تقدّمت على كردستان العراق الغنية بالنفط

«أرض الصومال» تحقق طفرة ديمقراطية واقتصادية وتكنولوجية

صورة

يبدو التشابه كبيراً بين أكراد العراق و«أرض الصومال»، إذ عانى الطرفان جراء حكام ديكتاتوريين كانوا يتلقون الدعم من الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة. وفي عام 1991 قام كل من «أرض الصومال» وكردستان العراق بتمرد ضد حاكمين ديكتاتوريين، هما صدام حسين في العراق وسياد بري في الصومال. وكانت النتيجة مختلفة، فبينما هرب سياد بري إلى المنفى وتوفي بعد أربع سنوات، تمكن صدام حسين من إحكام سيطرته على الدولة، لكن منطقة كردستان العراق حظيت بحكم ذاتي تحت حماية منطقة حظر تحليق الطيران.

وفي عام 1992 أجرت حكومة كردستان المحلية انتخابات، حيث اتفق زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، مسعود برزاني، وزعيم حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، جلال الطالباني، على تقاسم السلطة. أما في «أرض الصومال» فقد شهد مؤتمر بوراما عاصمة المنطقة عام 1993 أول انتخابات رئاسية، التي تكررت خمس مرات منذ ذلك التاريخ حتى الآن.

وثمة أمور متشابهة بين الطرفين، وعلى الرغم من أن كردستان العراق وأرض الصومال أصبح لديهما حكومتيهما الخاصتين بهما، إلا أنهما يعانيان من عقوبات مضاعفة، فهناك العقوبات الدولية على العراق والصومال، وعقوبات حكومتَي بغداد ومقديشو على المنطقتين المنفصلتين.

لكن هذه المقارنة توقفت الآن، إذ إن أرض الصومال ازدهرت كديمقراطية وليدة، على الرغم من أنها لم يتم الاعتراف بها، الأمر الذي جرّ عليها الكثير من الصعوبات الاقتصادية، إلا أن قطاعها الخاص ازدهر بقوة. وبالمقارنة فإن كردستان العراق أصبح المنطقة التي يمارس فيها أقل قدر من الديمقراطية في شتى أنحاء العراق. وعلى الرغم من أن أرض الصومال انتخبت خمسة رؤساء منذ عام 1993 حتى الآن، حتى إن آخر عملية انتخاب تم التحقق فيها من الناخبين من قزحية العين، إلا أن كردستان العراق كان له رئيس واحد، هو مسعود برزاني، الذي وإن كانت مدة رئاسته قد انتهت إلا أنه لايزال يحافظ على السلطة، وعلى بطانته، وسيطرته على المداخيل المالية.

احترام القطاع الخاص

السؤال المطروح الآن بقوة: كيف تمكنت أرض الصومال الفقيرة، الواقعة في القرن الإفريقي، من تحقيق إنجازات أفضل بكثير من كردستان العراق الثري بالنفط؟ ربما يكون الاختلاف الأساسي بين أرض الصومال وكردستان العراق هو الفصل الحاد بين الأعمال والسياسة، الذي تحقق في أرض الصومال.

وبصورة تقليدية كانت التجارة والتصدير الرئيس هو المواشي، التي كانت تجارة النخبة في ميناء بربرة، والتي شجعت على التوصل إلى تسوية سياسية، وبالتالي إلى الاستقرار في أرض الصومال، بينما انحدرت بقية مناطق الصومال إلى الفوضى. وفي الوقت الذي أصبحت فيه التجارة والأعمال في أرض الصومال أكثر تنوعاً وتطوراً، لايزال هناك خط فاصل وواضح بين طبقتَي السياسيين والتجار. وربما يقوم التجار بدعم مرشحين سياسيين، ولكنهم نادراً ما يفكرون في ترشيح أنفسهم، كما لا يخشون انتقام المرشح الفائز إذا دعموا المرشح الخاسر.

