زيارات الوفود العربية تمثل عاملاً رئيساً في الحفاظ على تاريخ المكان ودعم صمود السكان

أحياء «البلدة القديمة» في القدس تصارع البقاء في وجه مخططات التهويد

صورة

فوق بقعة تبلغ مساحتها 900 دونم (الدونم 1000 متر)، تتزاحم الشوارع والأزقة والحارات في البلدة القديمة بالقدس، بمشاهد أثرية ومعالم حضارية، شاهدة على تعاقب حضارات الكون القديمة، فمن بين الحجارة والجدران يشتمّ الزائر عبق التاريخ التليد الذي لم تقدر إسرائيل على إزالته، رغم كل مخططاتها التهويدية.

فالجدران التي أقيمت قبل آلاف السنين مازالت باقية، بحجارتها وأشكالها المعمارية العتيقة، والقباب والأدراج التي بناها الأمويون، على شاكلتها شامخة كما هي، تحتضن كل من يمر عليها، ليشعر بدفء ممتد عبر حضارات الزمان.

وتعد البلدة القديمة المنطقة الواقعة داخل سور بناه السلطان العثماني سليمان القانوني، وباتت تعرف بأسوار القدس، وتحتضن داخلها الأحياء والحارات والأزقة والشوارع كافة، والجزء الأكبر والأهم من معالم ورموز وآثار القدس التاريخية، بما فيها المسجد الأقصى وقبة الصخرة وكنيسة القيامة وحائط البراق، ويتكون سور البلدة القديمة من 11 باباً، هي باب العامود، وباب الساهرة، وباب الأسباط، وباب المغاربة، وباب النبي داود/‏‏‏‏‏‏‏ باب صهيون، وباب الخليل أو كما يعرف بباب يافا، وباب الحديد، إلى جانب باب الرحمة، والباب الواحد، وباب المثلث، والباب المزدوج.

وكانت البلدة القديمة قد قسمت في القرن الـ19 إلى أربعة أحياء رئيسة كبيرة، هي حي النصارى أو الحي المسيحي، والحي الإسلامي، وحارة الأرمن، وحي المغاربة، وتضم تلك الأحياء 24 حارة، تلفّها أسوار القدس من شمالها إلى جنوبها.

جولة عبر الزمن

«الإمارات اليوم» تجولت داخل أسوار البلدة القديمة، فزائرها يدخل من بابَي الحديد وباب الخليل /‏‏‏‏‏‏‏ باب يافا، للتنقل بين الدكاكين القديمة والبيوت الحجرية، وسرعان ما يغمره شعور أقرب إلى الخشوع، لما تحمله هذه الأزقة المتعرجة من تاريخ تتعايش فيه، وتتشابك الديانتان الإسلامية والمسيحية.

ويقول الباحث في تاريخ القدس، رائد فتحي، لـ«الإمارات اليوم»: «تبدأ البلدة القديمة من باب الحديد، لتضم حي الأرمن، الذي تسكنه الطائفة الأرمنية بقرابة 1000 نسمة، ويحوي دير الأرمن وقلعة الملك داوود، فيما أغنى الحي المسيحي البلدة القديمة بأكملها بثماني كنائس، ليشكل أكبر التجمعات المسيحية في القدس».

ويشير إلى أن الحي الإسلامي، بحارات السعدية وحطة والواد، يتوسط البلدة القديمة بأوسع مساحة يسكنها 20 ألف نسمة، وهو يتوج بمقامات الأولياء ومعالم أثرية، أبرزها المسجد الأقصى وقبة الصخرة، والمسجد القبلي، لكن هذا الحي لا يسلم من استهدافات إسرائيل المتكررة المتمثلة في بالهدم والمصادرة.

وبحسب فتحي، فإن خطوات المتجه إلى المسجد الأقصى المبارك، تستقبلها الحارات الإسلامية المنتشرة على نحو 67 دونماً، منها حارة السعدية التي تمتاز بمسجد المئذنة الحمراء، وتتعمد إسرائيل حفر الأنفاق أسفلها وتنفيذ مخططات توطين داخلها، لزعزعة الوجود العربي.

وفي الجزء الجنوبي الشرقي من بلدة القدس، توجد حارتا الشرف والمغاربة العربيتان، لكن بعد حرب عام 1967 واحتلال إسرائيل للقدس، تم تدميرهما، وطرد قرابة 1000 فلسطيني، وملئهما بالمهاجرين اليهود، وباتتا تعرفان بالحي اليهودي، وتقام حوله وتتوسع ساحات حائط البراق لإقامة صلوات اليهود فيها، حيث باتوا يطلقون عليه «حائط المبكى».

وكانت حارة الشرف تعرف بحارة العلم، وقد ضمت سبع حارات صغيرة أهمها الحيادرة والريش، وكانت تسكنها عائلات عربية قديمة كأبوالسعود والشرف، وبعد أن استوطنها 19 ألف يهودي أصبحت محلاً كاملاً لهم، وبني فيها كنيس الخراب اليهودي، أما حارة المغاربة فلم يتبقّ فيها سوى القصور الأموية.

ويقول فتحي: «إن المعالم التاريخية الإسلامية والمسيحية والأحياء والحارات الأثرية القديمة كنز ثمين، وتعد رأسمال البلدة القديمة في القدس، ولم تقدر إسرائيل على طمسها على الرغم من كل محاولاتها ومخططاتها التهويدية والاستيطانية».

