاشلة، وآلية تنافس الدول العظمى والتدخل. وإضافة إلى الاستفادة من هذه الآليات على المستوى العالمي والإقليمي، استغلت إيران الفوضى الناجمة عن هاتين الآليتين في المنطقة لتعبئة الميليشيات المحلية والعابرة للحدود في الدول التي تستهدفها.

وقدم الغزو الأميركي للعراق عام 2003 فرصة ذهبية لإيران، كي تخترق عدوها اللدود منذ زمن طويل. واستغل النظام الإيراني الاحتلال الأميركي كمطية للتوسع في العراق، وكرافعة أيديولوجية لتدخلها في هذا البلد. وساعدت السياسة الطائفية الأميركية في العراق إيران على إقامة علاقات طائفية قوية، ليس مع الحكومات العراقية الشيعية فقط، وإنما الأكثر خطورة هو تلك العلاقات التي وطدتها إيران مع شبكة مع الميليشيات الشيعية، التي حارب بعضها القوات الأميركية، ولايزال يشكل تهديداً كبيراً للعراق والمنطقة بشكل عام. وعلى الرغم من العقوبات الأميركية ووجودها العسكري في العراق، فإن إيران تتمتع بنفوذ سياسي، واقتصادي، وأيديولوجي في هذه الدولة. ووصف مسؤول إيراني كبير العراق بانها «قناة أخرى لإيران كي تلتف على العقوبات الأميركية الظالمة».

فرصة جديدة

وفي عام 2011، قدم ما يعرف بـ«الربيع العربي» فرصة أخرى لإيران، لتتوسع في دول أخرى. وكانت جميع الظروف التي سمحت لإيران بالتوسع في العراق موجودة في سورية، مثل تدخلات القوى الكبرى، والحكومة الضعيفة، والبيئة الفوضوية الملائمة والناجمة عن الحرب الأهلية السورية بين عدد كبير من الأطراف. وبخلاف عملياتها في العراق، كانت العمليات الإيرانية في سورية مدعومة من قوة عظمى هي روسيا. وفي الوقت الذي كانت فيه روسيا تدعم الطرف التقليدي في الصراع، استخدمت إيران نفوذها الأيديولوجي كي تستدعي المقاتلين الشيعة من جميع أنحاء العالم، لحماية المواقع الدينية الشيعية في سورية.

وساعد هذا النوع من التعبئة إيران على إنشاء شبكة من الميلشيات المتطرفة، التي ستشكل البيئة الأمنية والأيديولوجية في سورية لسنوات مقبلة. وأدت اللامبالاة الأميركية في سورية، ليس إلى تشجيع الميليشيات المدعومة من إيران في سورية، وإنما وكلاء إيران في أجزاء أخرى من المنطقة، خصوصاً الحوثيين في اليمن.

ومن خلال الدعم الإيراني، أصبح الحوثيون أول ميليشيات تمتلك صواريخ بالستية في المنطقة، بحيث إنها صارت تهدد المنطقة برمتها. وفي عام 2015، وبعد تمرد الحوثيين على الحكومة المنتخبة في اليمن، قامت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا بدعم التحالف العربي، الذي تقوده المملكة العربية السعودية، لاستعادة الأمن والنظام في اليمن. لكن الولايات المتحدة بدأت تتخلى عن دعمها للتحالف العربي.

وفي مارس 2019، وفي محاولة لتوبيخ الرئيس ترامب، صوت الكونغرس الأميركي على إنهاء معظم الدعم الأميركي الملموس للتحالف العربي، عن طريق وقف تزويد طائرات التحالف بالوقود جواً. وانتقد وزير الخارجية هذا التصويت، وقال «الطريقة المناسبة لتخفيف معاناة الشعب اليمني ليست عن طريق إطالة أمد الصراع، وإعاقة شركائنا عن القتال، وإنما عن طريق منح التحالف الذي تقوده السعودية الدعم الذي يحتاجه، من أجل هزيمة المتمردين المدعومين من إيران، وضمان السلام العادل»، وفي حقيقة الأمر إن سحب الدعم الأميركي للتحالف العربي في اليمن لا يقوض استراتيجية ترامب في إيران فقط، وإنما يضع المصالح الأميركية الحيوية بالمنطقة في خطر.

تدخل غير مسبوق

يقوم الإيرانيون في هذه الأيام بتدخل في المنطقة يؤدي إلى زعزعة الاستقرار فيها، حيث إنه وصل إلى مستوى غير مسبوق من قبل. ولإخراج إيران من المنطقة، نحتاج إلى استراتيجية متعددة تتجاوز مجرد الضغوط المالية. وقد نجحت إدارة ترامب في كبح جماح برنامج الصواريخ البالستية الإيرانية ودعمها للإرهاب.

لكن للتخلص من النفوذ المزعزع لإيران، يجب أن تكون استراتيجية ترامب إزاء إيران جزءاً ثابتاً من استراتيجية أميركية شاملة ليس لإيران فقط، إذ إن الأكثر أهمية هو الدول التي تهيمن عليها إيران. وثمة ضرورة لموقف أميركي ثابت وحازم لطمأنة حلفاء واشنطن، من شأنه أن يردع المعتدين ويوفر للدول التي تهيمن عليها إيران بديلاً معقولاً عنها وعن حلفائها.

وحتى الآن، تبدو السياسات الأميركية إزاء العراق، وسورية، واليمن، أنها تقوض استراتيجيتها المتعلقة بإيران، إذ إن انسحاب الولايات المتحدة أو تخفيض دورها إلى أدنى حد ممكن في المنطقة، خلال هذه المرحلة، سيسهم في صنع الظروف التي تزيد التوسع الجيوسياسي الإيراني في المقام الأول.

• إيران كانت قادرة على توسيع نفوذها، وبناء برنامجها النووي، على الرغم من العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها، منذ عام 1979، ما يعطي مؤشراً إلى أولوياتها الأساسية، إضافة إلى سلوكها في ظل هذه العقوبات.

• من خلال الدعم الإيراني أصبح الحوثيون أول ميليشيات تمتلك صواريخ بالستية في المنطقة.

سعد السبيعي - باحث في الأمن الدولي بالمجلس الوطني حول العلاقات الأميركية العربية

طباعة