طبقة رجال الأعمال

وبالمقارنة، في كردستان العراق تكون الطبقة السياسية هي ذاتها طبقة رجال الأعمال والتجار. ولا يتردد رجال برزاني والطالباني في استغلال نفوذهما السياسي، وأحياناً السلطة العسكرية لقمع أي منافسة ضدهم. وأدى ذلك إلى إعاقة اقتصاد كردستان العراق. وكان النمو العقاري في شتى أنحاء كردستان العراق يشكل ثراء وهمياً وكاذباً. لكن الأمر الذي لم يدركه العديد من الموظفين الدوليين والصحافيين الزائرين، عندما يظهرون إعجابهم بالنجاح الظاهري لكردستان العراق، هو أن معظم الشقق السكنية والفنادق فارغة تقريباً، وأن صورة النجاح سطحية، وستنفجر الفقاعة عندما تنفد الأراضي الحكومية، التي حصل عليها من لهم علاقة بالسلطة السياسية تحت ستار الخصخصة.

وبصورة أكثر شمولية، فإن الفصل بين التجارة والسياسة منح أرض الصومال مزيداً من الفوائد في نواحي أخرى. وقد استفادت أرض الصومال وكردستان العراق من مواطنيهما في الشتات. لكن في الوقت الذي كان فيه المغتربون الأكراد يريدون الاستثمار في كردستان العراق بحذر وتيقظ، كي لا يخسروا استثماراتهم بسبب الفساد المستشري في المنطقة، والشركاء الوهميين، والافتقار إلى القوانين التجارية، كان مغتربو أرض الصومال يستثمرون بنجاح على مستويات عدة، (ثمة نكتة في أرض الصومال مفادها أن أي مغترب يعود إليها يفتتح مقهى).

وفي الحقيقة فإن القضية لا تتعلق بالاستثمارات فحسب، حيث يذهب 70% من ميزانية كردستان العراق إلى رواتب الموظفين، وهي تتساوى في ذلك مع كوبا، لكن في أرض الصومال ينخرط 90% من السكان في القطاع الخاص، الأمر الذي يعني أنهم ينتجون الثروة بدلاً من أن يستغلوها. وربما لهذا السبب تبلغ الآن ديون كردستان العراق نحو 20 مليار دولار، في حين لا يوجد على أرض الصومال أي ديون، كما أن وجود طبقة كبيرة من رجال الأعمال في أرض الصومال يعني وجود أرضية عريضة لجني الضرائب. ويعتبر «كردستان العراق» جديداً نسبياً في قضية فرض الضرائب، وبالنظر إلى أن رجال برزاني والطالباني لا يدفعون الضرائب، فإن ذلك سيضعف من استقرار الميزانية.

أمن دون محاباة

وفي الوقت الذي تكون ميزانية أرض الصومال صغيرة نسبياً (وهي لا تزيد على بضعة مئات من ملايين الدولارات)، إلا أنه يتم استخدامها بصورة ترفع من فاعليتها إلى أعلى حد ممكن. ومن النجاحات التي حققتها أرض الصومال، توحيد ميليشياتها المتنوعة في قوات مسلحة واحدة بعد عام 1991، وهو الأمر الذي لايزال أكراد العراق يتحدثون عنه لكن دون التوصل إلى تحقيقه. وتكرس أرض الصومال نحو ثلث ميزانيتها لدعم هذه القوات المسلحة وحرس السواحل، حيث حققت هذه القوات أفضل النتائج، ففي الوقت الذي انحدرت دولة الصومال نحو الفوضى، بقيت أرض الصومال خالية من القرصنة، وحمت أراضيها من تنظيم «الشباب»، وهو ميليشيا تدين بالولاء لتنظيم «القاعدة» الإرهابي منذ سنوات عدة. وبالمقارنة فإن كردستان العراق لديه ميزانية أكبر بكثير مما لدى أرض الصومال للدفاع، إلا أن تنظيم «داعش» تمكن من الازدهار في مناطق تحت حماية كردستان العراق، وعندما اندلعت الحرب بين الطرفين هربت قوات كردستان بدلاً من أن تدافع عن مناطقها. وربما يرجع السبب في التباين بين الطرفين إلى أن أرض الصومال لا تعين جنرالات في قواتها المسلحة وهم في العشرينات من العمر فقط لأنهم ينتمون إلى عائلات قوية ومتنفذة في كردستان العراق، وإنما توظف أنظمة عسكرية وأمنية تتسم بالجدوى والقوة.

