تحتاج إلى تعاون حكومات أميركا الجنوبية لتقويض نشاط الميليشيا اللبنانية

إدارة ترامب عاجزة عن إقناع الحلفاء بالحدّ من الجرائم المالية لـ «حزب الله».

صورة

أصدرت محكمة في ميامي، أخيراً، حكماً على رجل الأعمال اللبناني المقيم في ميامي، علي نصرالدين قصير، وهو مموّل لـ«حزب الله»، حيث أقرّ بأنه مذنب بتزوير جواز السفر والتآمر بشأن غسل أموال بقيمة تزيد على 70 مليون دولار. إدانة قصير هي ضربة البداية لسلسلة من القضايا المترابطة مع بعضها بعضاً، والتي تورط فيها مموّلو «حزب الله»، وهم نادر محمد فرحات، ومحمود علي بركات، ونظراؤهما العاملون في مجال الأعمال بالولايات المتحدة. وعند النظر الى هذه الحالات مجتمعة يكتشف المرء أنها تتعلق بمبالغ مالية تبلغ قيمتها مئات الملايين من الدولارات يتم تحويلها من خلال النظام المالي الأميركي، بغرض غسلها، وهي عبارة عن عائدات عمليات إجرامية، بما في ذلك الاتجار في المخدرات وتمويل الإرهاب.

ولتفادي هذا التهديد الواضح لسلامة النظام المالي الأميركي، بدأت الإدارة الأميركية في تكثيف ضغطها على شبكات «حزب الله» الخارجية، ومع ذلك تحتاج حكومات أميركا الجنوبية إلى تقديم المزيد من التعاون لجهود واشنطن لتحقيق النجاح. وينتمي كلّ من فرحات وبركات إلى «سيوداد ديل إستي»، وهي مدينة في باراغواي تقع في منطقة قريبة من الحدود مع الأرجنتين والبرازيل. ووصفت صحيفة «ميامي هيرالد» هذه المدينة بأنها «آلة غسيل عملاقة لأرباح المخدرات في أميركا اللاتينية، وبؤرة لجمع أموال الإرهاب»، حيث يتم تخليص مئات الأطنان من السلع التجارية هناك شهرياً، معظمها يأتي عن طريق الجو من ميامي ضمن رحلات البضائع التجارية.

العام الماضي، صنّفت وزارة العدل الأميركية «حزب الله» على أنه منظمة إجرامية عابرة للحدود. وأيضاً، منذ يناير 2017، فرضت وزارتا الخزانة والخارجية عشرات العقوبات على شبكات «حزب الله» الخارجية. ولكي يكون لمثل هذه الإجراءات تأثيرها الأقصى، تعتمد الولايات المتحدة على تعاون الحلفاء الإقليميين لفرض قيود مشددة على تدفق الأموال والأصول قبل أن يستطيع ممولو «حزب الله» نقلها إلى جهات بعيدة المنال. ويبدو أن الحكومات المحلية بطيئة في التصرف ضد شبكات «حزب الله»، وأحياناً تنكر وجودها. وبالنظر إلى مخاطر هذا التقاعس المحلي، تحتاج إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب لتكييف استراتيجيتها لتشمل عدداً من الأدوات، التي يمكن استخدامها في وقت واحد، وذلك لممارسة أقصى درجات من الضغط على كل شبكات «حزب الله» وممثليها الفاسدين.

إقناع الحلفاء

أولاً، يجب على الولايات المتحدة إقناع حلفائها الإقليميين باتخاذ تدابير ملموسة لمواجهة هذا التحدي. الجدير بالذكر أنه لم تصنف أيّ من حكومات البرازيل والأرجنتين وباراغواي «حزب الله» كمنظمة إرهابية. وفي حين أحرزت الأرجنتين تطورات مهمة في هذا الاتجاه، فإن البرازيل وباراغواي، وهما الدولتان اللتان تنشط فيهما شبكات «حزب الله» المالية، متخلفتان عن الركب. مثل هذا التشريع أمر بالغ الأهمية، ويجب على الرئيس ترامب استخدام مكانته لحث نظرائه على اتخاذ هذه الخطوة.

الزيارة الناجحة الأخيرة للرئيس البرازيلي الجديد، جايير بولسونارو، لواشنطن أرست الأساس لعلاقة شخصية مثمرة بين الزعيمين. ويتمتع ترامب بعلاقات حميمة مع الرئيس الأرجنتيني ماوريسيو ماكري، وعليه الاستفادة من هذه العلاقات الشخصية لإجبار برازيليا وبوينس آيرس على التحرك.

وتحتاج البرازيل وباراغواي والأرجنتين أيضاً إلى تشريع جديد لتعزيز إجراءات التحقيق والوقاية لدى وكالات الاستخبارات وإنفاذ القانون. وبمجرد تفعيل هذا الإطار التشريعي، ستتمكن هذه الحكومات من فرض العقوبات وإجراء التحقيقات بالاشتراك مع الولايات المتحدة. وسترسل التدابير المشتركة رسالة قوية إلى النظام المالي العالمي، وسيكون تجميد الأصول الخاصة بالأطراف المعنية أكثر شمولاً وفاعلية.

