كابوس محتمل في الشرق الأوسط

هل تشعل الضربات الإسرائيلية على سورية حرباً مع روسيا؟

طائرة «سوخوي-24» روسية في قاعدة حميميم بسورية. أ.ف.ب

لاتزال القوات الإسرائيلية مصممة على مواصلة قصف أهداف في سورية، وفي الوقت نفسه يحتمل أن يصيب هذا القصف الآلاف من القوات الروسية في سورية، والتي قد تشترك في القتال إذا رأت موسكو أن هذه الضربات توجع حليفتها سورية. وإذا انخرطت إسرائيل وروسيا في القتال، فهل يشعر الأخ الأكبر لإسرائيل، وهو الولايات المتحدة، بأنه مضطر للتدخل؟

لا يبدو أن موسكو أو تل أبيب ترغبان في حدوث مثل هذا السيناريو. وكما صرح مسؤول كبير في الجيش الإسرائيلي، بأنه «لا أحد منا يرغب في مواجهة عسكرية، لأن ذلك سيكون ضاراً لكلا الجانبين». ومع ذلك، فإن سياسة إسرائيل تتلخص في «أنها ستفعل كل ما تراه ضرورياً، لإخراج القوات الإيرانية من سورية»، وإذا لم ترغب روسيا في ذلك، فإن هذه الضربات تمثل ثمن ضمان عدم تحول سورية إلى قاعدة صاروخية إيرانية أخرى على حدود إسرائيل.

العلاقات بين تل أبيب وموسكو أكثر دفئاً، مما كان عليه الحال خلال الحرب الباردة. ويذكرنا هذا الوضع بالمهادنة الأميركية - السوفييتية في السبعينات، وعلى السطح يبدو أن هناك بعض الود والرغبة في التعاون، لكن تحت هذه الابتسامات يوجد الحذر والشك وصراع المصالح الأساسية.

يقول مسؤول في الجيش الإسرائيلي، الذي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته: «لا أحد في إسرائيل يختلط عليه الأمر، بشأن من هم الروس وإلى من ينحازون». ويتابع «الروس ليسوا حلفاء لنا، وبعبارة ملطفة، لدينا حليف واحد، هو الولايات المتحدة، الروس هنا لأهداف مختلفة تماماً، إنهم يدعمون نظام سورية، الذي يهدف بصراحة للقضاء على إسرائيل إن أمكن، كما أنهم جزء من تحالف يضم إيران».

وأصبح واضحاً إلى أي مدى يمكن أن تؤدي العمليات العسكرية الإسرائيلية لوقوع حادث، قد يتسبب في توتر العلاقات بين البلدين، وظهر ذلك جلياً خلال الغارة الإسرائيلية في سبتمبر عام 2018، على مستودعات الذخيرة في غرب سورية، عندما أسقطت الصواريخ السورية المضادة للطائرات طائرة مراقبة روسية من طرازاليوشن-20، عن طريق الخطأ، ما أسفر عن مقتل 15 شخصاً. ونفت إسرائيل الاتهامات الروسية بأنها استخدمت الطائرة الروسية عن عمد كغطاء، لكنها فشلت في إعطاء موسكو ما يكفي من التحذير من الغارة. ومع ذلك، لاتزال روسيا تلقي باللوم على إسرائيل في هذا التصعيد، وتعد للانتقام من خلال تزويد سورية بصواريخ متطورة من طراز إس-300.

ومع ذلك، ترى إسرائيل في روسيا عاملاً رادعاً، يستطيع أن يضبط أي عدوان إيراني على إسرائيل، وعامل دفع يستطيع إخراج القوات الإيرانية من سورية. فبعد اجتماع في فبراير، بين رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، والرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، لإصلاح العلاقات بعد حادثة اليوشن-20، زعم المسؤولون الإسرائيليون أن بوتين وافق على انسحاب القوات الأجنبية من سورية. وبالنسبة لموسكو، فإن علاقاتها الودية مع إسرائيل توفر لها نفوذاً أكبر في الشرق الأوسط، حتى في الوقت الذي قد تخفض فيه أميركا وجودها في المنطقة.