«ختم قبول الأعمال»

وأدى المناخ المشجع للأعمال إلى تعزيز قدرة أرض الصومال على فعل الكثير بمقدرات بسيطة. وتضم أرض الصومال ثاني أضخم مصنع لمشروب كوكاكولا في إفريقيا، ما حدا بصحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية إلى القول إن أرض الصومال فازت بـ«ختم قبول الأعمال»، على الرغم من أنها تفتقر إلى الاعتراف الدبلوماسي بها. وتوجد «كوكاكولا» تاريخياً في العراق إلا أن الحروب والحكم الديكتاتوري أجبرا الشركة على الخروج من هذا البلد، لكن كردستان العراق جذب الشركة مرة أخرى عام 2006، وكانت العائلة الحاكمة في كردستان العراق هي التي تمتلك امتياز التصنيع، لكنه انتقل إلى شركة تركية في ما بعد.

تقنيات القفز نحو المستقبل

على الرغم من أن كردستان العراق متخلف في مجال البنية التحتية التكنولوجية، إذ إن السكان المحليين يشتكون من أن شبكة المحمول تقطع مرات عدة خلال مكالمة واحدة، إلا أن أرض الصومال أصبحت «جمهورية إلكترونية» لشدة تطورها. وعلى الرغم من أن البنية التحتية الطبيعية مثل الطرق في أرض الصومال سيئة نتيجة قلة المساعدات، إلا أن الشركات المحلية انطلقت نحو تقنيات جديدة للقفز نحو المستقبل. وتقدم شركات الهواتف المحمولة العاملة في أرض الصومال أحدث التقنيات المتوافرة في العالم. وفي عام 2009 بدأت شركة «تلسوم»، وهي أضخم شركات المحمول في أرض الصومال، برنامج نقل الأموال عبر الهواتف، وأطلقت عليه «زاد»، وأصحبت الآن معظم عمليات الشراء تتم عن طريق المحمول. أما سلطات كردستان العراق فلاتزال تقاوم إدخال أنظمة المصارف الحديثة، خوفاً من مخاطر عمليات الاحتيال المربحة التي ينخرط بها كثيرون.

وربما يرجع السبب في هذا التباين بين الطرفين إلى النفط، إذ إن اكتشافه في كردستان أدى إلى أسوأ حالة من الفساد تعرفها الدولة، كما أن الاقتصاد أصبح بعدها أكثر سوءاً من قبل اكتشاف النفط.

مايكل روبن رجل أعمال أميركي


تذهب 70% من ميزانية كردستان العراق إلى رواتب الموظفين، وهي تتساوى في ذلك مع كوبا، لكن في «أرض الصومال» ينخرط 90% من السكان في القطاع الخاص، الأمر الذي يعني أنهم ينتجون الثروة بدلاً من أن يستغلوها.

الأمر الذي لم يدركه العديد من الموظفين الدوليين والصحافيين الزائرين، عندما يظهرون إعجابهم بالنجاح الظاهري لكردستان العراق، أن صورة النجاح سطحية.

مسؤولية بغداد

يرغب المسؤولون في كردستان العراق صرف النظر عن المحاسبة وادارتهم السيئة، عن طريق القاء اللوم على بغداد، والجيران المعادين، او أي مصدر خوف سواء كان حقيقيا او وهميا.

وربما حان الوقت لسكان كردستان والدبلوماسيون المقيمين فيها وكذلك المستثمرين المحتملين أن يطرحوا التساؤل الذي مفاده كيف لمنطقة مثل أرض الصومال تتسم بتاريخ مشابه لكردستان العراق، ومساوية لها من حيث تعداد السكان و المشكلات الجغرافية السياسية أن تنهض من الحرب والتدمير وليس فقط كنظام ديمقراطي ناجح وانما باقتصاد أكثر صحية وافضل تنظيما بكثير من كردستان العراق.

طباعة