استعادة القوة بحاجة إلى عمل وطني جبار

القوة العسكرية الأميركية مصابة بالوهن.. ويصعب عليها التفوَّق

صورة

أصدرت لجنة استراتيجية الدفاع الوطني، أخيراً، تقريراً يؤكد أنه نتيجة للتآكل الذي يتعرض له التفوق العسكري الأميركي، فإن «أمن ورفاهية الولايات المتحدة معرضان للخطر، أكثر من أي وقت مضى منذ عقود». وحذر التقرير، الذي أصدرته هذه اللجنة المكونة من الحزبين، إلى أنه «إذا لم تتحرك الأمة على وجه السرعة لمعالجة هذه الظروف، فإن تبعاتها ستكون خطرة وسيئة بشكل مستديم». وبعبارة أخرى، تتطلب هذه الأزمة إجراءً عاجلاً في واشنطن.

ومنذ أحداث الـ11 من سبتمبر، وإلى وقت قريب، لم تتلق وزارة الدفاع التمويل الكافي في الوقت المناسب لدعم العمليات، والحفاظ على الجاهزية، وتحديث القوات الأميركية. ونتيجة لذلك، اضطرت وزارة الدفاع الأميركية باستمرار إلى تأجيل التحديث، لتحديد أولويات استعداد الوحدات، التي من المقرر نشرها على الفور.

الصين وروسيا

وأكدت اللجنة أنه في الوقت ذاته تعمل كلٌّ من الصين وروسيا على تحديث قواتهما النووية والتقليدية، وتوسيع قدراتهما. وهما تعملان الآن ضدنا وضد حلفائنا في مناطق متنازع عليها بشكل متزايد، مثل الفضاء والمجال السيبراني. وأنهما تستخدمان أنماطاً غير متكافئة من الحروب الاقتصادية والإعلامية والقانونية، لاستنزاف القوة الأميركية. ويتمثل هدفهما في استغلال نقاط الضعف الأميركية. وأنهما تسعيان في نهاية المطاف إلى تقويض النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة، والذي يقيد قدرات المعتدين، ويشجع الحرية السياسية والاقتصادية على السواء.

وتجاهد واشنطن من أجل استجابة فعالة، إذ تدهور التفوق العسكري الأميركي، أو اختفى في خضم قدرات دفاعية كبيرة، وتحول ميزان القوة في المواقع الاستراتيجية مثل أوروبا الشرقية وغرب المحيط الهادي، إلى صالح خصومنا وأعدائنا، ما يزيد احتمال نشوب صراع. ومن المؤكد أن هذه الأزمة لم تتطور بين عشية وضحاها، وسوف يتطلب التعافي منها أكثر من عقد من الزمان. كما تتطلب بذل جهود متواصلة، وتوافقاً وإجماعاً من الحزبين لصالح الأمن القومي، حيث ينبغي أن يستمر هذا الاجماع عبر الإدارات المتعاقبة. ولكن لسوء الحظ، نجد أن الولايات المتحدة أكثر انقساماً اليوم، من ما كانت عليه منذ سنوات. وأعتقد أن هناك ثلاثة مبادئ، يمكن أن تكون بمثابة أساس لإجماع متجدد لصالح الأمن القومي.

رصيد استراتيجي

أولاً: يمثل نظامنا القوي، المكون من التحالفات الأميركية، رصيداً استراتيجياً لا يضاهى، يجب علينا تعزيزه وتقويته بدلاً من التخلي عنه. ويبدو أن الإدارة محقة في الضغط على حلفائنا، لتحمل نصيبهم العادل من عبء الدفاع، ويجب أن نتوقع ظهور خلافات بين الحلفاء. ومع ذلك، فإن الحفاظ على تحالفات أميركية قوية يساعد على ردع العدوان، ومنع الحروب، ويخفف العبء عن جيشنا، ويؤمن المصالح الوطنية. وكما قال رئيس الوزراء البريطاني السابق، ونستون تشرشل: «هناك شيء واحد أسوأ من القتال مع الحلفاء، هو القتال من دونهم».

