بعد 8 سنوات من الصراع

الحرب الأهلية السورية أصبحت 3.. والسلام بعيد المنال

صورة

يبدو أن الحرب التي دمرت سورية، خلال السنوات الثماني الماضية، وصلت إلى نهايتها. وأصبح تنظيم داعش، الذي أعلنه أبوبكر البغدادي في 29 يونيو عام 2014، عبارة عن قلة قليلة ومشتتة، وهي على وشك الاندثار. ويبدو أن التمرد ضد الرئيس بشار الأسد قد انتهى فعلاً. ولم يبق الآن من هذا التمرد إلا المكون العسكري للمشروع التركي، الهادف إلى تحويل منطقة في شمال غرب سورية إلى كيان موالٍ للأتراك.

ولكن بدلاً من الحرب الماضية، هناك ثلاث حروب جديدة. وهي تجري الآن في ثلاث مناطق مستقلة بحكم الواقع، والتي أصبحت حدودها تبدو مثل الدخان الناجم عن المعاركة السابقة، وهي: المنطقة التي تسيطر عليها الحكومة، والتي تقع تحت حماية روسيا. والمنطقة الشرقية لنهر الفرات والتي تسيطر عليها قوات سورية الديمقراطية، والتي تتألف بصورة أساسية من المقاتلين الأكراد، وتقع تحت حماية الولايات المتحدة والقوات الجوية الغربية. وأخيراً المنطقة التي يسيطر عليها الأتراك وحلفاؤهم من المنظمات في منطقة إدلب. وتتألف منطقة الواقعة تحت سيطرة الحكومة من نحو 60% من مساحة الدولة، في حين أن قوات سورية الديمقراطية تسيطر على 30%، أما المنطقة التي تسيطر عليها تركيا فتشكل 10%. وتوجد في كل منطقة من هذه المناطق حرب أهلية خاصة بها، مدعومة من الجيوب المجاورة.

وأكثر هذه المناطق الثلاث هشاشة وضعفاً، بمعنى الترتيبات الداخلية والعلاقات مع القوى الخارجية، هي المنطقة التي تسيطر عليها تركيا. ويحكم الجزء الجنوبي من هذه المنطقة تنظيم يعرف باسم «هيئة تحرير الشام»، وهو تنظيم موالٍ لتنظيم «القاعدة». وتتمتع المنطقة بالحماية من القوات السورية من خلال اتفاق سوتشي الهش، الذي تم التوصل إليه بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين، والتركي رجب طيب أردوغان، في سبتمبر 2018. ولكن على الرغم من أن الحرب البرية تبدو غير قريبة حالياً، فإن إدلب ومناطق تابعة لحماة تتعرض لقصف مدفعية الجيش بصورة يومية.

وإلى الشمال هناك منطقة عفرين الكردية، حيث يواجه الأتراك وحلفاؤهم تمرداً، وإن لم يحظَ بتغطية مناسبة من قبل الإعلام، ويحظى بدعم من قبل وحدات حماية الشعب الكردي. وأشار تقرير حديث على موقع «بلنغكات» البريطاني، إلى مقالة عن موقع المونتور، مفادها أن ثمة 200 هجوم تم تنفيذها في منطقة عفرين ضد القوات التركية والحليفة لها، في الفترة بين مارس 2018 ونهاية يناير الماضي، على شكل مفخخات على جانبي الطريق وقنابل مصنوعة محلياً، إضافة إلى وقوع حالات إعدام لمن وصفوا بالمتعاونين. وقتل نحو 100 شخص خلال الشهر الماضي، وفق تقرير «بلنغكات».

هجمات متكررة

وبدأت الهجمات في يناير 2018 مباشرة، بعد وصول القوات التركية إلى المنطقة كجزء من «عملية غصن الزيتون»، التي أدت إلى تدمير الكيان الكردي في غرب سورية. ولم تعلن قوات حماية الشعب الكردي مسؤوليتها عن الهجمات الحالية. ويبدو أنها تقلد الحركة الشقيقة لها، وهي حزب العمال الكردستاني، الذي عادة لا يعلن عن مسؤوليته عن العمليات التي يقوم بها داخل تركيا.