وأمام هذا التاريخ العريق، تتعرض البلدة القديمة لهجمات شرسة، تستهدف تهويد أسماء الأحياء فيها، والسيطرة على أماكنها المقدسة والتاريخية ومنازلها ومحالها التجارية، بقرارات حكومية إسرائيلية وإجراءات بلدية ومخططات جمعيات استيطانية، وحفريات تدميرية.

ويشير إلى أن أهالي القدس يتعرضون لأشكال مختلفة من الضغط بغرض تهجيرهم، عبر منعهم من البناء، وهدم منازلهم، ما أدى إلى تناقص أعداد السكان في البلدة أو نموهم بشكل بطيء.

ويؤكد الباحث فتحي أن توافد العرب لزيارة البلدة القديمة، سيكون ضربة قاسية في وجه المخططات الإسرائيلية، فهو سيكون خير شاهد وبرهان على عروبة تلك الأماكن.

وتكتسب زيارة الوفود العربية إلى القدس والبلدة القديمة أهمية كبيرة، بحسب فتحي، وذلك لدعم الأهالي العرب والمسلمين سكان أحياء القدس معنوياً، وتعزيز موقفهم في معركة الصمود والبقاء، إلى جانب الحفاظ على استمرار مشاهد الحضارة التاريخية الباقية في البلدة القديمة.

أدراج من العهد الأيوبي

من بين المعالم الأثرية ذات الأشكال الجميلة والجذابة، والتي مازالت شامخة حتى اليوم رغم مرور الأزمنة والعصور، الأدراج أو ما يعرف بـ«العقبات»، التي تملأ حارات البلدة القديمة وشوارعها، والتي أنشئ الكثير منها خلال الفترة الأيوبية، ونسبت أسماؤها إلى أشخاص أو عائلات سكنتها أو أماكن احتوتها، وتعد هذه العقبات التي تجمع بين العراقة والجمال، الشرايين التي تربط بين حارات المدينة المقدسة وأسواقها.

ومن أبرز تلك العقبات، عقبة التوت، الواقعة داخل أسوار البلدة القديمة، وهي طريق صغير يوصل «طريق الواد» أحد شرايين البلدة القديمة المهمة، بطريق سوق خان الزيت، أكبر وأقدم أسواق البلدة القديمة، فيما تقع عقبة الشيخ ريحان في حارة السعدية، داخل أسوار البلدة القديمة، وعقبة الشيخ لولو تقع جنوب شرق باب العامود بملاصقة سور البلدة القديمة، على يسار الداخل المتجه إلى مسجد الشيخ لولو وحارة السعدية. وسميت بهذا الاسم نسبة إلى الأمير بدرالدين لؤلؤ، أحد أمراء عهد صلاح الدين الأيوبي.

استراتيجية عربية

أهمية المعالم الحضارية والأثرية في البلدة القديمة، جعلتها محل أطماع للمخططات الإسرائيلية، التي استباحت الأماكن وهودت أسماءها التاريخية، كما هجرت الأهالي واستولت على منازلهم، الأمر الذي يجعل خطر الاستيلاء الكامل على كل شارع وحارة وزقاق داخل البلدة القديمة ماثلاً.

ويؤكد مدير دائرة الخرائط ونظم المعلومات الجغرافية ببيت الشرق في القدس، خليل تفكجي، أن سبب استباحة إسرائيل للمقدسات والمعالم والأحياء في البلدة القديمة، هو غياب استراتيجية فلسطينية عربية لحماية القدس طوال الأعوام الماضية، لافتاً إلى أن الفلسطينيين أهالي القدس يواجهون وحدهم معركة البقاء والصمود.

ويشدد على أهمية دور العرب في إيجاد استراتيجية داعمة للمقدسيين، لضمان استمرار وجودهم في منازلهم والأحياء المقدسية، وحماية الآثار والمعالم الحضارية من الاندثار.

ويقول تفكجي «إن الاستراتيجية العربية الضامنة لدعم المقدسيين، تتمثل في مشروعات الإسكان وترميم منازل الفلسطينيين، ودعم المؤسسات التعليمية والصحية والاقتصادية، بشكل مباشر، وإعلان التوأمة معها من قبل المؤسسات العربية والإسلامية».


رائد فتحي:

خطوات المتجه إلى المسجد الأقصى المبارك تستقبلها الحارات الإسلامية، الممتدة من باب العامود على نحو 67 دونماً، منها حارة السعدية التي تمتاز بمسجد المئذنة الحمراء، وتتعمد إسرائيل حفر الأنفاق أسفلها وتنفيذ مخططات توطين داخلها، لزعزعة الوجود العربي.

خليل تفكجي:

إن الاستراتيجية العربية الضامنة لدعم المقدسيين، تتمثل في مشروعات الإسكان وترميم منازل الفلسطينيين، ودعم المؤسسات التعليمية والصحية والاقتصادية بشكل مباشر، وإعلان التوأمة معها من قبل المؤسسات العربية والإسلامية.

توافد العرب  لزيارة البلدة القديمة، سيكون ضربة قاسية في وجه المخططات الإسرائيلية، فهي ستكون خير شاهد وبرهان على عروبة تلك الأماكن.

طباعة