احتواء الضرر

ويجب أن تعمل حكومات باراغواي والأرجنتين والبرازيل أيضاً على احتواء الأضرار الناجمة عن التسريبات، أو الأسوأ من ذلك، العوائق التي يفرضها المسؤولون الفاسدون. وهذا هو السبب في أن الولايات المتحدة يجب أن تكون مستعدة للعمل بشكل مستقل عندما ترفض الحكومات الشريكة التعاون، أو عندما يقوض أفعال تلك الحكومات مسؤولون محليون فاسدون. ويجب أن تستمر التحقيقات الجنائية وإصدارات عرائض الاتهام والمحاكمات الناجحة في الولايات المتحدة، حيثما أمكن ذلك، مع توفير موارد إضافية للوكالات الحكومية ذات الصلة من أجل مزيد من القضايا التي تعرض أمام القضاء، وزيادة معدل الإدانات الناجحة. ويعتبر ذلك ضرورياً لأن التحقيقات الكبيرة في عمليات غسيل الأموال، وعمليات تمويل الإرهاب المحتملة، والأشخاص المرتبطين بها غالباً ما لا يحالفها التوفيق في ما يتعلق بعرضها أمام المحاكم.

مخطط غسل أموال

في نوفمبر الماضي، ربطت صحيفة «إيه بي سي كولور»، في باراغواي، «حزب الله» بالتحقيقات الجارية في غسل الأموال الضخمة التي حدثت في عام 2016، حيث كشفت هذه التحقيقات عن واحد من أكبر مخططات غسل الأموال الضخمة في تاريخ باراغواي، أو ما يسمى محلياً ب«ميغالافادو». ويبقى أن نرى ما إذا كان هذا المخطط المزعوم قد أفاد المجموعة الإرهابية. وصنفت وزارة الخارجية الأميركية هذه القضية باعتبارها علامة على فشل باراغواي في مكافحة غسل الأموال. لقد مر أكثر من عامين منذ أن شنت سلطات باراغواي غارات على المشتبه فيهم. ولكن منذ ذلك الحين تم استبدال المدّعين العامين المكلفين بالقضية مرات عدة، بما في ذلك آخر مرة خلال عطلة عيد الميلاد الماضية، ولم تكن هناك لوائح اتهام أو تبرئة.

أخيراً، يجب على الولايات المتحدة الاستفادة من تشريع العقوبات الحالي، ليس فقط لتعطيل شبكات «حزب الله» الخارجية، ولكن أيضاً لاستهداف أولئك الذين يساعدون شبكات «حزب الله» من خلال التواطؤ والفساد والحماية.

في أكتوبر 2018، وقّع ترامب على تعديلات قانون منع تمويل «حزب الله» الدولي. وعزز هذا التشريع الجهود السابقة التي بذلها الكونغرس الأميركي في توسيع نطاق العقوبات المالية الأميركية ضد «حزب الله» من خلال قانون منع التمويل الدولي لـ«حزب الله». ويمثل هذا الإطار التشريعي تهديداً على مستويين لعناصر «حزب الله» الفاسدة في المنطقة الحدودية بين باراغواي والأرجنتين والبرازيل.

أولاً، يفرض التشريع عقوبات ثانوية ليس فقط على كيانات «حزب الله» المعروفة، بل على الكيانات التي يحددها الرئيس على أنها مشاركة في أنشطة جمع الأموال أو عمليات التجنيد لمصلحة «حزب الله». وفي حين أن هذه الأنشطة محظورة بالفعل بموجب قانون العقوبات الأميركي، فإن العقوبات الثانوية تتطلب من الإدارة فرض عقوبات على أي شخص أجنبي يحدده الرئيس عن قصد بأنه يقدم دعماً مالياً، أو مادياً، أو تقنياً كبيراً لجمع التبرعات لـ«حزب الله» أو لمصلحته. ويمكن أن يشمل ذلك أي فرد أو شركة من باراغواي أو البرازيل أو الأرجنتين تستأجر تسهيلات أو تقدم خدمات مصرفية أو تتلقى رشا، أو تتخذ أي إجراء آخر يساعد شخصاً معيناً على جمع التبرعات أو التجنيد.

تدابير معزّزة

ثانياً، يسمح التشريع بتطبيق تدابير معززة للبنوك الأميركية في ما يتعلق بسلطات قضائية بأكملها غير لبنان - على المستوى الاتحادي أو على مستوى البلدان أو البلديات - التي «توافق صراحةً أو خفية، على استخدام أراضيها من قبل (حزب الله) للقيام بأنشطة إرهابية، بما في ذلك التدريب والتمويل والتجنيد». وهذا يعني أنه إذا كان الساسة والبيروقراطيون المحليون في المنطقة الحدودية بين باراغواي والأرجنتين والبرازيل يعرفون ويتجاهلون أنشطة «حزب الله» في جمع الأموال والتجنيد في المناطق التي يديرونها، يمكن للإدارة أن تخضع المنطقة نفسها لمزيد من التدقيق المالي. ولدى الإدارة فرصة للاستفادة من الدبلوماسية وإجراءات إنفاذ القانون وفرض العقوبات لقمع عمليات «حزب الله» في المنطقة الحدودية وأميركا اللاتينية على نطاق أوسع. وإن قيامها بذلك لن يحد فقط من القدرات التشغيلية لـ«حزب الله»، بل يحصن النظام المالي الأميركي من أرباح المخدرات، وجمع الأموال الإرهابية، التي تنتشر في تلك المنطقة.

إيمانويل أوتولينغي زميل باحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات


إذا كان الساسة والبيروقراطيون المحليون في المنطقة الحدودية بين باراغواي والأرجنتين والبرازيل يعرفون ويتجاهلون أنشطة «حزب الله» في جمع الأموال والتجنيد في المناطق التي يديرونها، يمكن للإدارة الأميركية أن تُخضع المنطقة نفسها لمزيد من التدقيق المالي.

يجب على الولايات المتحدة الاستفادة من تشريع العقوبات الحالي، ليس فقط لتعطيل شبكات «حزب الله» الخارجية، ولكن أيضاً لاستهداف أولئك الذين يساعدون شبكات «حزب الله» من خلال التواطؤ والفساد والحماية.

طباعة