وتسيطر الولايات المتحدة وقوات سورية الديمقراطية على منطقة شرق نهر الفرات، التي تشهد توتراً نتيجة تمرد داخلي تتم إدارته من الخارج. ووفقاً للمرصد السوري لحقوق الإنسان، فقد قتل 236 مقاتلاً من قوات سورية الديمقراطية، والمدنيين، وعمال النفط، ومسؤولين منذ أغسطس عام 2018، في أحداث ليست لها علاقة بالصراع المحتدم على الجبهة ضد تنظيم «داعش». ووقعت أعمال القتل في مناطق الرقة وحلب والحسكة ودير الزور، التي يسيطر عليها بصورة شاملة أو جزئية الأكراد المدعومون من الولايات المتحدة. وكانت أحدث هذه الحوادث، وفق المرصد، اغتيال مقاتل من قوات سورية الديمقراطية في منطقة سويدان «جزيرة» في الريف الشرقي لمدينة دير الزور، خلال بداية الشهر الجاري. وتفجير عبوة مصنوعة محلياً في منطقة حماة في شرق دير الزور.

وتلقي قوات سورية الديمقراطية باللوم عن هذه العمليات على الأتراك، وعلى الحكومة أيضاً، أو حلفائها الإيرانيين أو تنظيم داعش، الذين يعتبرون جميعاً أعداء للأكراد المدعومين من الولايات المتحدة.

منطقة آمنة

وتعتبر المنطقة، التي تسيطر عليها الحكومة هي الأكثر أمناً من بين هذه المناطق الثلاث. وشرع الرئيس بشار الأسد في العمل من أجل استعادة الشرعية، في أعين معظم السوريين، ومواجهة التهديدات لاستمرار حكمه لمعظم الأراضي السورية. لكن في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة، ثمة تصاعد للسخط، إذ إن هناك مجموعة من القوى تستلم السلطة، والنفوذ بصورة فوضوية في هذه المنطقة. وتتألف هذه المجموعات من ميليشيات أجنبية ومجموعات محلية موالية لإيران، وروسيا والشرطة العسكرية السورية، وحزب الله اللبناني، وبالطبع تركيبات أمنية متنوعة ومتصارعة للدولة السورية. وكانت هذه القوى قد تعاونت لإبقاء الرئيس الأسد في السلطة، ولكن مصالحهم الخاصة مختلفة تماماً.

وبالطبع فقد أدى كل هذا إلى تصاعد التوتر، وإلى حدوث ردود أفعال عنيفة. وفي منطقة درعا المضطربة، في جنوب غرب سورية، أدى ذلك إلى حدوث تمرد جديد ولكن مصغر ضد الحكومة السورية. ومنذ نوفمبر 2018، قامت مجموعة تطلق على نفسها اسم «المقاومة الشعبية»، والتي تتألف من مقاتلي الجيش الحر سابقاً، بتنفيذ سلسلة من التفجيرات ضد منشآت الدولة، وهجمات على نقاط التفتيش. وكانت آخرة هذه العمليات تفجير نقطة تفتيش عسكرية في 6 فبراير، حيث تم بث تصوير فيديو للعملية على شبكة الإنترنت.

ومع أفول نجم تنظيم داعش، واندثاره من الخارطة السورية، يبدو أن الدولة ستستقر على حقيقة الانقسام بحسب الأمر الواقع، حيث ستبقى فيها معظم حالات التمرد. ولكن الحروب المفتوحة والكبيرة توقفت إلى حد كبير، ولايزال السلام بعيد المنال إلى حد كبير.


- تتألف المنطقة الواقعة تحت سيطرة الحكومة من نحو 60%

من مساحة الدولة، في حين أن قوات سورية الديمقراطية تسيطر على 30%،

أما المنطقة التي تسيطر عليها تركيا فتشكل 10%. وتوجد في كل منطقة

من هذه المناطق حرب أهلية خاصة بها، مدعومة من الجيوب المجاورة.

جوناثان سباير: باحث في معهد القدس للدراسات الاستراتيجية

 

 

طباعة