ومع ذلك، ندد الكرملين بالضربات الإسرائيلية في سورية باعتبارها «غير شرعية». لقد ظلت سورية حليفاً روسياً لأكثر من 50 عاماً، وأنقذت روسيا إضافة إلى حلفاء دمشق الرئيس السوري، بشار الأسد، من انهيار حكومته. وانتشر ما لا يقل عن 36 ألف جندي روسي في سورية منذ عام 2015. وعلى الرغم من أن بوتين قد وعد منذ عام 2016 بسحب القوات الروسية، فلاتزال روسيا تحتفظ حالياً بأكثر من 5000 عنصر في سورية، تدعمهم عشرات الطائرات والمروحيات. إلا أن الواقع يقول إن روسيا جاءت إلى سورية لتبقى هناك. ويعتبر ميناء طرطوس السوري هو القاعدة البحرية الوحيدة لروسيا في البحر الأبيض المتوسط، وفي عام 2016، وقعت موسكو ودمشق اتفاقاً مدته 49 عاماً، يسمح للسفن الحربية الروسية التي تعمل بالطاقة النووية بالعمل هناك. بالإضافة إلى ذلك، تعمل الطائرات الروسية وصواريخ أرض جو، بما في ذلك نظام الدفاع الجوي البعيد المدى إس-400، الذي يعمل من قاعدتين جويتين على الأقل في غرب سورية. ويمكن لإسرائيل أن تتعايش مع الجوار الروسي، لكن ليس مع الإيرانيين.

وقال مسؤول في الجيش الإسرائيلي: «يمكننا أن نجعل الأمر أكثر صعوبة، وأن نفرض على إيران ثمناً لا تستطيع دفعه، وأن سلاح الجو الاسرائيلي، كما أعلن نتنياهو، هاجم أهدافاً إيرانية وأخرى تابعة لحزب الله مئات المرات، بعد هجوم مدمر على مستودعات الأسلحة الإيرانية، بالقرب من مطار دمشق الدولي في يناير».

وأجاب مسؤول إسرائيلي، عندما سئل عما إذا كانت روسيا تردع الغارات الإسرائيلية على سورية، قائلاً: «نواصل تنفيذ خططنا، وتشير أنشطتنا إلى أنه على الرغم من كل شيء، فإننا نتمتع بحرية حركة كبيرة».

لكن المثير في الأمر كان رده في كلمة واحدة، عندما سئل عن مدى استعداد إسرائيل للقتال من أجل حرية العمل هذه، أجاب قائلاً: «مستعدون». الأمر الذي يطرح السؤال: هل يمكن لإسرائيل أن تستهدف إيران في سورية دون إثارة صدام مع روسيا؟ هناك آليات لفك النزاع، بما في ذلك خط ساخن بين الجيشين الإسرائيلي والروسي. وقال المسؤول في الجيش الإسرائيلي: «نحن صارمون للغاية، في ما يتعلق بإبلاغ الروس بأنشطتنا». ومع ذلك، لم تكن تلك الإجراءات كافية لتجنب سقوط تلك الطائرة الروسية.

ربما كانت هذه الطائرة المنكوبة في المكان الخطأ وفي الوقت الخطأ، ومع ذلك ليس من الصعب أن يتخيل المراقب عدداً من السيناريوهات القاتلة: مثل مستشارين أو فنيين روس لقوا حتفهم في غارة إسرائيلية على منشأة إيرانية أو سورية؛ قنبلة إسرائيلية ذكية تخطئ هدفها لتضرب قاعدة روسية، أو طيار روسي أو بطارية مضادة للطائرات استفزتها غارة إسرائيلية قريبة على إطلاق النار، أو ربما شعرت روسيا بأنها مضطرة لدعم مكانة حليفها السوري وحكومته المهزوزة، وبدا واضحاً للجميع كيف أصبحت الأجواء السورية ملتهبة في ديسمبر 2017، عندما أطلقت المقاتلات الاميركية من طراز إف-22 قنابل مضيئة لتحذير طائرتي هجوم روسيتين من طراز سو -25، خرقتا منطقة محظورة في شرق سورية.

من الناحية الأخرى لن تحاول روسيا محاربة إسرائيل من أجل إيذائها، ويبدو أن المسؤولين في إسرائيل غير قلقين بشأن اشتباك مع القوات الروسية، لكنهم مهتمون أكثر بشأن توفير روسيا أسلحة متقدمة، مثل الصواريخ المضادة للطائرات، لأعداء إسرائيل.

• العلاقة بين تل أبيب وموسكو تذكر بالمهادنة «الأميركية - السوفييتية» في السبعينات، وعلى السطح يبدو بعض الود والرغبة في التعاون، لكن تحت هذه الابتسامات يوجد الحذر والشك وصراع المصالح.

طباعة