ثانياً: يتطلب أمن ورخاء الشعب الأميركي، خلال هذا القرن، أن تتفاوض الولايات المتحدة مع الصين وروسيا من موقع قوة. وعندما يشك الأعداء في قدرات الولايات المتحدة، من المرجح أن يقوموا بأعمال استفزازية. لذا يجب على قادتنا في واشنطن دعم قوتنا العسكرية والسياسية على حد سواء، ورصد التكاليف الفعلية المرتبطة بالتحديات التي تواجهها مصالحنا الأساسية. ويجب أن نسعى جاهدين لحل خلافاتنا دبلوماسياً، لكن النجاح غير محتمل من دون الثقل الذي توفره التحالفات الأميركية ذات الصدقية، والقوة العسكرية التي لا يمكن مقارعتها.

التمويل

أخيراً، يجب أن يكون هناك التزام قوي بتوفير التمويل المناسب لوزارة الدفاع في حينه. وبدعم واسع من الحزبين، وقد بدأ الكونغرس والإدارة بإصلاح الأضرار التي تمخضت عن سنوات من التمويل غير الكافي، والاعتماد المعتاد على القرارات المستمرة. ويمثل التمويل الذي حصلت عليه وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) بقيمة 686 مليار دولار في عام 2019، زيادة كبيرة مقارنة بعام 2017. والأهم من ذلك أن «البنتاغون» تلقت هذا التمويل على الفور، حيث بدأت السنة المالية باعتمادات تم إقرارها للمرة الأولى منذ فترة طويلة.

ويتمثل المفتاح الآن في الحفاظ على هذا التقدم، حيث أوصت لجنة استراتيجية الدفاع الوطني بتمويل نمو تراوح نسبته بين 3 و5٪ فوق معدل التضخم لمدة خمس سنوات على الأقل، مع توفير المزيد من التمويل، ويمكن للبنتاغون الاستمرار في تنفيذ أولوياتنا الدفاعية، ويمكنه ترقية الطاقة والقدرة وقوة الفتك والجاهزية وتحديث جيشنا. ومن شأن زيادة التمويل، أيضاً، أن تتيح فرص تدريب موسعة لقواتنا، بالإضافة إلى المزيد من التدريبات مع حلفائنا. كما أنها تساعد على الاستثمار الضروري في التقنيات المهمة مثل الأنظمة الذاتية، والذكاء الاصطناعي، والطاقة الموجهة، والصواريخ فوق الصوتية.

ومن دون زيادة التمويل تصبح كل هذه الأمور أكثر صعوبة. إن الفشل في تمويل استراتيجيتنا الدفاعية الأميركية بشكل كافٍ، من شأنه أن يزيد فرص فشل قواتنا في كسب صراع القوى العظمى في السنوات المقبلة. ونرى أنه من واجبنا أن نوفر لقواتنا الموارد التي تحتاج إليها لتنفيذ الاستراتيجية التي أمرناها بدعمها. وهذا المبدأ يجب أن يتغلب بالفعل على الحزبية.

إن التهديدات التي نواجهها مليئة بالرعب، الذي لم نشهده منذ عقود. فالتنافس بين القوى العظمى هو التحدي الأكبر، لكن يجب علينا أيضاً التعامل مع إيران وكوريا الشمالية والإرهاب. ومع إجماع متجدد من الحزبين على الأمن القومي يركز على تحالفات قوية، واستراتيجية متماسكة، وموارد كافية، يمكننا بناء كلٍ من القوة العسكرية والسياسية، اللازمة لتأمين الولايات المتحدة لعقود قادمة.

كيلي أيوت سيناتورة سابقة، وعضو بمجلس المستشارين لمركز القوة العسكرية والسياسية بمؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات.


روسيا والصين تستخدمان أنماطاً غير متكافئة من الحروب الاقتصادية والإعلامية والقانونية، لاستنزاف القوة الأميركية. ويتمثل هدفهما في استغلال نقاط الضعف الأميركية، وأنهما تسعيان في نهاية المطاف إلى تقويض النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة، والذي يقيد قدرات المعتدين، ويشجع الحرية السياسية والاقتصادية على السواء.

طباعة